التفاسير

< >
عرض

وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً
١٣١
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
١٣٢
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً
١٣٣
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
١٣٤
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال ابن جرير، قوله {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يعنى بذلك - سبحانه - ولله ملك جميع ما حوته السماوات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر - جل ثناؤه ذلك بعقب قوله { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجة ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه، وتذكيرا منه له أنه الذى له الأشياء كلها. وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه ويغنى كل ذى فاقة وحاجة ويؤنس كل ذى وحشة.
فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان مظاهر قدرته ورحمته بعباده. والخطاب فى قوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} والمراد بالذين {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم. والمراد بالكتاب: جنس الكتب الإِلهية.
وقوله: {وَإِيَّاكُمْ} معطوف على الموصول. وقوله {مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بأوتوا أو بوصينا وقوله: {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أن مصدرية فى محل جر بتقدير حرف الجر.
والمعنى: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من الأمم السابقة {وَإِيَّاكُمْ} أى: وصينا كلا منهم ومنكم بتقوى الله. أى بمراقبته وخشيته وتنفيذه أوامره والبعد عن نواهيه.
وقوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} معطوف على وصينا بتقدير قلنا. أى وصيناهم ووصيناكم بتقوى الله، وقلنا لكم ولهم: إن تكفروا فاعلموا أنه - سبحانه - هو مالك الملك والملكوت ولن يضره كفركم ومعاصيكم، كما أنه - سبحانه - لن ينفعه شكركم وتقواكم، وإنما وصاكم وإياهم بما وصى لرحمته بكم لا لحاجته إليكم. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } }. ويرى صاحب الكشاف أن قوله - تعالى - {وَإِن تَكْفُرُواْ} عطف على اتقوا، فقد قال: وقوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} عطف على اتقوا. لأن المعنى. أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما فى السماوات وما فى الأرض. والمعنى: إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعا فى خلقه غير معصى. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم أن اتقوا الله. يعنى: أنها وصية قديمة ما زال يوصى الله بها عباده، لستم بها مخصوصين: لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة فى العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن لله فى سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه.
وجواب الشرط فى قوله "وإن تكفروا محذوف، والتقدير: إن تكفروا بما وصاكم به فلن يضره كفركم فإنه - سبحانه - له ما فى السماوات وما فى الأرض ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} أى: وكان الله وما زال غنيا عن خلقه وعن عبادتهم، مستحقا لأن يحمده الحامدون لكثرة نعمه عليهم فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله.
ثم أكد - سبحانه - هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}.
أى: ولله - تعالى - وحده ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا وإعداما. وإحياء وإماتة. وكفى بالله - تعالى - وكيلا فى تدبير أمرو خلقه، وحفظه لمصالحهم.
والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذى يوكل إليه. وقد ذكر - سبحانه - فى هاتين الآيتين ملكيته لما فى السماوات ومافى الأرض ثلاث مرات، تأكيد العظم سلطانه وقدرته وسعة غناه ورحمته، حتى ترسخ فى نفوس الناس تقواه وخشيته.
قال القرطبى: فإن قال قائل: ما فائدة هذا التكرار؟ فعنه جوابان:
أحدهما: أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما فى ملكوته وأنه غنى عن العالمين.
الجواب الثانى: أنه كرر لفوائد: فأخبر فى الأول أن الله - تعالى - يغنى كلا من سعته لأن له ما فى السماوات وما فى الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى وإن تكفروا فإنه غنى عنكم لأن له ما فى السماوات والأرض. ثم أعلم فى الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}، لأن له ما فى السماوات وما فى الأرض....
وقوله - تعالى - {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} تقرير لما سبق بيانه من عظيم سلطانه وغناه وقدرته.
أى: إن يشأ الله يفنكم ويهلككم أيها الناس - ويأت مكانكم بقوم آخرين، وكان الله وما زال على إفنائكم وإيجاد غيركم بليغ القدرة، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ. لكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لا لعجز منه. ولكن لأن حكمته اقتضت بقاءكم، ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وليجازى كل إنسان على حسب عمله.
قال الجمل: (ومفعول المشيئة محذوف يدل عليه مضمون الجزاء. أى: إن يشأ إفناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم - يعنى: أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحاكم البالغة بإفناءكم لا لعجزه - سبحانه - وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب: أى: يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه. فمعناه هو معنى قوله - تعالى -
{ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم } }. ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان الفارسى وقال: "إنهم قوم هذا". يريد أبناء فارس.
فالآية الكريمة تقرير لغناه وقدرته - سبحانه - وتهديد لمن كفر به وعصاه.
ثم حرض - سبحانه - الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه الله، وأن يجعلوا مقصدهم الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى -: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}.
والمراد بثواب الدنيا: خيراتها التى تعود على طالبها بالنفع الدنيوى.
والمراد بثواب الآخرة: الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - لعباده الصالحين.
والمعنى: من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة. فلماذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزل وأبقى؟ وهلا اقتدى بمن قالوا فى دعائهم:
{ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً } } وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإِعلام والإِخبار. أى: من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد - مثلا - جهادا خالصا لم تفته المنافع الدنيوية، وله بجانب ذلك فى الآخرة ما هو أنفع وأعظم وأبقى. فقد روى الإِمام أحد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان همة الآخرة جمع الله - تعالى شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له" .
ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال: والذى يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه. والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
ثم قال: وقال الراغب وقوله {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تبكيت للإِنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين، وحث على أن يطلب منه - تعالى - ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه. فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنئ الهمة. وقيل: الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة.
وما عبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله: وقيل: الآية وعيد للمافقين، قد رجحه ابن جرير واختاره فقد قال ما ملخصه: قوله {مَّن كَانَ يُرِيدُ} أى: ممن أظهر الإِيمان من أهل النفاق.
{ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} يعنى عرض الدنيا {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} يعنى: أن جزاءه فى الدنيا منها هو ما يصيب ما المغنم. وأما ثوابه فى الآخرة فنار جهنم.
والذى نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة، فتبين لهم أن خير الدنيا بيد الله وخير الآخرة أيضا بيد الله، فإن اتقوه نالوا الخيرين، وتنبههم إلى أن من الواجب عليهم الآ يشغلهم طلب خير الدنيا عن طلب خير الآخرة. بل عليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا. عملا بقوله - تعالى - فى آية أخرى:
{ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } }. ولا نرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمافقين كما - يرى ابن جرير -رحمه الله .
وقوله - تعالى - {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تذييل قصد به حض الناس على الإِخلاص فى أقوالهم وأعمالهم.
أى: وكان الله - تعالى - سميعا لكل ما يجهر به الناس ويسرونه، بصيرا بأحوالهم الظاهرة والخفية، وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب،
{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } }. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك ندائين متتالين إلى المؤمنين أمرهم فيهما بالمداومة على التمسك بفضيلة العدل فى جميع الظروف والأحوال، وبالثبات على الإِيمان الحق الذى ينالون به ثوابا لله ورضاه، وتوعد الذين ينحرفون عن طريق الحق بسوء العاقبة فقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ....ضَلاَلاً بَعِيداً}.