التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً
١٥٣
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
١٥٤
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٥٥
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً
١٥٦
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً
١٥٧
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
١٥٨
وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
١٥٩
فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً
١٦٠
وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٦١
لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً
١٦٢
-النساء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}.. الخ ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله - تعالى - {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}. إلى قوله {وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى.
وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه واتباعه.
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الأيات الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه فى سبب نزول الآيات.
والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة فى الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو كانوا يريدون الإِيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة؛ لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك.
وعبر بالمضارع فى قوله {يَسْأَلُكَ} لقصد استحضار حالتهم العجيبة فى هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل.
وقوله: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} بيان للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب.
والفاء فى قوله {فَقَدْ سَأَلُواْ} معطوفة على جملة محذوفة والتقدير: لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود، ولا تهتم بأسئلتهم، فتلك سنشنة قديمة معروفة عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له: أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإِيمان بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ}، جواب لشرط مقدر معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم. ومضاهين لهم فى التعنت.
أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين، وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإِساءة إليهم.
والفاء فى قوله: {فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسيرية كما فى قولهم: توضأ فغسل وجهه.
وقوله {جَهْرَةً} من الجهر الذى هو ضد الإخفاء. يقال جهر البئر - كمنع - واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشئ: كشفه، وجهر الرجل: رآه بلا حجاب.
أى: أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله {جَهْرَةً} مفعولا مطلقا، لأن لفظ {جَهْرَةً} نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله فى الفعل.
ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى: أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم.
والصاعقة - كما يقول ابن جرير -: كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة.
وقال الراغب: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله:
{ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ } }. والعذاب كقوله: { أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } والنار كقوله: { وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ } وما ذكره - سبحانه إنما هى أشياء حاصلة من الصاعقة؛ فإن الصاعقة هى الصوت الشديد فى الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهى فى ذاتها شئ واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها.
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا: ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذى كان من آثاره أن صعقوا: أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم.
أى: أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا فى طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه.
وقوله: {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} أى. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها.
وقوله. {وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أى. أعطينا موسى بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوة وقدرة على الانتصار على من خالفه و (ثم) فى قوله. {ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} للتراخى الرتبى؛ لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك.
وقوله {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شئ من التعقل وحسن الإِدراك.
واسم الإِشارة فى قوله {فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ} يعود إلى اتخاذ العجل معبودا من دون الله.
والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوى على الدخول فى الإِسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل.
هذا، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } }. ثم بين - سبحانه - لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ}.
قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى - عليه السلام - رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال - تعالى -:
{ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ } الآية.
وقوله - تعالى -: {وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أى: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التى أمرناكم بدخولها ساجدين لله، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين لله، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم الله مخالفة تامة.
والمراد بالقرية التى أمرهم الله بدخول بابها ساجدين: قيل: هى بيت المقدس وقيل: إيلياء، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها الله - تعالى - لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ولم يرد فى السنة الصحيحة بيان لها.
وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا فى سورتى البقرة والأعراف، فقال - تعالى - فى سورة البقرة:
{ { وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } }. وقوله: {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} أى: وقلنا لهم كذلك لا تتجاوزوا الحدود التى أمركم الله بالتزامها فى يوم السبت والتى منها: ألا تصطادوا فى هذا اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتحايلوا على استحلال محارمه.
وقصة اعتداء اليهود على محارم الله فى يوم السبت قد جاء ذكرها فى كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة البقرة:
{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } }. وقال - تعالى - فى سورة الأعراف: { وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } }. وقوله: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أى: وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل التأكيد، وموثقاً كل التوثيق، بأن يعملوا بما أمرهم الله به، ويتركوا ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروا بآيات الله، ونبذوها وراء ظهورهم.
وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق، وتنويها بشأنه وإشعاراً بوجوب الوفاء به؛ لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من واجبهم أن يفوا بها إذ هو - سبحانه - وحده سيجازيهم على نكثهم ونقضهم لعهودهم.
ووصف - سبحانه - الميثاق الذى أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة؛ لأنه كان قويا فى معناه وفى موضعه وفى كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة فى الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله.
