التفاسير

< >
عرض

ٱلرَّحْمَـٰنُ
١
عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ
٢
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ
٣
عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ
٤
ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
٥
وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
٦
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ
٧
أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ
٨
وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ
٩
وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ
١٠
فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ
١١
وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ
١٢
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣
-الرحمن

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل لله - عز وجل - وهو لفظ مشتق من الرحمة، وصيغته الدالة على المبالغة، تنبه إلى عظم هذه الرحمة وسعتها.
وهذا اللفظ مبتدأ، وما بعده أخبار له.
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ومنته على عباده بأجل النعم وأعظمها شأنا، فقال: {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} والقرآن هو أعظم وحى أنزله - سبحانه - على أنبيائه ورسله.
أى: علم نبيه - صلى الله عليه وسلم - القرآن الذى هو أعظم النعم شأنا وأرفعها مكانا، إذ باتباع توجيهاته وإرشاداته، يظفر الإِنسان بالسعادة الدنيوية والأخروية.
ولفظ {ٱلْقُرْآنَ} هو المفعول الثانى لعلم، والمفعول الأول محذوف.
وهذه الآية الكريمة تتضمن الرد عل المشركين الذين زعموا أن هذا القرآن قد تعلمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من البشر، كما حكى - سبحانه - عنهم فى قوله:
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.... } }. وفى قوله: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ... } كما تتضمن الرد عليهم لزعمهم أنهم لا يعرفون الرحمن، كما فى قوله - تعالى -: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ... } وقوله - تعالى -: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} بيان لنعمتين أخريين من نعمه - سبحانه -. والمراد بالإِنسان: جنسه، والمراد بالبيان: الفهم والنطق والإِفصاح عما يريد الإِفصاح عنه بالكلام الذى أداته اللسان.
أى خلق - سبحانه - بقدرته الإِنسان على أجمل صورة، وأحسن تقويم، ومكنه من الإِفصاح عما فى نفسه عن طريق المنطق السليم، والقول الواضح، كما مكنه من فهم كلام غيره له، فتميز بذلك عن الأجناس الأخرى، وصار أهلا لحمل الأمانة التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، وأصبح مستعدات لتلقى العلوم والخلافة فى الأرض..
ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف، فقد صور هذه المعانى بأسلوبه الرصين فقال: عدد الله - عز وجل - آلاءه فقدم ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه، وأصناف نعمائه، وهى نعمة الدين، وقدم من نعمة الدين ما هو فى أعلى مراتبها، وأقصى مراقبها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحى الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه فى أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها، والعيار عليها.
وأخر ذكر خلق الإِنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه، ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه، وكتبه، وما خلق الإِنسان من أجله.. ثم ذكر ما تميز به الإِنسان عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما فى الضمير..
ولفظ {ٱلرَّحْمَـٰنُ} مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف، لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة.. فما تنكر من إحسانه...
وقوله - تعالى -: {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} بيان لنعمة رابعة من نعمه - تعالى - التى لا تحصى.
والحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون، والمراد بحساب دقيق، وتقدير حكيم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف.. أى: الشمس والقمر يجريان فى هذا الكون، بحساب دقيق فى بروجهما ومنازلهما، بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب، وبذلك يعرف الناس السنين والشهور والأيام، ويعرفون أشهر الحج والصوم، وغير ذلك من شئون الحياة..
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ثم قال - تعالى -: {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} والمراد بالنجم هنا - عند بعضهم - النبات الذى لا ساق له، وسمى بذلك. لأنه ينجم - أى يظهر من الأرض - بدون ساق.
ويرى آخرون: أن المراد به نجوم السماء، فهو اسم جنس لكل ما يظهر فى السماء من نجوم. ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى -:
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ... } والشجر: هو النبات الذى له ساق وارتفاع عن وجه الأرض.
والمراد بسجودهما: انقيادهما وخضوعهما لله - تعالى - كانقياد الساجد لخالقه..
