التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
١
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله: {أَوْفُواْ} من الإِيفاء. ومعناه: الإِتيان بالشىء وافياً تاما لا نقص فيه، ولا نقض معه. يقال وفى بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به.
قال صاحب الانتصاف: ورد في الكتاب العزيز {وَفَّىٰ} بالتضعيف فى قوله - تعالى - : {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}. وورد "أوفى" كثيراً. ومنه {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. وأما {وَفَّىٰ} ثلاثياً فلم يرد إلا فى قوله - تعالى -:
{ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } لأنه بنى أفعل التفضيل من "وفى": إذ لا يبنى إلا من ثلاثي".
والعقود: جمع عقد - بفتح العين -. وهو العهد الموثق.
قال الراغب: الجمع بين أطراف الشىء. ويستعمل ذلك فى الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء. ثم يستعار ذلك للمعانى نحو عقد البيع والعهد وغيرهما: فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا.
وهو مصدر استعمل اسماً فجمع نحو. {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}.
وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال: "والعقود جمع عقد وهو بمعنى المعقود وهو أوكد العهود. والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد. فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا".
والمراد بالعقود هنا: ما يشمل العقود التى عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات، وما يشمل العقود التى تقع بين الناس بعضهم مع بعض فى معاملاتهم المتنوعة وما يشمل العهود التى يقطعها الإِنسان على نفسه، والتى لا تتنافى مع شريعة الله - تعالى -.
وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا: ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم كعقود البيع وعقود النكاح.
وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: العهود التى كانت تؤخذ فى الجاهلية على النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ينال حقه.
والأول أولى لأنه أليق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة للجنس وأوفى بعموم الفائدة.
قال القرطبى: والمعنى: أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح فى الباب. قال - صلى الله عليه وسلم:
"المؤمنون عند شروطهم" وقال: "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" .
فبين أن الشرط أو العقد الذى يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله: أى: دين الله. فإن ظهر فيها ما يخالف رد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" .
والبهيمة: اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر.
قال الفخر الرازى: قالوا كل حى لا عقل له فهو بهيمة من قولهم: استبهم الأمر على فلان إذا أشكل عليه. وهذا باب مبهم أي: مسدود الطريق. ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع فى البر والبحر".
والأنعام جمع نعم - بفتحتين - وأكثر ما يطلق على الإِبل، لأنها أعظم نعمة عند العرب. والمراد بالأنعام هنا: ما يشمل الإِبل والبقر والغنم ويلحق بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبى وحمار الوحش وغيرهما من آكلات العشب، كما تدخل الطيور غير الجارحة وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه كشجر الأراك، وثوب الخز.
أى: أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ببهيمة الأنعام. وهذا الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها.
وقال الآلوسى ما ملخصه: وقال غير واحد: البهيمة اسم لكل ذات أربع من دواب البر والبحر. وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز. أى: أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام. وهى الأزواج الثمانية المذكورة فى سورتها.
وأفردت البهيمة لإرادة الجنس: وجمع الأنعام ليشمل أنواعها. وألحق بها الظباء وبقر الوحش. وقيل: هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام فى الاجترار وعدم الأنياب. وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما.
وقيل: المراد ببهيمة الأنعام: ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهى ميتة، فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها. وبه قال الشافعى.
وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} استثناء مما أحله - سبحانه - لهم من بهيمة الأنعام. أى: أحل الله لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم بعد ذلك فى كتابه أو على لسان رسوله فإنه محرم عليكم.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أى يقرأ عليكم فى القرآن والسنة من قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من السورة نفسها -
{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } ) .. إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم "كل ذى ناب من السباع فأكله حرام" .
فإن قيل: الذى يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا: كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهى كتاب الله. والدليل عليه أمران:
أحدهما: حديث العسيف "لأقضين بينكما بكتاب الله" والرجم ليس منصوصاً عليه فى كتاب الله.
الثانى: حديث عبد الله بن مسعود: "ومالى لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى كتاب الله.
ويحتمل: ألا ما يتلى عليكم الآن. أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة.
وقوله: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} بيان لما حرم عليهم فى أحوال معينة، وبسبب أمور اقترنت به.
وقوله: {حُرُمٌ} جمع حرام. يقال. أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم.
وقوله: {مُحِلِّي} جمع محل بمعنى مستحل. والصيد مصدر بمعنى الاصطياد. أو اسم للحيوان المصيد.
وقوله: {غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} حال من الضمير فى {لَكُمْ}.
وقوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}، حال من الضمير فى {مُحِلِّي}.
والمعنى: يأيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ومع غيركم، فقد أحل الله - تعالى - بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما، إلا أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها. كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة، سواء أكنتم فى الحل أم كنتم فى الحرم، ويدخل فى حكم المحرم من كان فى الحرم وليس محرما.
وذلك لأن المحرم أو من كان فى أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما يرضى الله، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التى جعلها الله أماكن أمان، واطمئنان وعبادة لله رب العالمين.
وقد دعا الله - تعالى - المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإِيمان، ليحثهم على امتثال ما كلفهم به، لأن الشأن فى المؤمن أن يمتثل لما أمره الله به أو لما نهاه عنه.
روى ابن أبى حاتم، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلى. فقال له: إذا سمعت الله يقول {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ} فارعها سمعك فإنك خير يأمر به، أو شر ينهى عنه وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد} تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة، وإرادته الشاملة، وحكمه الذى لا يعقب عليه معقب.
أى: إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التى تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة، دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، فاستجيبوا - أيها المؤمنون - لحكمة لتنالوا السعادة فى الدنيا والآخرة.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التى شرعها الله - تعالى - وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به فى كثير من آياتها.
فأنت ترى فى مطلعها هذه الآية الكريمة التى تحض على الوفاء بالعقود، ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشىء من شعائر الله، ثم تراها بعد ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به:
{ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ } ثم تحكى أن من الأسباب التى أدت إلى طرد بنى إسرائيل من رحمة الله، نقضهم لمواثيقهم. { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ } وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التى تحض المؤمنين على التزام العهود والموثيق التى شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها، أو الإِخلال بشىء منها.
كما أخذا العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها. وحرمة ما حرم الله - تعالى - منها فى مواطن أخرى.
كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة، وعلى من كان فى أرض الحرم ولو لم يكن محرما.
قال القرطبى: وهذه الآية تلوح فصاحتها. وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذى بصيرة بالكلام فإنه تضمنت خمسة أحكام:
الأول: الأمر بالوفاء بالعقود.
الثاني: تحليل بهيمة الأنعام.
الثالث: استثناء ما يلى بعد ذلك.
الرابع: استثناء حال الإِحرام فيما يصاد.
الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش أن أصحاب الكندى قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا شيئاً مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد. إنى فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة. فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاماً، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته فى سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتى بهذا.
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات، وما حظره عليهم من أفعال، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى -:
{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ...}