التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٦
وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله:
{ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } طلب الله - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية. فكأنما قيل: يا إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإِحسان. فقال - تعالى -: نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة فى نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - فى بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب فى الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت فى الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإِيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}.
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، للايجاز وللتنبيه على أن الشأن فى المؤمنين أن يكونوا دائماً على ذكر من إرادتها وعدم الإِهمال فى أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقى الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسى ما ملخصه: وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من غير اختصاص بالمحدثين. لكن الإِجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره
"أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. فقال له عمر: يا رسول صنعت شيئاً لم تكن تصنعه. فقال صلى الله عليه وسلم: عمداً فعلته يا عمر" .
يعنى: بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه اشتراط الحدث فى البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل فى الوضوء مع المدخلية فى التيمم لم يكن البدل بدلا. وقوله - تعالى - {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} صريح فى البدلية.
ويحكى عن داود الظاهرى أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد: "من توضأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات".
وقوله: {فٱغْسِلُواْ} من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم: مع الدلك.
وقوله: {وُجُوهَكُمْ} جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
والمرافق: جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين: تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان فى أعلى القدم.
والمعنى: يٰأيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أى: فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضاً على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين فى ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الالمام بأهمها فنقول:
أولا: أخذ جمهور الفقهاء من قوله - تعالى - {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ} إلخ أن الوضوء لابد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أى شىء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التى يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول:
"إنما الأعمال بالنيات" وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف: إن النية فى الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هى شرط فى العبادة نفسها وهى الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطاً فى الوسيلة وهى الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا: ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} فإنه يدل على أن الصلاة هى المقصودة وهى الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا: قوله {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا فى دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان فى غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء: المضمضمة والاستنشاق داخلان فى الغسل.
ثالثاً: أخذ كثير من الفقهاء من قوله - تعالى - {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}.. و {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} أن المرافق داخله مع اليدين فى وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين فى وجوب الغسل.
قالوا: لأن {إلى} هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبوية قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فى الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله فى الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبى: وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطنى عن جابر "أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه".
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله: {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} و {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين فى الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله: قوله {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} تفيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها فى الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله:
{ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } لأن الإِعسار علة الإِنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا فى كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك { ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ } لو دخل الليل لوجب الوصال فى الصوم. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله - تعالى -: { مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} و {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها فى الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه".
رابعا: أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله - تعالى - {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} إلا أنهم اختلفوا فى مقدار المسح.
فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم فى ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية: يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية: يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكية والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون - أيضاً - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا فى ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة "أن النبى صلى الله عليه وسلم كان فى سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته" قالوا: والناصية تساوى ربع الرأس.
قال بعض العلماء: والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض فى بعض الحالات كما فى صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هى التى استمر عليها صلى الله عليه وسلم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التى كان يداوم عليها. وهى مسح الرأس مقبلا ومدبراً. وإجراء غيرها فى بعض الأحوال.
خامساً: قوله تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ} وردت فيه قراءتان متواترتان.
احداهما: بفتح اللام وهى قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائى ويعقوب.
والثانية: بكسر اللام وهى قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على قوله {وُجُوهَكُمْ} أو هو منصوب بفعل مقدر أى: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على {بِرُؤُوسِكُمْ}.
قال القرطبى ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل "اغسلوا" وبنى على ذلك أن الفرض فى الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبى صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله فى غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته. "ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء" ثم إن الله حدهما فقال: {إِلَى ٱلْكَعْبَينِ} كما قال فى اليدين {إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} فدل على وجوب غسلهما.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربى: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبرى من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبرى بقراءة الخفض - أى قال بمسح الرجلين.
ثم قال: وقد قيل: إن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أى لفظ الرءوس - وهذا أيضاً يدل على الغسل، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا فى القرآن وغيره قال - تعالى -
{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ } بالجر لأن النحاس هو الدخان.
ثم قال: والقاطع فى الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم
"ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب. ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح. إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه فى وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا حجة فى الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل فى قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} قوله {فٱغْسِلُواْ} والعرب قد تعطف الشىء على الشىء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول: أكلت الخبز واللبن. أى: وشربت اللبن.
وقد عقد الإِمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية - كثيراً من الأحاديث التى وردت فى غسل الرجلين، وجعل عنوانه: "ذكر الأحاديث الواردة فى غسل الرجلين وأنه لابد منه".
ومن هذه الأحاديث ما جاء فى الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين فى وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثاً. على اختلاف رواياتهم.
وفى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال:
"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" .
وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى رِجْلَ رَجل مثل الدرهم لم يغسله فقال: "ويل للأعقاب من النار" .
ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى فى مسح الخف.
ويرى الزمخشرى أن قراءة الجر فى قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} محمولة فى المعنى على النصب ويكون السبب فى عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإِسراف فى الماء. فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها فى حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإِسراف المذموم المنهى عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد فى صب الماء عليها.
وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشرى قراءة الجر بما يشفى الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله: متقلداً سيفاً ورمحاً. وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة.
ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإِيجاز والاختصار. وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا: واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذى لا يكون إلا فى الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جداً. على أن الغسل المطلوب فى الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود".
هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين فى الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر. وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء.
سادساً: أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هى هذه الأربعة فحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.
وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية - كما سبق أن أشرنا - كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا الترتيب فى القرآن فيجب التزامه. ولأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم.
وقال الأحناف: الترتيب ليس فرضاً، لأن العطف بين الأركان بالواو وهى لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا.
كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه. وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة.
والذى تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله. أما إذا قطع المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه فى هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه.
تلك هى بعض المسائل التى رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها. وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبة فقال - تعالى - {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}.
والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة. وكلمة جنب من الألفاظ التى يستوى فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال: رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب.. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة معنى شرعى يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر.
وقوله {فَٱطَّهَّرُواْ} أصله فتطهروا فأدغمت التاء فى الطاء فسكنت فأتى بالهمزة.

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول فى الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برؤوسكم. وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كنتم محدثين حدثاً أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول فى الصلاة فعليكم فى هذه الحالة أن تتطهروا. أى: تغسلوا بالماء جميع بدنكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو، كان أمراً شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله - تعالى - فى الآية على تلك الأعضاء التى أوجب غسلها.
وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى -
{ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الحملة ما يحل محل الماء عند فقده.
والتعبير بقوله {فَٱطَّهَّرُواْ} فيه إشارة إلى وجوب العناية فى تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجنابة أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإِنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله، ولأداء تكاليفه.
قال الفخر الرازى: والدلك غير واجب فى الغسل. وقال مالك: الدلك واجب وحجة غيره أن قوله {فَٱطَّهَّرُواْ} أمر بتطهير البدن وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك. ثم قال: والشافعى قال: المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الغسل - ومثله فى ذلك الإِمام مالك.
وقال أبو حنيفة - والحنابلة - هما: واجبان لأن الآية تقول {فَٱطَّهَّرُواْ} وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم. وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التى لا يمكن تطهيرها. وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما. فوجب بقاؤهما تحت النص. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
"بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة" فقوله "بلوا الشعر" يدخل فيه الأنف. لأن داخله شعر. وقوله "وأنقوا البشرة" يدخل فى الجلدة التى داخل الفم. وحجة الشافعى - ومالك قوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت" وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فى مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه فى أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال - تعالى -: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ}.
والمراد بالمرضى فى قوله - تعالى - {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ} المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقاً كأن يكون اسعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء.
وقوله {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه فى قوله - تعالى - فى سورة البقرة:
{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذى يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء فى الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية.
وقوله {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} معطوف على ما قبله والغائط: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفى إسناد المجىء إلى واحد من مبهم من المخاطبين، سمو فى التعبير. حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به. وفى ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب فى الخطاب، والبعد عن الألفاظ التى تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم.
والمراد بالملامسة فى قوله تعالى {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الجماع: فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال: وهى كناية قرآنية أراد - سبحانه - أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التى تتنافى مع آداب الإِسلام وتعاليمه السامية.
وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبي طالب وابن عباس وأبو موسى. وتبعهم فى ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والثورى فقد قالوا: لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها. واستدلوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه ثم يصلى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم.
واستدلوا - أيضاً - بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون فى الفعل من الجانبين مقصوداً، وذلك إنما يتأتى فى الجماع دون اللمس باليد. وأيضاً فإن اللمس وإن كان حقيقة فى اللمس باليد إلا أنه قد عهد فى القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما فى قوله - تعالى -
{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.
وقد سار الإِمام الشافعى على هذا الرأى فقال: إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة.
ومن أدلته أن اللمس حقيقة فى المس باليد، وهو فى الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإِمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما.
وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك فى كتب الفروع. والذى نراه أولى بالصواب فى هذ المسألة ما قاله الإِمام مالك -رحمه الله - لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها. والفاء فى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ}.
والضمير فى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ} يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة.
والمراد بعدم الوجدان فى قوله هنا {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} ما هو أعم من الوجود الحسى أى: أن قوله: "فلم تجدوا ماء" كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء.
وقوله: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} جواب الشرط وهو قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ}.
والمعنى: وإن كنتم - أيها المؤمنون - فى حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر؛ أو كنتم محدثين حدثاً أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله، أو كنتم فى حاجة ماسة إليه، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتيمموا صعيداً طيبا بدلا من الماء، فإن الله - تعالى -
{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ } ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} يعود إلى الجميع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشىء إذا قصدته.
ويطلق فى الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به.
وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره. وقيل يطلق على التراب فحسب.
والطيب: الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر.
وقوله: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} بيان لكيفية التيمم.
أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم.
وقد استدل بعض الفقهاء بقوله: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب.
ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز التراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض. متى كان طاهراً. قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض. وهذه الصفة لا تختص بالتراب.
قال القرطبى - بعد أن ذكر آراء الفقهاء فى ذلك - "وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الاجماع فيما ذكرناه أن تيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب. ومكان الإِجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره".
