التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
٧٢
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٣
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٧٤
مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٧٥
-المائدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود، شرع ههنا فى الكلام مع النصارى، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم.
وهذا هو قول اليعقوبية؛ لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله - تعالى - حل فى ذات عيسى واتحد بذات عيسى.
واللام فى قوله: {لَقَدْ كَفَرَ} واقعة جواباً لقسم مقدر.
والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره والانغماس فى الباطل والضلال.
أى: اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم.
وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر؛ لأنهم غالوا فى إطراء عيسى وفى وضعه فى غير موضعه كما غالت اليهود فى الكفر به وفى وصفه بالأوصاف التى هو برئ منها.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى فى الرد على من جعلوه إلها فقال: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}.
أى: وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية: يا بنى إسرائيل اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، فهو ربى الذى خلقنى وتعهدنى بالتربية والرعاية، وهو ربكم - أيضاً - الذى أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات.
والواو فى قوله: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} للحال. والجملة حالية من الواو التى هى فاعل {قالوا}.
أى: قالوا ما قالوا، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال لبنى إسرائيل حين إرساله إليهم: اعبدوا الله ربى وربكم.
وقوله: {رَبِّي وَرَبَّكُمْ} تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور؛ لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره فى العبودية لله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الخالق له ولهم وللكل شىء.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذراً من الإِشراك فقال: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.
وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك: منعه من دخولها، لإِشراكه مع الله آلهة أخرى.
والمأوى: المكان الذى يأوى إليه الإِنسان. أى يرجع إليه ويستقر فيه.
أى: قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم، لأنه أى الحال والشأن {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} شيئاً فى عبادته - سبحانه - {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} أى: منعه من دخولها، بسبب شركه وكفره، وجعل {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} أى: جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم.
فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإِشراك بالله، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء.
وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهى حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإِيجابية وهى استقرارهم فى النار، للإِشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا بالله، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التى تدل على جهلهم وسفاهتهم.
والمراد بالظالمين: المشركون الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم فتكون ال للعهد.
ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس.
وقال - سبحانه - {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} بصيغة الجمع لكلمة "أنصار" وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق، للإِيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم.
أى: ما لهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب الله بأى طريقة من الطرق.
وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذى حكاه الله عنه - كما سبق أن ذكرنا - ويحتمل أن تكون من كلام الله - تعالى - وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإِشراك.
وقوله - تعالى - {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون فى العقائد والنحل، ويتجمعون على الكفر والضلال، فهم شيع شتى، وفرق متنابذة، كل شيعة منهم تكفر الأخرى وتعارضها فى معتقداتها.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فى تفسير قول النصارى {إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} طريقان:.
الأول: أنهم أرادوا بذلك أن الله مريم وعيسى آلهة ثلاثة. والذى يؤكد ذلك قوله - تعالى - للمسيح
{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فقوله: {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} أى: أحد ثلاثة آلهة. أو واحد من ثلاثة آلهة.
والطريق الثانى: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أب، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب الذات. وبالابن الكلمة.
وبالروح الحياة. وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا: إن الكلمة التى هى كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد.
ثم قال الإِمام الرازى: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. فإن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى فى الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى":
وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية.
ومعنى ثالث ثلاثة: واحد من ثلاثة. أى: أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها: أن تستعمله مع أصله الذى صيغ هو منه، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير. فتقول: رابع أربعة أى: واحد من أربعة وليس زائداً عليها، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله.
وقوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل.
وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على "ما " و "إلا". مع تأكيد النفى بمن المفيدة لاستغراق النفى.
والمعنى: لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة، والحق أنه ليس فى هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين، الذى خلق الخلق بقدرته، ورباهم بنعمته. وإليه وحده مرجعهم وإيابهم.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال - تعالى -: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله: {لَقَدْ كَفَرَ} والمراد بانتهائهم: رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر.
والمراد بقوله - {عَمَّا يَقُولُونَ}: أى عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان.