قال ابن كثير: قال ابن جرير: اختلف المفسرون فى معنى قوله: { وَٱلنَّجْمُ} بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فعن ابن عباس قال: النجم: ما انبسط على وجه الأرض من النبات. وكذا قال هذا القول سعيد بن جبير، والسدى، وسفيان الثورى، وقد اختاره ابن جرير..
وقال مجاهد: النجم - المراد به هنا - الذى يكون فى السماء، وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر...
وقوله - تعالى -: {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ...} أى: والسماء أوجدها بقدرته مرفوعة بدون أعمدة، وأنتم ترون ذلك بأعينكم.
فالمقصود بقوله {رَفَعَهَا} لفت الأنظار إلى مظاهر قدرته - تعالى -، وإلى وجوب شكره وإخلاص العبادة له، والتزام طاعته..
والميزان: يطلق على الآلة التى يزن الناس بها ما يريدون وزنه من الأشياء المختلفة.
والمراد به هنا: وجوب التزام العدل فى الأحكام، وشاع إطلاق الميزان على العدل فى الأحكام، لأن كليهما تضبط به الأحكام، وتنال الحقوق. أى: والسماء خلقها مرفوعة ابتداء، وشرع وأثبت العدل وأمر باتباعه فى الأقوال والأحكام، ليستقيم أمر الناس.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} أى: شرع العدل وأمر به، لينتظم أمر العالم ويستقيم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"بالعدل قامت السموات والأرض" أى: بقيتا على أتقن نظام.. وتفسير الميزان بالعدل، هو المروى عن مجاهد، والطبرى، والأكثرين، وهو مستعار للعدل استعارة تصريحية.
وعن ابن عباس والحسن وقتادة، أن المراد بالميزان ما تعرف به مقادير الأشياء، وهو الآلة المسماة بهذا الاسم.. أى: أوجده فى الأرض ليضبط الناس معاملاتهم فى أخذهم وعطائهم...
وجملة: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} بمنزلة التعليل لما قبلها. أى: شرع العدل بين الناس، وأوجب عليهم التمسك به فى كل شئونهم، لئلا يتجاوزوه إلى غيره من الجور والظلم. والطغيان: هو تجاوز الحدود المشروعة فى كل شىء.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى وهو التزام العدل تأكيدا صريحا فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}.
وقوله: {وَأَقِيمُواْ} من الإِقامة، والمراد به الإِتيان بالشىء على أكمل صورة، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ... } أى: أدوها كاملة الأركان والسنن والخشوع.
والقسط: العدل، يقال: أقسط فلان فى حكمه، إذا عدل، والباء للمصاحبة.
وقوله: {وَلاَ تُخْسِرُواْ} من الإِخسار بمعنى النقص والبخس والجور.
والمعنى: شرع الله العدل، ونهاكم عن تجاوزه، وأمركم أن تقيموا حياتكم عليه فى أوزانكم التى تتعاملون بها فيما بينكم، وفى كل أحوالكم، فاحذروا أن تخالفوا أمره..
وكرر - سبحانه - لفظ "الميزان" للتنبيه على شدة عناية الله - تعالى - بإقامة العدل بين الناس فى معاملاتهم، وفى سائر شئونهم، إذ بدونه لا يستقيم لهم حال، ولا يصلح لهم بال، ولا يستقر لهم قرار..
ثم انتقلت السورة الكريمة، إلى بيان جانب من مظاهر نعمه الأرضية فقال - تعالى -: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}.
والمراد بالأنام: الخلائق المختلفون فى ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم، والذين يعيشون فى شتى أقطارها وفجاجها... وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
أى: والأرض "وضعها" أى: أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع، من أجل منفعة الناس جميعا، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة.. جعلهم ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات، ويتقلبون عليها من مكان إلى آخر.. وصدق الله إذ يقول:
{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً .. } وقوله - سبحانه -: {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ}، بيان لبعض ما اشتملت عليه هذه الأرض من خيرات.
