التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٤٠
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
٤١
لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
٤٢
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ
٤٣
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ
٤٤
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
٤٥
مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ
٤٦
-فصلت

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - تعالى - {يُلْحِدُونَ} من الإِلحاد وهو الميل عن الاستقامة، والعدول عن الحق.
يقال ألحد فلان فى كلامه إذا مال عن الصواب، ومنه اللحد فى القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه دون الأخرى.
والمعنى: إن الذين يميلون عن الحق فى شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة..
هؤلاء الذين يفعلون ذلك: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} أى ليسوا بغائبين عن علمنا، بل هم تحت بصرنا وقدرتنا، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب.
فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين، فقال: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}؟
والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون فى آيات الله سيكون مصيرهم الإِلقاء فى النار، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم المؤمنون، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة.
قال الآلوسى: "وكان الظاهر أن يقابل الإِلقاء فى النار بدخول الجنة، لكنه عدل عنه إلى ما فى النظم الجليل، اعتناء بشأن المؤمنين، لأن الأمن من العذاب أعم وأهم، ولذا عبر عن الأول بالإِلقاء الدال على القهر والقسر، وعبر عن الثانى بالإِتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا، مع الأمن ودخول الجنة.."
وقوله - تعالى -: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تهديد آخر لهم على إلحادهم.
أى: اعملوا أيها الملحدون ما شئتم من أعمال قبيحة، فإنها لا تخفى على خالقكم - عز وجل -، لأنه بصير بكم، ومطلع على أفعالكم، وسيجازيكم عليها الجزاء العادل الذى تستحقونه.
فالمقصود من الأمر فى قوله - تعالى - {ٱعْمَلُواْ} التهديد والوعيد.
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ}.
وخبر "إن" هنا محذوف للعلم به مما سبق، أى: إن الذين كفروا بالقرآن الكريم حين جاءهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاسرون أو هالكون أو معذبون عذابا شديدا. {وإنه} أى: هذا القرآن الكريم هو الحق الذى جاءهم به صلى الله عليه وسلم، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد {لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أى: لكتاب منيع معصوم بعصمة الله - تعالى - له من كل تحريف أو تبديل.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أى: لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات، لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله - تعالى - تكفل بحفظه وصيانته، كما قال - تعالى -
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟
قلت: بلى، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم، وإفساد أقاويلهم. فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا.
وقوله: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أى: هذا الكتاب منزل من لدن الله الحكيم فى أقواله وأفعاله، المحمود على ما أسدى لعباده من نعم لا تحصى.
ثم سلى - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}.
أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى حقك، فإن ما قالوه فى شأنك قد قاله السابقون عليهم فى حق رسلهم.
فالآية الكريمة من أبلغ الآيات فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها كانها تقول له، إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك، فاصبر كما صبروا.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } ثم علل - سبحانه - هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}.
أى: ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك، وما دام الأمر كذلك. فاصبر كما صبروا، إن ربك الذى تولاك بتربيته ورعايته، لذو مغفرة عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين.
ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التى أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَأعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ...}.
والأعجمى: يطلق على الكلام الذى لا يفهمه العربى، كما يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية. وقوله: {ءَأعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} خبر لمبتدأ محذوف.
أى: ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا: هلا أنزل هذا القرآن بلغة العجم.
لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب: فلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟ ثم لأضافوا إلى التعجب والإِنكار، تعجبا آخر فقالوا: أقرآن أعجمى ورسول عربى؟
ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة، إنما هو إنكار الإِيمان به سواء أنزل بلغة العرب أم بلغة العجم.
فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه، ولو نزل بلسان أعجمى، لاعترضوا وقالوا: هلا نزل بلسان عربى نفهمه.
ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا: أقرآن أعجمى ورسول عربى.
وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة.
ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بالرد الذى يكبتهم فقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ...}
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: هذا القرآن هو للذين آمنوا إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم، وشفاء لما فى الصدور من أسقام.
كما قال - سبحانه - فى آية أخرى:
{ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ... } ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال: {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أى: بهذا الكتاب، وبمن نزل عليه الكتاب.
{فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ} أى: فى آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم.
{وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} أى: وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به.
وقوله - تعالى - {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} ذم شنيع لهم على إعراضهم عن هذا القرآن الذى ما أنزله الله - تعالى - إلا لإِخراجهم من الظلمات إلى النور.
أى: أولئك الكافرون الذين لم ينتفعوا بالقرآن مثلهم فى صممهم وانطماس بصائرهم، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد، فهو لا يسمع منه شيئا، ولا يعقل عنه شيئا، لوجود المسافة الشاسعة بين المنادى، وبين من وقع عليه النداء.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل.
وحكى أهل اللغة أنه يقال للذى يفهم: أنت تسمع من قريب، ويقال للذى لا يفهم: أنت تنادى من بعيد أى: كأنه ينادى من موضع بعيد منه، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه.
وقال الضحاك: {يُنَادَوْنَ} يوم القيامة بأقبح أسمائهم {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم.
ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها فى كل زمان ومكان، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا.. وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن، فلا يزيدهم إلا صمما، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم.
ثم بين - سبحانه - زيادة فى التسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أن اختلاف الأمم فى شأن ما جاء به الرسل شئ قديم فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ..}.
أى: ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ليكون هداية ونورا لقومه، فاختلفوا فى شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه.
{وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} - أيها الرسول الكريم - وهى ألا يعذب المكذبين من أمتك فى الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم.
لولا ذلك {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أى: لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم.
{وَإِنَّهُمْ} أى: كفار قومك {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} أى: لفى شك من هذا القرآن وريبة من أمره، جعلهم يعيشون فى قلق واضطراب.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا..}
أى: من عمل عملا صالحا بأن آمن بالله، وصدق بما جاء به رسله، فثمرة عمله الصالح لنفسه.
{وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أى: ومن عمل عملا سيئا، فضرر هذا العمل واقع عليها وحدها {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أى: وليس ربك - أيها الرسول الكريم - بذى ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته.
فقوله {ظلام} صيغة نسب - كثمار وخباز - وليس صيغة مبالغة.
قال بعض العلماء ما ملخصه: "وفى هذه الآية وأمثالها سؤال معروف، وهو أن لفظة "ظلام" فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل الفعل. فقولك - مثلا -: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته فى قتلهم، فلا ينافى أنه ربما قتل بعض الرجال.
ومعلوم أن المراد بنفى المبالغة - وهى لفظ ظلام - فى هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله.
وقد أجابوا عن هذا الإِشكال بإجابات منها: أن نفى صيغة المبالغة هنا، قد جاء فى آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله، ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً... } ومنها: أن المراد بالنفى فى الآية، نفى نسبة الظلم إليه. لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة، فتغنى عن ياء النسب.. كقولهم "لبان" أى: ذو لبن، ونبال أى صاحب نبل..
ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة، أن علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده، وأن الإِنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط. وأن حكمته - تعالى - قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذى يعيشون فيه فقال - تعالى -:
{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ...}.