أى: لقد كفر أولئك الذين قلوا إن الله ثالث ثلاثة كفراً شديداً بينا والحق أنه ليس فى الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ منهم} أى: ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم.
فالجملة الكريمة تحذير من الله - تعالى - لهم عن الاستمرار فى هذا القول الكاذب. والاعتقاد الفاسد الذى يتنافى مع العقول السليمة، والأفكار القويمة.
وقوله: {لَيَمَسَّنَّ} جواب لقسم محذوف، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف فى قوله {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ} والتقدير: والله إن لم ينتهوا ليمسن.
وأكد - سبحانه - وعيدهم بلام القسم فى قوله {لَيَمَسَّنَّ} رداً على اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار، لأن صلب عيسى - فى زعمهم - كان كفارة عن خطايا البشر.
وعبر بالمس للإِشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام: لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإِحساس فيهم إصابة مستمرة، كما قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } وقال - سبحانه - {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإِشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هى سبب الحكم.
ومن فى قوله {منهم} يصح أن تكون تبعيضية أى: ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخلوا فى دين الإِسلام.
ويصح أن تكون بيانية، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله: ومن فى قوله: {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} للبيان كالتى فى قوله
{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } والمعنى: ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أى نوع شديد الألم من العذاب.. كما تقول: أعطنى عشرين من الثياب. تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التى يجوز أن يتناولها عشرون".
وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم، فتح لهم - سبحانه - باب رحمته، حيث رغبهم فى الإِيمان، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى -: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التى لا يقبلها عقل سليم، ولا تصور قويم.
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى: أيسمعون ما يسمعون من الحق الذى يزهق باطلهم ومن النذر التى ترقق القلوب لا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى الله وطلب مغفرته، والحال أنه - سبحانه - عظيم المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا.
إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ليدل على أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهمالهم.
قال أبو السعود: وقوله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} جملة حالية من فاعل {وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} مؤكدة للإِنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار.
أى: والحال أن الله: - تعالى - مبالغ فى المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله".
وقال ابن كثير: هذا من كرمه - تعالى - وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإِفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم.
ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى - {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}.
وقوله {صديقة} صيغة مبالغة فى التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة فى الشرب والمسك.
قال الراغب: والصديق من كثير منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لم يكذب قط: وقيل: بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله.. قال - تعالى -
{ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ } فالصديقون هم قوم دون الأنبياء فى الفضيلة.
والمعنى: إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. قد قالوا منكرا وزورا، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعى واحد منهم الألوهية. وأما أم عيسى مريم فما هى إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له فى سائر أمورها. وهما - أى عيسى وأمه مريم - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم - يا معشر النصارى - أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مع صفات الأولوهية: إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولكم وضلال تفكيركم، وعظيم جهلكم.
وقوله {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافى، أى أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهى الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى فى عيسى أنه الله، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة.
وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} صفة للرسول وهو عيسى أريد بها بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه فى تبليغ رسالة الله إلى الناس؛ وأنه ليس بدعا فى هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا انه إله "لأنه لم يجىء بشىء زائد على ما جاء به الرسل".
وقوله. {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} معطوف على قوله: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها، ونفى أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، فهى ليست إلها. كما أنها ليست رسولا.
ولذا قال ابن كثير: دلت الآية على أن مريم ليست بنبية - كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق وبنوة أم عيسى ونبوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } والذى عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال - قال تعالى -: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } وقوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} جملة مستأنفة لبيان خواصهما الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى -.
وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس. لأنها صفة واضحة ظاهرة للناس، ودالة على احتياجهما لغيرهما فى مطلب حياتهما، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها.
وقال صاحب الكشاف: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروض وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة.. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإِله أن يكون كذلك.
ففى هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى فى شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه، ولذا عجب الله - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أى: يصرفون. يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشىء.
أى: انظر - يا محمد - كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحاً ظاهراً. ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإِصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم.
فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك.
وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة فى التعجيب من أحوالهم الغريبة وجىء بثم المفيدة للتراخى فى قوله {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أى: أن بياننا للآيات أمر بديع فى بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم.
ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى :
{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ...}