التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ
١٠٦
فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠٧
ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٠٨
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة فى تفاصيلها إلا أنها متقاربة فى مغزاها.
ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله: روى ابن أبى حاتم عن أبن عباس عن تميم الدارى فى هذه الآية {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قال: برئ الناس منها غيرى وغير عدى بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإِسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبنى سهم يقال له "بديل بن أبى مريم" بتجارة، معه جام من فضة أى إناء من فضة - يريد به الملك، وهو أعظم تجارته؛ فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله - أى: يوصلا ما تركه من متاع لورثته.
قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمنا الثمن أنا وعدى، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره.
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتبت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبى مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه، فحلف فنزلت: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ} الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه فنزعت الخمسمائة من عدى بن بداء.
وقال القرطبى: ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الدارى وعدى بن بداء، روى البخارى والدارقطنى وغيرهما عن ابن عباس قال:
"كان تميم الدارى وعدى بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بنى سهم فتوفى بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب - أى عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدى وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمى فحلفا أن الجام للسهمى، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال: فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات" .
هذا، والمعنى الإِجمالى لهذه الآيات: أن الله - تعالى - شرع لكم - أيها المؤمنون - الوصية فى السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو فى السفر أن يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا، والاثنان أحوط، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت. وارتاب الورثة فى أمانة هذين الرجلين، فعليهم فى هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ما كتما شيئاً من وصية وما خانا.
فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين فى أداء ما كلفهما الميت بأدائه، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها.
ثم بين - سبحانه - فى الآية الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكى يكونوا من المؤمنين الصادقين:
هذا هو المعنى الإِجمالى للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل الفول فى تفسيرها حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح.
قال الآلوسى: وقوله: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}.. إلخ استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى.
وللشهادة معان منها، الإِحضار والقضاء، والحكم، والحلف، والعلم والإِيصاء، والمراد بها هنا الأخير، كما نص عليه جماعة من المفسرين".
وقوله: {شهادة} يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله: {اثنان} على حذف مضاف. أى: شهادة اثنين.
ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف. أى: فيما أمرتم به أن يشهد اثنان: ويكون قوله {اثنان} فاعلا لقوله {شهادة} وعليه تكون إضافة قوله {شهادة} إلى الظرف وهو {بينكم} على التوسع.
قال القرطبى: قوله {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قيل: معناه شهادة ما بينكم فحذفت "ما" وأضيفت الشهادة إلى الظرف، واستعمل اسما على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة. ومنه قوله - تعالى -
{ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } أى: ما بينى وبينك".
والمراد بقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله: "شهادة".
وقوله: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} بدل من الظرف. وفى هذا الابدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغى أن يتهاون فيها.
وقوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} صفة لقوله {ٱثْنَانِ}.
وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} معطوف على قوله {ٱثْنَانِ}.
والمراد من غير المسلمين، ويرى بعضهم أن المراد بقوله {منكم} أى: من قبيلتكم، وبقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ} أى: من غير قبيلتكم.
وقوله: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} بيان لمكان الوصية وزمانها.
والمراد بالضرب فى الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب فى الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه.
والمراد بقوله: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} أى: فقاربتم نهاية أجلكم بأن احسستم بدنو الموت منكم. فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد مشارفته ومقاربته.
وسمى - سبحانه - الموت مصيبة، لأنه بطبيعته يؤلم، أو يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام نفسية.
قال القرطبى: وفى الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين فى ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا فى أمرهما، وادعو عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد صلاة، أى تستوثقوا منهما".
فقوله:{تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك فى أمانة الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله.
ومعنى {تَحْبِسُونَهُمَا} توقفونهما وتمكسونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة: صلاة العصر. وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين.
قال الفخر الرازى: إنما عرف هذا التعيين بوجوه:
أحدها: أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ.
وثانيها: ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبى صلى الله عليه وسلم العصر، ودعا بعدى وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد.
وثالثها: أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه، ويحترزون عن الحلف الكاذب.
وقال الزهرى: المراد بالصلاة، الصلاة مطلقاً: وإنما كان الحلف بعد الصلاة، لأنها داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور.
أى: توقفون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} أى: فيحلفان بالله {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} فى صدقهما، بأن يقولا: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أى: لا نحصل بيمين الله عرضاً من أعراض الدنيا، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا.
{وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} أى: ولا نكتم الشهادة التى أمرنا الله بإظهارها وأدائها {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} أى: إنا إذا لتكونن معدودين من المستقرين فى الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجهها الصحيح.
وقوله {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين.
وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله. أى: إن ارتبتم فحلفوهما.
والضمير فى قوله: {به} يعود إلى القسم المفهوم من قوله: {فيقسمان} أى: فيقسمان بالله لا نشترى بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن.
وقوله: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب.
قال صاحب الكشاف: والضمير فى {به} للقسم وفى {كان} للقسم له. يعنى: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أى: لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من يقسم له قريباً منا، على معنى: أن هذه عادتهم فى صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى -
{ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْن وَٱلأَقْرَبِينَ ِ } فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها: أن الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمنا مهما كانت قيمته، وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يكتما الشهادة التى أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح، وبأنهما يقران على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق، وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما الموصى ما له لم يكونا أمينين فقال: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}.
وقوله: {عثر} أى: اطلع. يقال عثر الرجل على الشىء عثورا إذا اطلع عليه. ويقال: عثرت منه على خيانة أى: اطلعت.
وقوله: {الأوليان} تثنية أولى بمعنى أقرب. فالمراد بقوله {الأوليان} أى: الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت.
والمعنى: فإن اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما {ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أى: فعلا ما يوجب الإِثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبههما {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} أى: فرجلان آخران يقومان مقام اللذين اطلع على خيانتهما: أى يقفان موقفهما فى الحبس بعد الصلاة والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}.
قال القرطبى: قال ابن السرى: أى من الذين استحق عليهم الإِيصاء واختاره ابن العربى؛ وأيضاً فإن التفسير عليه، لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية.
وقال بعض العلماء: قوله {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} أى: من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أى: الأقربان إلى الميت؛ الوارثان له. الأحقان بالشهادة، أى: اليمين. فقوله {ٱلأَوْلَيَانِ} فاعل {ٱسْتَحَقَّ}.
ومفعول {ٱسْتَحَقَّ} محذوف، قدره بعضهم "وصيتهما" وقدره ابن عطية "ما لهم وتركتهم" وقدره الزمخشرى، أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
وقرئ {ٱسْتَحَقَّ} على البناء للمفعول. أى من الذين استحق عليهم الإِثم أى "جنى عليهم"، وهم أهل الميت وعشيرته. وعليه فقوله: {الأوليان} هو بدل من الضمير فى {يقومان} أو من {آخران}.
وقوله: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} بيان لكيفية اليمين التى يحلفها هذان الأوليان.
أى: فيحلف بالله هذان الأوليان - أى الأقربان إلى الميت - قائلان {لشهاداتنا} أى: ليميننا {أحق} بالقبول {مِن شَهَادَتِهِمَا} أى: من يمينهما {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أى: وما تجاوزنا الحق فى يميننا وفيما نسبناه إليهما من خيانة {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أى إنا إذا اعتدينا وقلنا فيهما خلاف الحق لنكونن فى زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين لسخط الله وعقابه.
قال الآلوسى: وقوله {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} معطوف على {يقومان} فى قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} والسببية ظاهرة وقوله: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} جواب القسم. والمراد بالشهادة هنا - عند الكثيرين - اليمين كما فى قوله - تعالى -
{ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ } وصيغة التفضيل {أحق} إنما هى لإِمكان قبول يمينهما فى الجملة باعتبار صدقهما فى إدعاء تملكهما لما ظهر فى أيديهما".
ثم بين - سبحانه - وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
فاسم الإِشارة {ذلك} يعود إلى ما شرعه الله من أحكام تتعلق بالوصية التى تكون فى السفر ويموت صاحبها.
أى: ذلك الحكم المذكور {أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أى: أقرب إلى أن يؤدى الأوصياء الشهادة فى هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح. أى: على حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من عذاب الآخرة. فالوجه فى قوله {عَلَىٰ وَجْهِهَآ} بمعنى الذات والحقيقة.
والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم، وقوله: {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} بيان لحكمة رد اليمين على الورثة. وهو معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام فكأنه قيل: ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح فكأنه قيل: ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة، أو يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك الكذب والخيانة.
فأى الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة وإيصال الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة.
