التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ
١٦
إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ
١٧
مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
١٨
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
١٩
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} جنسه. وقوله: {تُوَسْوِسُ} من الوسوسة وهو الصوت الخفى، والمراد به حديث الإِنسان مع نفسه. قال الشاعر:

وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزرى بالأمل

و{مَا} موصولة، والضمير عائد عليها والباء صلة، أى: ونعلم الأمر الذى تحدثه نفسه به. ويصح أن تكون مصدرية، والضمير للإِنسان، والباء للتعدية، أى ونعلم وسوسة نفسه إياه.
والمتدبر فى هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير إلى مضمونها، لأن التعبير بخلقنا، يشعر بالعلم التام بأحوال المخلوق، إذ خالق الشئ وصانعه أدرى بتركيب جزئياته. أى: والله لقد خلقنا بقدرتنا هذا الإِنسان. ونعلم علما تاما شاملا ما تحدثه به نفسه من أفكار وخواطر..
وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تقرير وتوكيد لما قبله.
وحبل الوريد: عرق فى باطن العنق يسرى فيه الدم، والإِضافة بيانية. أى: حبل هو الوريد. أى: ونحن بسبب علمنا التام بأحواله كلها، أقرب إليه من أقرب شئ لديه، وهو عرق الوريد الذى فى باطن عنقه، أو أقرب إليه من دمائه التى تسرى فى عروقه.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن علم الله - تعالى - بأحوال الإِنسان، أقرب إلى هذا الإِنسان، من أعضائه ومن دمائه التى تسرى فى تلك الأعضاء.
والمقصود من القرب: القرب عن طريق العلم، لا القرب فى المكان لاستحالة ذلك عليه - تعالى -.
قال القرطبى: قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعنى الناس. {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أى: ما يختلج فى سره وقلبه وضميره، وفى هذا زجر عن المعاصى التى استخفى بها.. {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال.. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين.. وهذا تمثيل لشدة القرب. أى: ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذى هو من نفسه.. وهذا القرب، هو قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإِنسان يحجب البعضُ البعضَ، ولا يحجب علم الله - تعالى - شئ.
وقال القشيرى: فى هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم.
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه. وسار عليه من قبلنا جمهور المفسرين يكون الضمير {نَحْنُ} يعود إلى الله - تعالى -، وجئ بهذا الضمير بلفظ {نَحْنُ} على سبيل التعظيم.
ويرى الإِمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود إلى الملائكة، فقد قال -رحمه الله - وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} يعنى ملائكته - تعالى - أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإِجماع - تعالى الله وتقدس - ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} كما قال فى المحتضر {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} يعنى ملائكته.
وكذلك الملائكة أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده إليه، بإقدار الله لهم على ذلك.
وهذا الذى ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا - لأنه قرب الملائكة من العبد بإقدار الله لهم على ذلك - إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الضمير {نَحْنُ} لله - تعالى - أدل على قرب الله - سبحانه - لأحوال عباده، وأظهر فى معنى الآية، وأزجر للإِنسان عن ارتكاب المعاصى.
و {إِذْ} فى قوله - تعالى -: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ...} ظرف منصوب بقوله {أَقْرَبُ}. أى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فى الوقت الذى يتلقى فيه {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} وهما الملكان جميع ما يصدر عن هذا الإِنسان.
وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذين الملكين لما يصدر عن الإِنسان، إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة، منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله:
{ ... وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } }. ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى، وفى الوصف الذى هو المتلقيان، محذوف، والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإِنسان فيكتبانه عليه.
وقوله: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} بيان ليقظة الملكين وحرصهما على تسجيل كل ما يصدر عن الإِنسان.
و {قَعِيدٌ} بمعنى المقاعد، أى الملازم للإِنسان، كالجليس بمعنى المجالس.
والمعنى: عن يمين الإِنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات، وعن الشمال كذلك ملك آخر ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة الثانى عليه، كما فى قول الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بماعندك راض والرأى مختلف

أى: نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك..
ثم أكد - سبحانه - كل هذه المعانى بقوله: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أى: ما يتكلم هذا الإِنسان من كلام، وما يفعل من فعل، إلا ولديه ملك "رقيب" أى: حفيظ يكتب أقواله "عتيد" أى: مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه.
يقال: عَتُدَ الشئ - ككَرُمَ - عتادة وعتادا، أى: حضر، فهو عتَد وعَتِيدٌ، ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف، فيقال: أعْتَدَه صاحبه وعتَّده، إذا هيأه وأعده.
والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن شماله، كلاهما مراقب لأعمال الإِنسان، حاضر لكتابتها.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } وقوله - سبحانه -: { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } وقوله - عز وجل -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } }. قال بعض العلماء ما ملخصه: وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شئ حتى الأنين فى المرض.. لأن قوله - تعالى - {مِن قَوْلٍ} نكرة فى سياق النفى فتعم كل قول..
وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب، وقالوا: إن فى الآية نعتا محذوفا، سوغ حذفه العلم به، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد..
ثم بين - سبحانه - حالة الإِنسان عند الاحتضار فقال: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. أى. وجاءت لكل إنسان سكرة الموت وشدته وغمرته وكربته، ملتبسة بالحق الذى لا شك فيه ولا باطل معه {ذَلِكَ} أى: الموت الذى هو نهاية كل حى {مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أى: تميل وتهرب وتفر منه فى حياتك. يقال: حاد فلان عن الشئ يَحِيدُ حَيْدَةً.. إذا تنحى عنه وابتعد.
أخرج الإِمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال: لما حضر أبو بكر الموت، بكت ابنته عائشة، وتمثلت بقول الشاعر:

لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فقال لها أبو بكر - رضى الله عنه -: لا تقولى ذلك يا بنتى، ولكن قولى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}.
ثم بين - سبحانه - نهاية هذه الدنيا فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أى: النفخة الأخيرة.. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} أى: ذلك الوقت الذى يكون فيه النفخ الأخير فى الصور، هو الوقت الذى توعد الله - تعالى - فيه كل كافر بسوء المصير، كما وعد كل مؤمن بحسن الجزاء.
وخص الوعيد بالذكر، لتهويل هذا اليوم، وتحذير العصاة مما سيكون فيه.
{وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس المؤمنة والكافرة والمطعية والعاصية {مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أى: معها ملك يسوقها إلى المحشر، ومعها ملك آخر يشهد عليها.. ثم يقال للكافر فى هذا اليوم العصيب: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ} تامة {مِّنْ هَـٰذَا} الذى تعانيه اليوم وتشاهده {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} أى: فأنزلنا عنك فى هذا اليوم تلك الغفلة التى كانت تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح.
{فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} أى: فبصرك ونظرك فى هذا اليوم نافذ قوى، تستطيع أن تبصر به ما كنت تنكره فى الدنيا، من البعث والحساب والثواب والعقاب.
يقال: فلان حديد البصر، إذا كان شديد الإِبصار بحيث ترى أكثر مما يراه غيره.
وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر، شمول علم الله - تعالى - لكل شئ، كما بينت حالة الإِنسان يوم القيامة، يوم تأتى كل نفس ومعها سائق وشهيد..
ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله قرين الإِنسان يوم القيامة فيقول: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا... فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}.