والفاكهة: اسم لما يأكله الإِنسان من ثمار على سبيل التفكه والتلذذ، لا على سبيل القوت الدائم، مأخوذة من قولهم فكه فلان - كفرح - إذا تلذذت نفسه بالشىء.. والأكمام: جمع كِمّ - بكسر الكاف -، وهو الطلع قبل أن تخرج منه الثمار.
وقوله: {ذُو ٱلْعَصْفِ} أى: ذو القشر الذى يكون على الحبن وسمى بذلك لأن الرياح تعصف به. أى: تطيره لخفته، أو المراد به الورق بعد أن ييبس ومنه قوله - تعالى -:
{ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } والريحان: هو النبات ذو الرائحة الطيبة، وقيل هو الرزق.
أى: فى هذه الأرض التى تعيشون عليها أوجد الله - تعالى - الفاكهة التى تتلذذون بأكلها، وأوجد لكم النخيل ذات الأوعية التى يكون فيها الثمر..
وأوجد لكم الحب، الذى تحيط به قشوره، كما ترون ذلك بأعينكم، فى سنابل القمح والشعير وغيرهما.
وأوجد لكم النبات الذى يمتاز بالرائحة الطيبة التى تبهج النفوس وتشرح الصدور، فأنت ترى أنه - تعالى - قد ذكر فى هذه الآيات ألوانا من النعم، فقد أوجد فى الأرض الفاكهة للتلذذ، وأوجد الحب للغذاء، وأوجد النباتات ذات الرائحة الطيبة.
قال القرطبى ما ملخصه: وقراءة العامة {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} بالرفع فيها كلها، عطفا على "فاكهة" أى: فيها فاكهة وفيها الحب ذو العصف، وفيها الريحان..
وقرأ ابن عامر بالنصب فيها كلها عطفا على الأرض، أو بإضمار فعل، أى: وخلق الحبَّ ذَا العصف والريحانَ. أى: وخلق الريحان.
وقرأ حمزة والكسائى بجر {ٱلرَّيْحَانُ} عطفا على العطف. أى: فيها الحب ذو العصف والريحانِ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان بمعنى الرزق، فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق، لأن العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس...
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
والفاء للتفريع على النعم المتعددة التى سبق ذكرها، والاستفهام للتعجيب ممن يكذب بهذه النعم، والآلاء: جمع إِلْى - بكسر الهمزة وفتحها وسكون اللام - وهى النعمة، والخطاب للمكلفين من الجن والإِنس، وقيل لأفراد الإِنس مؤمنهم وكافرهم، أى: فبأى واحدة من هذه النعم تكذبان ربكما، أى: تجحدان فضله ومننه - يا معشر الجن والإِنس - مع أن كل نعمة من هذه النعم تستحق منكم الطاعة لى، والخضوع لعزتى والإِخلاص فى عبادتى.
قال الجمل ما ملخصه: كررت هذه الآية هنا إحدى وثلاثين مرة تقريرا للنعمة، وتأكيدا للتذكير بها، وذلك كقول الرجل لمن أحسن إليه، وهو ينكر هذا الإِحسان: ألم تكن فقيرا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك، أفتنكر هذا...؟
ومثل هذا الكلام شائع فى كلام العرب، وذلك أن الله - تعالى - عدد على عباده نعمه، ثم خاطبهم بقوله: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
وقد كرر - سبحانه - هذه الآية ثمانى مرات، عقب آيات فيها تعداد عجائب خلقه، ومبدأ هذا الخلق ونهايته، ثم كررها سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم.. ثم كررها - أيضا - ثمانى مرات فى وصف الجنتين وأهلهما، بعدد أبواب الجنة، وكررها كذلك ثمانى مرات فى الجنتين التين هما دون الجنتين السابقتين، فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها، استحق هاتين الثمانيتين من الله - تعالى -، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكرمه...
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة خلق الإِنسان، وعن مظاهر قدرته فى هذا الكون، فقال - تعالى -: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ...}.