فمن لم يمنعه خوف الله من أن يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة على رءوس الأشهاد.
ثم قال - سبحانه {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ} أى أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل لأن معرفة الحق من كل وجوهه وجزئياته، مرجعها إلى الله العليم بخفايا الأمور وبواطنها وبواعثها. أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق، وحكمه قابل للخطأ والصواب.
والضمير فى قوله {يَأْتُواْ} { يَخَافُوۤاْ} {وَأَيْمَانِهِمْ} يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت بإيصال ما يريد إيصاله لورثته، ثم حدث شك من الورثة فى أمانتهم.
وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط، لأن المراد ما يعم هذين المذكورين وما يعم غيرهما من بقية الناس.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}.
أى: واتقوا الله فى كل ما تأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ما تؤمرون به سماع إذعان وقبول وطاعة واعلموا أن الله - تعالى - لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير والفلاح، لأنهم آثروا الغى على الرشد واستحبوا العمى على الهدى.
فهذا الختام للآية الكريمة اشتمل على ابلغ الوان التحذير من معصية الله ومن مخالفة أمره.
هذا؛ ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
1 - الحث على الوصية وتأكيد أمرها، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره، لأن الوصية تثبت الحقوق، وتمنع التنازع ولهذا شدد الإِسلام فى ضرورة كتابة الوصية، والشخص قوى معافى، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" .
قال ابن عمر - راوى هذا الحديث -: "ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله قال ذلك إلا وعندى وصيتى".
2 - الإِشهاد على الوصية فى الحضر والسفر، ليكون أمرها أثبت، والرجاء فى تنفيذها أقوى، فإن عدم الإِشهاد عليها كثيراً ما يؤدى إلى التنازع وإلى التشكك فى صحتها.
3 - شرعية اختيار الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التى تؤثر فى قلوب الشهود وفى قلوب مقسمى الأِيمان، وتحملهم على النطق بالحق.
قال صاحب المنار: ويشهد لاختيار الأوقات جعل القسم بعد الصلاة، ومثله فى ذلك اختيار المكان ومما ورد فى السنة فى ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود. عن جابر مرفوعا، "لا يحلف أحد عند منبرى كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار".
ويشهد بجواز التغليظ على الحالف فى صيغة اليمين - بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف عن الكذب - ما جاء فى الآيات الكريمة من قوله - تعالى - {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ}.
4 - جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم فى شهادتهم، وقد روى عن ابن عباس أنه حلف المرأة التى شهدت فى قضية رضاع بين زوجين.
5 - جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة، وقد بسط الإِمام القرطبى القول فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الكاف والميم فى قوله {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} ضمير للمسلمين، وفى قوله {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} للكافرين. فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت وصية. وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث.
وهوقول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم: أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عباس، وتبعهم فى ذلك جمع من التابعين، واختاره أحمد بن حنبل وقال:
شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين، كلهم يقولون: "منكم" من المؤمنين. ومعنى {مِنْ غَيْرِكُمْ} يعنى الكفار.
القول الثانى: أن قوله - سبحانه - {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم؛ والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء.
واحتجوا بقوله - تعالى -
{ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ } وبقوله: { وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ } فهو ناسخ لذلك، ولم يكن الإِسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب. وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
قال القرطبى: قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجود مسلم فلا.
ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل، وقد قال بالأولى ثلاثة من الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم.
ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها، وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على وجه ينافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا، فإنه فى قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات.
القول الثالث: أن الآية لا نسخ فيها. قاله الزهرى والحسن وعكرمة، ويكون معنى قوله {منكم} أى من عشيرتكم وقرابتكم.. ومعنى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أى: من غير القرابة والعشيرة.
وهذا ينبنى على معنى غامض فى العربية، وذلك أن معنى {آخر} فى العربية من جنس الأول، تقول: مررت بكريم وكريم آخر ولا تقول مررت بكريم وخسيس آخر، فوجب على هذا أن يكون قوله {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أى عدلان من غير عشيرتكم من المسلمين".
وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ما ساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة. بعد كل ذلك اتجهت السورة فى أواخرها إلى الكلام عن أحوال الناس يوم القيامة وعن معجزات عيسى - عليه السلام - وعن موقف الحواريين منه. قال - تعالى :
{يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ...}