التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ
١١
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ
١٨
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
١٩
وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ
٢٠
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢١
-الصافات

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والفاء فى قوله - تعالى -: {فَٱسْتَفْتِهِمْ ...} هى الفصيحة، والاستفتاء: الاستخبار عن الشئ ومعرفة وجه الصواب فيه.
والمراد من الاستفهام فى الآية: توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم وجهلهم. وتعجيب العقلاء من أحوالهم.
واللازب: أى: الملتصق بعضه ببعض. يقال: لزب الشئ يلزب لزبا ولزوبا، إذا تداخل بعضه فى بعض، والتصق بعضه ببعض. والطين اللازب: هو الذى يلزق باليد - مثلا - إذا ما التقت به قال النابغة الذبيانى:

فلا تحسبون الخير لا شر بعدهولا تحسبون الشر ضربة لازب

أى: ضربة ملازمة لا مفارقة لها.
والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم - من أن كل شئ فى هذا الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا، فاسأل هؤلاء المشركين {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أى: أهم أقوى خلقة وأمتن بنية، وأضخم أجسادا.. {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} من ملائكة غلاظ شداد، ومن سماوات طباق، ومن أرض ذات فجاج.
لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك، سوى قولهم: إن خلق الملائكة والسموات والأرض. أشد من خلقنا.
وقوله - تعالى - {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} إشارة إلى المادة الأولى التى خلقوا منها فى ضمن خلق أبيهم آدم - عليه السلام -.
أى: إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض، ومتداخل بعضه فى بعض.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذى أنكره المشركون.
أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة.. أعظم وأكبر منهم.. ومن كان قادراً على خلق الأعظم والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وأما الدليل الثانى فهو قوله - تعالى -: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما.
إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإِعادة أيسر من الابتداء. وقد قرر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات منها قوله - تعالى -:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } ثم بين - سبحانه - أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}.
قال الجمل: وقوله {بَلْ عَجِبْتَ} إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أى: هم لا يقرون بل عجبت، وإما عن الأمر بالاستفتاء، أى: لا تستفتهم فإنهم معاندون، بل انظر إلى تفاوت حالك وحالهم.
أى: بل عجبت - أيها الرسول الكريم - ومن حقك أن تعجب، من إنكار هؤلاء الجاحدين لإِمكانية البعث، مع هذه الأدلة الساطعة التى سقناها لهم على أن البعث حق.
وجملة {وَيَسْخَرُونَ} حالية. أى: والحال أنهم يسخرون من تعجبك ومن إنكارك عليهم ذلك، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة، حتى إنك لترددها على مسامعهم صباح مساء.
قال الآلوسى: وقرأ حمزة والكسائى: {بل عجبتُ} - بضم التاء - .. وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض، أى: لو كان العجب مما يجوز علىَّ لعجبت من هذه الحال.
ثم قال: والذى يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند الجهل للسبب، ولذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهو فى الله - تعالى - بمعنى يليق لذاته - تعالى - وهو - سبحانه - أعلم به، فلا يعينون معناه.
وقوله - تعالى - {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ. وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} بيان لشدة تماديهم فى الباطل، وإصرارهم عليه.
أى: أن هؤلاء القوم من دأبهم ومن صفاتهم الملازمة لهم، أنهم إذا وعظوا بما ينفعهم لا يتعظون، وإذا رأوا آية واضحة فى دلالتها على الحق {يَسْتَسْخِرُونَ} أى: يبالغون فى السخرية وفى الاستهزاء بها، يقال: استسخر القوم من الشئ، إذا استدعى بعضهم بعضا للاستهزاء به.
ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بالسخرية، بل قالوا أقوالا تدل على جحودهم وجهلهم، فقال - تعالى - {وَقَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
أى: وقالوا - على سبيل الجحود والعناد - ما هذا الذى أتانا به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا سحر واضح بين، ولا يشك أحد منا فى كونه كذلك.
{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}.
أى: أنهم لم يكتفوا بقولهم: إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سحر واضح، بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة فى الإِنكار لما جاءهم به قولهم: أئذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا فى قبورنا، وصرنا تراباً وعظاما أئنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضاً؟
ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على انطماس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شئ. والتى من آثارها إيجادهم من العدم.
ولذا لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم فقال: {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}.
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - ستبعثون أنتم وآباؤكم الأقدمون، وأنتم جميعا {دَاخِرُونَ} أى: صاغرون مستسلمون، لا تستطيعون التأخر أو التردد.. يقال: دخر الشخص يدخر - بفتح الخاء - دخورا، إذا ذل وصغر وهان.
ثم بين - سبحانه - أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ}
والزجرة واحدة من الزجر، يقال: زجر الراعى غنمه إذا صاح عليها، ومنعها من شئ معين. والضمير راجع إلى البعثة المدلول عليها بسياق الكلام، والفاء: هى الفصيحة.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا. فإنما بعثهم من مرقدهم يكون بصيحة واحدة يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى ما حولهم فى ذهول، وينتظرون فى استسلام وذلة حكم الله - تعالى - فيهم.
والمراد بهذه الزجرة: النفخة الثانية التى يقوم بها إسرافيل بأمر الله - تعالى - كما قال - تعالى -:
{ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } والتعبير عن الصيحة بالزجرة للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء المشركين، وأنها قد أتتهم ممن لا يستطيعون معصية أمره.
ثم بين - سبحانه - أحوالهم بعد هذه الزجرة فقال: {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا} أى: وقالوا بعد أن خرجوا من قبورهم فى ذهول: {يٰوَيْلَنَا} أى: يا هلا كنا أحضر فهذا أوان حضورك.
وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} يصح أن يكون من كلام بعضهم مع بعض بعد أن رأوا أن ما كانوا ينكرونه، قد أصبح حقيقة واقعة أمام أعينهم.
أى: قال بعضهم لبعضهم فى ذعر وفزع: يا ويلنا هذا يوم الجزاء على الأعمال. الذى كنا ننكره فى الدنيا، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا.
ويصح أن يكون هو وما بعده، وهو قوله - تعالى -: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من كلام الملائكة على سبيل التأنيب لهم.
أى: تقول لهم الملائكة: اطلبوا ما شئتم من الويل والهلاك، فهذا اليوم هو يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم الفصل والقضاء الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا، وتستهزئون ممن يأمركم بحسن الاستعداد له، وينذركم بسوء المصير إذا ما سرتم فى طريق الكفر به، والإِنكار له.
ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم، وصور أحوالهم البائسة تصويرا تقشعر من هوله الجلود، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم فقال - تعالى -:
{ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ...}.