التفاسير

< >
عرض

وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا
١
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً
٢
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً
٣
إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ
٤
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ
٥
-الصافات

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والواو فى قوله - تعالى -: {وَٱلصَّافَّاتِ} للقسم. وجوابه قوله: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}
و "الصافات" من الصف، وهو أن تجعل الشئ على خط مستقيم. تقول: صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم على خط مستقيم. سواء أكانوا فى الصلاة، أم فى الحرب، أم فى غير ذلك.
و "الزاجرات": من الزجر، وهو الدفع بقوة. تقول: زجرت الإِبل زجرا - من باب قتل - إذا منعتها من الدخول فى شئ ودفعتها إلى غيره.
و "التاليات": من التلاوة، بمعنى القراءة فى تدبر وتأمل.
وأكثر المفسرين على أن المراد وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات: جماعة من الملائكة موصوفة بهذه الصفات.
فيكون المعنى: وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله - تعالى - وطاعته، أو الذين يصفون أجنحتهم فى السماء انتظاراً لأمر الله، والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصى، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التى كلفهم الله - تعالى - بدفعه إليها، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه تقربا إليه - تعالى - وطاعة له.
وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون فى قوله - تعالى - فى السورة نفسها:
{ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً. وجعلت لنا تربتها طهوراً إذا لم نجد الماء" .
وفى حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سَمُرَه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف" .
وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء، لأجل الإِعذار والإِنذار به. كما فى قوله - تعالى - فى أوائل المرسلات: { فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً. عُذْراً أَوْ نُذْراً } قال الإِمام ابن كثير: قوله: {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس، وهذه الآية كقوله - تعالى -: { فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً. عُذْراً أَوْ نُذْراً } ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا: العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها من الطاعات، ويزجرون غيرهم عن المعاصى، ويتلون كلام الله - تعالى -.
ومنهم من يرى أن المراد بالصافات: الطيور التى تصف أجنحتها فى الهواء بالزاجرات وبالتاليات: جماعات الغزاة فى سبيل الله، الذين يزجرون أعداء الله - تعالى -: ويكثرون من ذكره.
ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى سقناها قبل ذلك تؤيده، ويؤيده - أيضا - ما يجئ بعد ذلك من أوصاف للملائكة كما فى قوله - تعالى -:
{ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ } والمراد بالملأ الأعلى هنا. والملائكة.
ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن مسعود وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد.
وإنما أقسم الله - تعالى - هنا بالملائكة، لشرفهم، وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره - سبحانه - امتثالا تاما وله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه، تنويها بشأن المقسم، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع.
ولفظ "الصافات" مفعوله محذوف. والتقدير، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله - تعالى -.
والترتيب بالفاء فى هذه الصفات، على سبيل الترقى، إذ الأولى كمال، والثانية أكمل، لتعدى منفعتها إلى الغير، والثالثة أكمل وأكمل، لتضمنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلى عن الرذائل، والتحلى بالفضائل.
وقوله "صفا، وزجرا، وذكرا" مصادر مؤكدة لما قبلها.
وقوله - سبحانه : {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} جواب للقسم، وهو المقسم عليه. أى: وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم، إن ربكم - أيها الناس - لواحد لا شريك له فى ذاته، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله، ولا فى خلقه.
وقوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} بدل من قوله {لَوَاحِدٌ} أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف.
أى: إن إلهكم - أيها الناس - لواحد: هو - سبحانه - رب السموات والأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات كالهواء وغيره، ورب المشارق التى تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار العام، إذ لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه. ولها فى كل يوم - أيضا مغرب تغرب فيه.
واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب، لأن كل واحد منهما يستلزم الآخر، ولأن الشروق أدل على القدرة، وأبلغ فى النعمة، ولأن الشروق سابق على الغروب، وقد قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } والمراد بهما هنا جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك.
وقال فى سورة الرحمن:
{ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } أى: مشرق الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما، أو مشرق الشمس والقمر ومغربهما.
وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجئ هذه الألفاظ تارة مفردة، وتارة على سبيل التثنية وتارة على سبيل الجمع.
قال بعض العلماء: قوله {وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أى: ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق فهى مشارق كثيرة فى كل جانب من جوانب السموات الفسيحة.
وللتعبير دلالة أخرى دقيقة فى التعبير عن الواقع فى هذه الأرض التى نعيش عليها كذلك، فالأرض فى دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة - كما تتوالى المغارب، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس، كان هناك مشرق على هذا القطاع. وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له فى الكرة الأرضية.. وهى حقيقة ما كان يعرفها الناس فى زمان نزول القرآن الكريم، أخبرهم الله - تعالى - بها فى ذلك الزمان القديم..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر قدرته فى خلقه لهذه السموات وكيف أنه - تعالى - قد زين السماء الدنيا بالكواكب. وحفظها من تسلل أى شيطان إليها فقال تعالى:
{إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ...}.