كما استدل الأحناف والشافعية بقوله - تعالى - {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد فى عضوين مخصوصين على قصد التطهير. والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء فى الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"التيمم ضربتان ضربة للوجه. وضربة للذراعين إلى المرفقين" .
ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النساء: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
أى: ما يريد الله - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه، ما يريد - سبحانه - بذلك {لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم.
أى: ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضاً {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكى تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته، لأنكم متى شكرتموه زادكم من فضله ومننه.
وعبر - سبحانه - عن نفى الحرج بنفى إرادته، مبالغة فى بيان رأفته - سبحانه - بعباده، ورعايته لمصالحهم. فكأنه - سبحانه - يقول: ما كان من شأن الله - تعالى - مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج.
وقوله {لِيَجْعَلَ} يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإِِيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله: {مِّنْ حَرَجٍ} وتكون {من} زائدة لتأكيد النفى وقوله {عَلَيْكُم} متعلق بالجعل. ويحتمل أن يكون بمعنى التصير فيكون قوله {عَلَيْكُم} هو المفعول الثانى، وقوله: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله.
وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى -
{ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } وقوله - تعالى - { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وقوله تعالى - { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا الدخول فى الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله فى تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها.
ثم بعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم، أتبع ذلك بأمرهم بمداومة شكره، وبالوفاء بعهده فقال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}.
أى: تنبهوا أيها المؤمنون - بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه الله عليكم من منن فداوموا على شكرها {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بدين الإِسلام الذى هديتم به إلى الصراط المستقيم، واذكروا كذلك {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم} أى: عهده الوثيق الذى أخذه عليكم، وأمركم بالتزامه بكل قوة.
وقوله: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ظرف لقوله {وَاثَقَكُم بِهِ} أى: إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد الموثق: سمعنا قولك وأطعنا أمرك.
فأنت ترى أن الآية الكريمة أوجبت على المؤمنين أمرين:
أولهما: التنبه إلى نعم الله وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين الإسلام، ومداومة شكره - سبحانه - على ذلك.
وثانيهما: الوفاء بعهوده التى أخذها عليهم، وتقبلوها بالسمع والطاعة لأنهم متى شكروه على نعمه، وكانوا أوفياء بعهودهم، زادهم - سبحانه - من فضله وعطائه.
قال الفخر الرازى: وإنما قال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} ولم يقل نعمه عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل فى أعداد نعم الله، بل المقصود منه التأمل فى جنس النعم. كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات. فجنس هذه النعم لا يقدر عليه سوى الله - تعالى - فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل.
وإنما قال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهو يشعر بنسيانها مع أن مثلها فى تواترها لا ينسى، للإِشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها، صارت كالأمر المعتاد الذى لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء".
والمراد بالميثاق الذى أخذه عليهم ما جرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين من عهود على أن يسمعوا له ويطيعوا فى العسر واليسر، والمنشط والمكره، كما حدث مع الأنصار ليلة العقبة، وكما حدث مع المؤمنين جميعا فى بيعة الرضوان.
وإنما أضيف الميثاق إلى الله تأكيداً لوجوب الوفاء به؛ ولأنه - سبحانه - هو الذى شرعه وهو الذى سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به.
وقال مجاهد: المراد به الميثاق الذى أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم، وضعف هذا القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعاً.
قال ابن جرير ما ملخصه: وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك: قول ابن عباس، وهو أن معناه: واذكروا أيها المؤمنون - نعمة الله التى أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى الإِسلام {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} يعنى: وعهده الذى عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم السمع والطاعة له فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا من المواثيق، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه.. فأوفوا - أيها المؤمنون - بميثاقه الذى واثقكم به ونعمته التى أنعم عليكم بها يوف لكم بما ضمن لكم الوفاء به، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته، وإنعامكم بالخلود فى دار كرامته وإنقاذكم من عذابه.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم فى صلب آدم، لأن الله بعد أن ذكر المؤمنين بميثاقه الذى واثقهم به، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذى أخذه الله عليهم فى قوله:
{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ } منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظها من الوفاء لله بماعاهدهم عليه، ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فى تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه.
وبعد أن ذكر الله - تعالى - المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به ختم - سبحانه - الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
أى: اشكروا الله - أيها المؤمنون - على نعمته، وكونوا أوفياء بعهودكم واتقوا الله وراقبوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عن كل ما يكرهه لكم، فإنه - سبحانه - عليم علما تاماً بخفيات الأمور الكامنة فى الصدور. وبكل ما يظهره الإِنسان ويبطنه، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم، فيجارى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته و {ذات الصدور} هى الأمور المستقرة فى الصدور، فهى بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذى يلازمه ولا يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية.
والجملة الكريمة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تعليل لقوله {وَٱتَّقُواْ}.
وكرر - سبحانه - اسمه الجليل لاشعار المؤمنين برقابته التامة عليهم. واطلاعه على أحوالهم المختلفة، وأعمالهم المتنوعة وللإِشارة إلى أنه إذا كان - سبحانه - يعلم خفيات الأمور، فمن باب أولى يعلم جلياتها.
وبعد أن أمر الله - تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه، أتبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق فى كل أقوالهم وأعمالهم، وذكرهم بما أفاء عليهم من نعم فقال - سبحانه -:
{يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ...}