ثم عدد - سبحانه - ألونا أخرى من جرائمهم التى عقابهم عليها شديدا فقال - تعالى -: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
والفاء فى قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} للتفريع على ما تقدم من قوله {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} والباء للسببية، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق. والجر والمجرور متعلق بمحذف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب فى التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى:
فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا، وبسبب قتلهم لأنبيائنا، وبسبب أقوالهم الكاذبة. بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ظلم ومهانة وصغار ومسخ ....الخ.
ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}...
أى: فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم.
قال الفخر الرازى: واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن الكلام طويل جداً من قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} إلى قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}.
الثانى: أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف، أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة".
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد لعن بنى إسرائيل كما جاء فى قوله - تعالى -
{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ } ومسخهم قردة وخنازير كما جاء فى قوله - تعالى { فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } وكما فى قوله - تعالى - { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ } }. وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم الآيات القرآنية؛ والتى من أجمعها هذه الآيات التى معنا.
فالآيات التى معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق، ثم تسجل عليهم - ثانيا - كفرهم بآيات الله.
وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذى أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للإِشعار بأن النقض فى ذاته إثم عظيم والكفر فى ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التفات إلى أن له سبباً أو ليس له سبب.
وسجل عليهم - ثالثا - قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل الله - تعالى -.
ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله فى الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هى السائدة فى الأرض.
وقوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ} ليس قيدا؛ لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبداً، وإنما المراد من قوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ} بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية فى الظلم والفجور والتعدى.لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم...
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى قوله: فإن قلت: وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ولا عند غيرهم -، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم. فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل.
ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}.
وقوله: {غُلْفٌ} جمع أغلف - كحمر جمع أحمر - والشئ الأغلف هو الذى جعل عليه شىء يمنع وصول شئ آخر إليه.
والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه، فهم بهذا الكلام الذى حكاه القرآن عنهم، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التى حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم.
وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين:
{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } }. وقيل: إن قوله: وغلف: جمع غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون المعنى: أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها فى ذلك شأن الكتب، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه، لأننا عندنا ما يكفينا.
والذى يبدو لنا أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية، فقد رد الله عليهم بقوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}. والطبع معناه. إحكام الغلق على الشئ وختمه بحيث لا ينفذ إليه شئ آخر.
والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا. لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى -.
فقوله {إِلاَّ قَلِيلاً} نعت لمصدر محذوف أى إلا إيماناً قليلا. كإيمانهم بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، لأن الإِيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم، يعتبره الإِسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا فى قوله - تعالى -
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً } }. ومنهم من جعل قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا. ومنهم من جعل الاستثناء فى قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو فى قوله {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} أى: فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهى قوله: {طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جئ بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة، وأقاربهم الباطلة.
ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريمتين شنيعتين فقال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}.
والمراد بالكفر هنا: كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك فى قوله: {طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذى لا يجعل الشخص يستقر على شئ، فهو إنكار مطلق للحق.
وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله: وقوله: {بِكُفْرِهِمْ} عطف على {بِكُفْرِهِمْ} الذى قبله - وهو قوله - تعالى - {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} - ولا يتوهم أنه من عطف الشئ على نفسه ولا فائدة فيه، لأن المراد بالكفر المعطوف: الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لاقترانه بقوله - تعالى - {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. وقد حكى الله عنهم هذه المقالة فى مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - فى مواضع. ففى العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز ان يكون قوله: {بِكُفْرِهِمْ} معطوف على قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم}.
والبهتان: هو الكذب الشديد الذى لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال: بهت فلان فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته فى الكذب والافتراء.
والمعنى: إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم، كفرهم بعيسى - عليه السلام -، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى، ورميهم لها بما هى بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة لولادتها لعيسى من غير أب. وقد برأها الله - تعالى - مما نسبوه إليها. فى قوله - تعالى
{ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ } }. وقوله: {بُهْتَاناً} منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - {وَقَوْلِهِمْ}، فإنه متضمن معنى كلام نحو: قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أى: وبفكرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو مصدر فى موضع الحال أى: مباهتين. ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية فى الكذب والافتراء.
ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد فى كل زمان ومكان فقال: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} والمسيح: لقب تشريف وتكريم لعيسى - عليه السلام - قيل: لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ذميم. وقيل: لأنه مسح بالبركة كما فى قوله - تعالى -:
{ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } وقيل لأن الله مسح عنه النذوب.
أى: وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم، كما لعنهم وغضب عليهم - أيضا - بسبب جرائمهم السابقة.
وهذا القول الذى صدر عنهم هو فى ذاته جريمة؛ لأنهم قالوه على سبيل التبجح والتفاخر لقتلهم - فى زعمهم - نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى العزم من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع، إلا أنه يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة، فدسوا عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله - تعالى - خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، حيث نجى عيسى - عليه السلام - من شرورهم، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم.
ولا شك أن ما صدر عن اليهود فى حق عيسى - عليه السلام - من محاولة قتله، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم؛ لأنه من المقرر فى الشرائع والقوانين أن من شرع فى ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد.
واليهود قد اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى - عليه السلام - كما بينا -، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لو بقيت لهم أية وسيلة لإِتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها، ولأسرعوا فى تنفيذها فهم يستحقون عقوبة المجرم فى تفكيره، وفى نيته، وفى شروعه الأثيم، لارتكاب ما نهى الله عنه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام - أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فيكف قالوا: {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ}؟
قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون
{ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } }. ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح فى الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: { لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } }. وقوله - تعالى - {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} رد على مزاعمهم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التى تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى - عليه السلام -. أى: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى - عليه السلام -، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم؛ فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى - عليه السلام - فى الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.
قال الفخر الرازى: قوله: {شُبِّهَ} مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر؟ والجواب من وجهين:
الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه. الثانى: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله {وَمَا قَتَلُوهُ} يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد {شُبِّهَ} إليه.
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله - تعالى - فى ذلك وقال: {وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. أى: شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه - أى ليقتلوا المسيح - وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو فى الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء.
وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم بذلك أحبارهم.
هذا، وللمفسرين فى بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان:
الأول: أن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى - عليه السلام - على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو (يهوذا الإِسخربوطى) الذى كان عينا وجاسوسا على المسيح، والذى أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.
وهذا الوجه قد جاء مفصلا فى بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله: كان رجل من الحواريين ينافس عيسى - عليه السلام - فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى - عليه السلام - فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فتقوله، وهم يظنون أنه عيسى.
الثانى: أن الله - تعالى - القى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينا أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب.
وقد أطال الإِمام ابن كثير فى ذكر الروايات التى تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله: عن ابن عباس قال: لما أراد الله - تعالى - أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفى البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من يكفر بعدى اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بى.
قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل مكانى، ويكون معى فى درجتى؟
فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال: أنا. فقال له عيسى، هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة فى البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائى عن أبى كريب عن أبى معاوية، وقال غير واحد من السلف: أنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل مكانى وهو رفيقى فى الجن...؟.
والذى يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى - عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليهم، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذى قتل وصلب فهو شخص سواه.
ثم قال - تعالى - {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}. أى: وإن الذين اختلفوا فى شأن عيسى من أهل الكتاب لفى شك دائم من حقيقة أمره. أى: فى حيرة وتردد، ليس عندهم علم ثابت قطعى فى شأنه، أو فى شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذى لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان.
ولقد اختلف أهل الكتاب فى شأن عيسى اختلافا كبيراً. فمنهم من زعم أنه ابن الله. وادعى أن فى عيسى عنصرا إليها مع العنصر الإِنسانى. وأن الذى ولدته مريم هو العنصر الإِنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإِلهى.
ومنهم من قال: إن مريم ولدت العنصرين معا.
ولقد اختلفوا فى أمر قتله. فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا حقيقا، وتردد آخرون فقالوا: إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى؟
وقال آخرون: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.
إلى غير ذلك من خلافاتهم التى لا تنتهى حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله وصلبه.
