التفاسير

< >
عرض

إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ
١
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
٢
خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ
٣
إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً
٤
وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً
٥
فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً
٦
وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً
٧
فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ
٨
وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ
٩
وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ
١٠
أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ
١١
فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
١٢
ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ
١٤
عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ
١٥
مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ
١٦
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ
١٧
بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
١٨
لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ
١٩
وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ
٢٠
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
٢١
وَحُورٌ عِينٌ
٢٢
كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ
٢٣
جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٤
لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً
٢٥
إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً
٢٦
-الواقعة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

افتتحت سورة "الواقعة" بتقرير الحقيقة التى لا شك فيها، وهى أن يوم القيامة حق وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق..
وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس لترقب الجواب.
والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة، والحاقة، والآزفة..
قال الجمل: وفى {إِذَا} هنا أوجه: أحدهما: أنها ظرف محض، ليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها ليس، من حيث ما فيها من معنى النفى، كأنه قيل: ينتفى التكذيب بوقوعها إذا وقعت.
والثانى: أن العامل فيها اذكر مقدرا، الثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر، أى: إذا وقعت الواقعة كان، كيت وكيت، وهو العامل فيها...
وقال بعض العلماء: والذى يظهر لى صوابه، أن إذا هنا: هى الظرفية المتضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآنى: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} بدل من قوله: {وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} وأن الجواب إذا هو قوله: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ..}.
وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة، وحصلت هذه الأحوال العظيمة، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة...
وقوله - تعالى -: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}مؤكد لما قبله، من أن وقوع يوم القيامة حق لا ريب فيه.
وكاذبة: صفة لموصوف محذوف، وهى اسم فاعل بمعنى المصدر..
أى: عندما تقع القيامة، لا تكذبها نفس من النفوس التى كانت تجحدها فى الدنيا، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها.
قال القرطبى: قوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} الكاذبة مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر، كقوله - تعالى -:
{ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً } أى: لغو..
أى: ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هى واقعة يقينا..
أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف، أى: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ... } وقوله - سبحانه -: { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أى: هى خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات: وهى رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات.
والخفض والرفع يستعملان عند العرب فى المكان والمكانة. وفى العز والإِهانة.. ونسب - سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز.
والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين فى الازدياد من العمل الصالح، لترفع منزلتهم يوم القيامة، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذى ينتظرهم، إذا ما استمروا فى فسقهم وعصيانهم.
ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع فى هذا اليوم، ما يترتب عليه من تناثر النجوم، ومن تبدل الأرض غير الأرض، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش..
وعلى هذا يكون المقصود بالآية: التهويل من شأن يوم القيامة، حتى يستعد الخلق لاستقباله، بالإِيمان والعمل الصالح، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين، من خزى وهوان..
والآية الكريمة تسع المعنيين، لأن فى هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض الأشرار، ولأن فيه - أيضا -
{ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ... } والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك: {إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً...} التحريك الشديد، والاضطراب الواضح. يقال: رج فلان الشىء رجا، إذا حركه بعنف وزلزله بقوة..
وقوله {وَبُسَّتِ} من البس بمعنى التفتيت والتكسر الدقيق، ومنه قولهم: بس فلان السويق، إذا فتته ولته وهيأه للأكل..
أى: إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا، وفتتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق الملتوت.. فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى: المتفرق الذى يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة..
إذا ما حدث كل ذلك، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر،
{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } فجواب الشرط ما ذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة أصحاب المشأمة.
ومن الآيات الكثيرة، التى وردت فى معنى هذه الآيات قوله - تعالى -:
{ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً } والخطاب فى قوله - تعالى -: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} للناس جميعا، وكان بمعنى صار، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع..
أى: وصرتم - أيها الناس - فى هذا اليوم الهائل الشديد، أصنافا ثلاثة، على حسب أحوالكم فى الدنيا..
ثم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ}.
والمراد بأصحاب الميمنة، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة..
أو سموا بذلك، لأنهم ميامين، أى: أصحاب بركة على أنفسهم، لأنهم أطاعوا ربهم وخالفوا أهواءهم .. فكانت عاقبتهم الجنة.
وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة، لأنهم مشائيم، أى: أصحاب شؤم على أنفسهم، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا، فكانت عاقبتهم النار.
أو سموا بذلك، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار.. والعرب تسمى الشمال شؤما، كما تسمى اليمين يمنا.
والتعبير بقوله: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} للتفخيم والإِعلاء من شأنهم، كما أن التعبير بقوله - تعالى -: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} للتحقير والتعجيب من حالهم.
وجملة: {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} مكونة من مبتدأ - وهو ما الاستفهامية -، وخبر وهو ما بعدها، وهذه الجملة خبر لقوله {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}. ووضع فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم، بخلاف وضعه فى أصحاب المشأمة، فهو للتشنيع عليهم.
وشبيه بهذا الأسلوب قوله - تعالى -:
{ ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَاقَّةُ } و { ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ } ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا فى مواضع التفخيم، أو التعجيب..
والمعنى: فأصحاب الميمنة، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم الكريمة، وأصحابه المشأمة، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم القبيحة؟.
وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى على إبهامه، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو العقاب..
وقوله: { وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} هؤلاء هم الصنف الثالث، وهم الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة لله - تعالى - وتقرب إلى جلاله.
والأظهر فى إعراب مثل هذا التركيب، أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب فى تكريرهم اللفظ، وجعلهم الثانى خبرا عن الأول، ويعنون بذلك أن اللفظ المخبر عنه، معروف خبره، ولا يحتاج إلى تعريفه، كما فى قول الشاعر:

أنا ابو النجم وشعرى شعرى

يعنى: أن شعرى هو الذى أتاك خبره، وانتهى إليك وصفه..
والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم. وعرفت منزلتهم، وبلغت من الرفعة مبلغا لا يفى به إلا الإِخبار عنهم بهذا الوصف.
وحذف - سبحانه - المتعلق فى الآية لإِفادة العموم، أى: هم السابقون إلى كل فضل ومكرمة وطاعة..
وأخرهم - سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، لتشويق السامع إلى معرفة أحوالهم، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم، فصله بعد ذلك فى قوله - تعالى -: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ...} أى: والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة، أولئك هم المقربون عند الله - تعالى - وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم.
فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا، لأنها جواب يثيره فى النفوس قوله - تعالى - {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُون}َ و {أُوْلَـٰئِكَ} مبتدأ، وخبره ما بعده. وما فيه من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإِشعار يسمو منزلتهم عند الله - تعالى - ولفظ {ٱلْمُقَرَّبُونَ} مأخوذ من القربة بمعنى الخطوة، وهو أبلغ من القريب، للدلالة صيغته على الاصطفاء والاختباء..
أى: أولئك هم المقربون من ربهم - عز وجل - قربا لا يعرف أحد مقداره.
وقوله - سبحانه -: {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا التقرب.
قال الآلوسى: وقوله {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} متعلق بقوله {ٱلْمُقَرَّبُونَ} أو بمضمر هو حال من ضميره، أى كائنين فى جنات النعيم.
وعلى الوجهين. فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة، لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم، ولا يرد عليهم أمر أو نهى، ولذا قيل {جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} دون جنات الخلود ونحوه...
ثم قال - تعالى : { ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} والثلة: الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها: القطعة من الشىء.. وهى خبر لمبتدأ محذوف، وللمفسرين فى المراد بالثلة من الأولين، وبالقليل من الآخرين، اتجاهان:
أولهما: يرى أصحابه أن المراد بقوله: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ}: أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإِسلامية، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم.
والمراد بقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} المؤمنون من هذه الأمة الإِسلامية.
وعلى هذا المعنى صار صاحب الكشاف. فقد قال: الثلة، الأمة الكثيرة من الناس، قال الشاعر:

وجاءت إليهم ثلة خندقيةبجيش كتيار من السيل مزبد

وقوله - عز وجل -: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} كفى به دليلا على الكثرة - أى فى لفظ {ثُلَّةٌ} - وهو من الثل وهو الكسر -: كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.
والمعنى: أن السابقين من الأولين كثير، وهم الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - .. {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم-.
وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه، أن الخطاب فى قوله - تعالى -: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} للأمة الإِسلامية خاصة، وأن المراد بقوله {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} صدر هذه الأمة الاسلامية.
وأن المراد بقوله - تعالى -: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} من أتى بعد صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وقد أفاض الإِمام ابن كثير فى ترجيح هذا القول، فقال ما ملخصه: وقد اختلفوا فى المراد بقوله: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين من هذه الأمة.. وهو اختيار ابن جرير.
وهذا الذى اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة، هى خير الأمم بنص القرآن. فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة..
فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله - تعالى - {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أى: من صدر هذه الأمة.
والمراد بقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} أى: من هذه الأمة..
وروى عن الحسن أنه قال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين.
وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه: وقد اختلف أهل العلم فى المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا.
كما اختلفوا فى الثلتين المذكورتين فى قوله - تعالى - بعد ذلك:
{ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ } وظاهر القرآن يفيد فى هذا المقام: أن الأولين فى الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة.
وأن قوله - تعالى -: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} فى السابقين خاصة.
وأن قوله - تعالى -:
{ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ } فى أصحاب اليمين خاصة.
وذلك لشمول الآيات لجميع الأمم، إذ قوله - تعالى -: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} خطاب لجميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين. منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة..
ولا غرابة فى أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر.. لأن الأمم الماضية أمم كثيرة.. وفيهم أنبياء كثيرون.
وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع الأمم، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين.. الكثيرين، أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير.
ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير. لا ينافى ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة...
ثم بين - سبحانه - ما أعده هؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم، فقال: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}.
والسرر: جمع سرير، وهو ما يستعمله الإِنسان لنومه أو الاتكاء عليه فى جلسته.
والموضونة: أى المنسوجة بالذهب نسجا محكما، لراحة الجالس عليها ولتكريمه، يقال: وضن فاان الغزل يضنه، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا.
أى: مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه، نسجا بديعا يشرح الصدر. فقوله: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} حال من المقربين..
ومثله قوله: {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} أى: مضطجعين عليها اضطجاع الذى امتلأ قلبه بالراحة، وفراغ البال من كل ما يشغله، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر، ليتم سرورهم ونعيمهم، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة.
{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أى: يدور عليهم من أجل خدمتهم غلمان، شبابهم باق لا يتغير، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل، فهم دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن.
{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أى: يطوفون عليهم، بأكواب أى: باقداح لا عُرَا لها، وأباريق، أى: وبأوان ذات عرا {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أى: وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجارى فقوله {مَّعِينٍ} من المعن بمعنى الكثرة.
{لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا..} أى لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه الخمر. فعن هنا بمعنى باء السببية.
قوله: {وَلاَ يُنزِفُونَ} أى: ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها، مأخوذ من النزف، بمعنى اختلاط العقل.
وقوله: {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} أى: ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع، على حسب ما يريدون ويشتهون.
{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى النفوس، يطاف عليهم به - أيضا -.
وقوله: {وَحُورٌ عِينٌ} معطوف على قوله {وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أى: ويطوف عليهم - أيضا - نساء عيونهن شديدة البياض والسواد فى سعة وجمال.
وهؤلاء الحور العين { كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} أى: يشبهن اللؤلؤ المكنون الذى لم تلمسه الأيدى، فى صفاء بياضهن، وفى شدة جمالهن.
وقوله - سبحانه -: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بيان للأسباب التى أوصلتهم إلى هذا النعيم الكبير..
ولفظ {جَزَآءً} منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف، أى: أعطيناهم هذا العطاء الجزيل، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال صالحة.
قوله - تعالى -: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} تتميم للنعم التى أنعم - سبحانه - عليهم بها فى الجنة.
واللغو: الكلام الساقط الذى لا فائدة منه، ولا وزن له. يقال: لغا فلان يلغو. إذا قال كلاما يلام عليه.
والتأثيم: مصدر إثم، إذا نسب غيره إلى الإِثم وفعل ما لا يليق.
أى: أن هؤلاء المقربين لا يسمعون فى الجنة كلاما لا يعتد به، ولا يسمعون - أيضا - كلاما سيئا أو قبيحا، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به، وإنما الذى يسمعونه هو الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر، والتحية الدائمة.
ولفظ {سَلاَماً} الأول، بدل من قوله {قِيلاً} أو نعت له.. أى: سالما من العيوب. والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد، والإِشعاربكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة والوئام.
أى: لا يسمعون فى الجنة إلا سلاما إثر سلام، وتحية فى أعقاب تحية، ومودة تتلوها مودة.
والاستثناء منقطع، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، و {قِيلاً} بمعنى: قولا، وهو منصوب على الاستثناء..
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة، وفصلت ما أعده - سبحانه - للسابقين، من عطاء جزيل، وفضل عميم.
وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين.. جاء الحديث عن أصحاب اليمين وعما أعده الله - تعالى - لهم من ثواب فقال - سبحانه -: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ...}.