فالمراد بالموصول فى قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير فى قوله (فيه) يعود إلى عيسى - عليه السلام -.
وقوله {مِّنْهُ} جار مجرور متعلق بمحذوف صفة الشك.
قال الآلوسى: وأصل الشك أن يستعمل فى تساوى الطرفين، وقد يستعمل فى لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفى العلم الشامل لذلك أيضا بقوله - سبحانه -: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}.
وقوله {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أى مالهم به من علم لكنهم يتبعون الظن.
وقيل: هو متصل، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين.
ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فيكف يكونون شاكين ظانين؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم إمارة ظنوا.
ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال: وليس فى هذا الجواب شفاء الغليل. والظاهر - والله أعلم - أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك فى أمرهم والتردد، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن فى بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشئ على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة فى الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن.
وقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية وتشريف.
واليقين: هو العلم الجازم الذى لا يحمتل الشك والضمير فى قوله {وَمَا قَتَلُوهُ} لعيسى.
وقوله {يَقِيناً} ذكر النحاة فى إعرابه وجوها من أشهرها: أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه: أى: ما قتلوه قتلا يقينا، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى عليه السلام - وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذى اعتراهم.
أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى قتلهم إياه إنتفاء يقينا. فاليقين منصب على النفى. أى: أن: نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله: قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أى: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك فى قولهم {إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ} أو يجعل {يَقِيناً} تأكيدا لقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ} كقولك: ما قتلوه حقا. أى حق انتفاء قتله حقا.
والمعنى: أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى - عليه السلام - وزعمهم هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن فى هذه المسألة أنهم لم يقتلوه، فقد نجاه الله من مكرهم، ورفع عيسى إليه، وكان الله {عَزِيزاً}. أى منيع الجناب، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه. {حَكِيماً} فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.
هذا، وجمهور العلماء على أن الله - تعالى - رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء: والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له.
وفى بعضهم الرفع فى قوله - تعالى - { بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} بأنه رفع بالروح فقط.
وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران فى قوله تعالى -:
{ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } }. و{إِن} هنا نافية بمعنى ما النافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه. أى: وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ فى كل نفى يدخله الاستثناء. نحو: ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد.
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان:
الأول: أن الضمير فى قوله {قَبْلَ مَوْتِهِ} يعود إلى عيسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن بعيسى - عند نزوله فى آخر الزمان - حق الإِيمان، {قَبْلَ مَوْتِهِ} أى: قيل موت عيسى، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ} عيسى - عليه السلام - {عَلَيْهِمْ} أى: على أهل الكتاب {شَهِيداً} فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعباده الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإِشراك معه آلهة أخرى.
وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير. فقد قال - بعد سرد الأقوال فى الآية -: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال. تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى.
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله: ولا شك أن الذى قاله ابن جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ما زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فقد أخبر الله - تعالى أن الأمر لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك. ثم إن الله - تعالى - رفع إليه عيسى، وإنه باق حى، وإنه سينزل قبل يوم القيامة.
ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله: ذكر الأحاديث الواردة فى نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء فى آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك به.
ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها" .
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}.
أما الاتجاه الثانى: فيرى أصحابه أن الضمير فى قوله {قَبْلَ مَوْتِهِ} يعود إلى الكتابى المدلول عليه بقوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} وعليه يكون المعنى:
وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت هذا الكتابى، لأنه عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق، ويتبين له صحة ما كان ينكره ويجحده فيؤمن بعيسى - عليه السلام - ويشهد بأنه عبد الله ورسوله، وأن الله واحد لا شريك له، ولكن هذا الإِيمان لا ينفعه، لأنه جاء فى وقت الغرغرة، وهو وقت لا ينفع فيه الإِيمان، لانقطاع التكليف فيه.
قالوا: ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى: "إلا ليؤمنن به قبل موتهم" - بضم النون وبميم الجمع -.
وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه: والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. وبأنه عبد الله ورسوله. يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه.
فإن قلت: ما فائدة الإِخبار بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد، وليكون عملهم بأنهم لا بد لهم من الإِيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإِيمان به فى وقت الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم.
وقيل: الضميران لعيسى بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون فى زمان نزوله.
والذى نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق فى ذاته.
فكل كتابى عندما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا فى نبوته، وأنه عبد الله، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابى يشهد نزول عيسى فى آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه.
ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائم اليهود، وحكى بعض العقوبات التى حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
والفاء فى قوله {فَبِظُلْمٍ} للتفريع على جرائمهم السابقة، والباء للسببية، والتنكير للتهويل والتعظيم، والجار والجرور متعلق بحرمنا. وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم.
والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ولو أنهم لم يقعوا فى هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التى هم فى حاجة إليها.
والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التى نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم، ومن ضروب هذا الظلم والبغى ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق، ومن كفر بآيات الله.
وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من صد عن سبيل الله، ومن أخذ للربا وقد نهاهم عن آخذه.
وهذه الطيبات التى حرمها الله عليهم منها ما حكاه - سبحانه - فى سورة الأنعام بقوله:
{ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } }. والتعبير عنهم بقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} إيذان بشناعة ظلمهم، حيث إنهم وقعوا فى هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل. وقولهم: "إنا هدنا إليك" أى: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.
وقوله: {أُحِلَّتْ لَهُمْ} هذه الجملة صفة للطيبات فهى فى محل نصب.
والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ارتكبوا من موبقات. أى: حرمنا عليهم طيبات كانت حالالا لهم، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم.
قال ابن كثير: يخبر - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا فى كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا، تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه - تعالى - حرم عليهم فى التوراة أشياء كانت حلال لهم قبل ذلك. كما قال - تعالى -
{ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } }. وقوله: {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذى تعاطوه. من عطف الخاص على العام، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم.
والصد والصدود: المنع. أى: وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التى شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا.
وقوله {كَثِيراً} صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو {بِصَدِّهِمْ} أى: وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف، أى: وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا. وقوله: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} بيان للون آخر من رذائلهم وقبائحهم. أى: ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم، أخذهم الربا مع نهيهم عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى على طريق الرشوة والخيانة، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة.
وما حملهم على هذا الولوغ فى المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. {وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} جملة حالية فى محل نصب.
قال الآلوسى. وفى الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا لأن النهى يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد - سبحانه - على مخالفته.
تلك هى بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها فى الدنيا. أما عقوبة هؤلاء اليهود فى الآخرة فقد بينها - سبحانه - فى قوله {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا موجعا أليما، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله {لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ} احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم، لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فسحب، أما من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم.
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإِكرام منهم، وبشره بالأجر بالعظيم فقال، {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}.
وقوله {ٱلرَّاسِخُونَ} جمع راسخ. ورسوخ الشئ ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه، الذى لا تؤثر فيه الشبهات ـ المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق.
وقوله، {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} استدراك من قوله قبل ذلك {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وبيان لكونه بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل.
والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن سوء عاقبة فى الآخرة، {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يعبث به، أو ريب يزعزعه.
{وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أى منهم. وقد وصفوا بالإِيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى.
وقوله {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ} خبر لقوله {ٱلرَّاسِخُونَ}. أى هؤلاء الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما {أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله.
وقوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح. أى: وأمدح المقيمين الصلاة.
قال صاحب الكشاف: وقوله {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف: ورما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإِنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإِسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يوفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ} أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفى مصحف عبد الله: {وَٱلْمُقِيمِينَ} بالواو: وهى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى.
وقوله: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} معطوف على {ٱلرَّاسِخُونَ} أو على الضمير المرفوع فى {يُؤْمِنُونَ}. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}.
والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم. فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانيا - بالإِيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم - رابعاً - بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيماناً حقاً، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}.
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح.
هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من راذئلهم وقبائحهم ... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم.
ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإِصرار على الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة.
ثم تراها - ثالثاً - تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعاً وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن،
{ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً } ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان، أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإِيمان.
ثم تراها - رابعاً - لا تعمم فى أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد فى الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم.
{ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } }. هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } }. وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى - فقال - سبحانه -: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ....بِٱللَّهِ شَهِيداً}.