التفاسير

< >
عرض

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٢
وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤
مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ
٥
-الحشر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

افتتحت سورة "الحشر" بالثناء على الله - تعالى - وبتنزيهه عن كل مالا يليق بذاته الجليلة، فقال - عز وجل -: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.
واصل التسبيح لغة: الإِبعاد عن السوء. وشرعا: تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله.
والذى يتدبر القرآن الكريم، يجد أن الله - تعالى - قد ذكر فيه أن كل شىء فى هذا الكون يسبح بحمده - تعالى -، كما فى قوله:
{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } كما ذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له، كما فى قوله: { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... } }. وكذلك الرعد، كما فى قوله: { وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ... } وكذلك الجبال والطير قال - تعالى -: { إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... } أن الرأى الذى تطمئن إليه النفس، أن التسيبح حقيقى، ولكن بلغة لا يعملها إلا الله - تعالى -.
والمعنى: سبح لله - تعالى - ونزهه عن كل ما لا يليق به، جميع ما فى السماوات وجميع ما فى الأرض من كائنات ومخلوقات. وهو - عز وجل - {ٱلْعَزِيزُ} الذى لا يغلبه غالب {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فى أقواله وأفعاله.
وقد افتتحت بعض السور - كسورة الحديد والحشر والصف - بالفعل الماضى، لإِفادة الثبوت والتأكيد، وأن التسبيح قد تم فعلا.
وافتتحت بعض السور، كسورة الجمع والتغابن - بالفعل المضارع "يسبح" لإِفادة تجدد هذا التسبيح لى كل وقت، وحدوثه فى كل لحظة.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين، حيث نصرهم على أعدائهم، فقال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ...}.
والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا: يهود بنى النضير، وقصتهم معروفة فى كتب السنة والسيرة، وملخصها: أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون فى ضواحى المدينة فذهب إليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ليستعين بهم فى دفع دية لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ، فاستقبلوه استقبالا حسنا، وأظهروا له - صلى الله عليه وسلم - استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن منكم يصعد إلى أعلى هذا البيت الذى يجلس تحته محمد - صلى الله عليه وسلم - فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه.
فتعهد واحد منهم بذلك، وقبل أن يتم فعله، نزل جبريل - عليه السلام - على النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانة فرجع - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - وأخبر أصحابه بما أضمره له يهود بنى النضير، ونزل قوله - تعالى -:
{ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى النضير، وتأديبهم على غدرهم.. فحاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليلة، وانتهى الأمر بإجلائهم، عن المدينة، فمنهم من ذهب إلى خبير، ومنهم من ذهب إلى غيرها.
واللام فى قوله - تعالى -: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} متعلقة بأخرج، والحشر: الجمع، يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: هو - سبحانه - الذى أخرج - بقدرته - الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم، وهم يهود بنى النضير عند مبدا الحشر المقدر لهم فى علمه، بأن مكنكم - أيها المؤمنون - من محاصرتهم وجمعهم فى مكان واحد، ثم طردهم من المدينة المنورة إلى أماكن أخرى، بسبب غدرهم وسوء صنيعهم.
قال صاحب الكشاف: اللام فى قوله: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} تتعلق بأخرج، وهى مثل اللام فى قوله:
{ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } وفى قولك: جئته لوقت كذا..
والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ومعنى أول الحشر: أن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط.. أو المعنى: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم: إجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم من خيبر إلى الشام.
وقيل معناه: أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -...
وقصر - سبحانه - إخراجهم عليه فقال: هو الذى أخرج الذين كفروا، مع أن المسلمين قد اشتركوا فى إخراجهم عن طريق محاصرتهم؛ للإِشعار بأن السبب الحقيقى فى إخراجهم من ديارهم، هو ما قذفه الله - تعالى - فى قلوبهم من الرعب.. أما محاصرة المؤمنين لهم فهى أسباب فرعية، قد تؤدى إلى أخراجهم، وقد لا تؤدى، وللإِشعار - أيضا - بأن كل شىء إنما هو بقضاء الله وقدره..
ووصفهم - سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب، للتشنيع عليهم وزيادة مذمتهم، حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين: رذيلة الكفر بالحق، ورذيلة عدم العلم بكتابهم الذى أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإِنجيل، والذى يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر.
و "من" فى قوله - تعالى -: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} للبيان، حتى لا يظن بأن المراد بالذين كفروا هنا، مشركو قريش، وإن كان الجميع يشتركون فى الكفر والفسوق والعصيان.
وقوله - تعالى -: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ....} تذكير للمؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم.
أى: ما ظننتم - أيها المؤمنون - أن يهود بنى النضير سيخرجون من ديارهم بتلك السهولة، وذلك لتملكهم لألوان من القوة، كقوة السلاح، وكثرة العدد، ووجود من يحميهم ممن يسكنون معكم فى المدينة، وهم حلفاؤهم من بنى قومهم، كبنى قريظة وغيرهم، ومن غير بنى قومهم كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم.
وقوله: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} معطوف على ما قبله.
أى: أنتم - أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم من قوة، وهم - أيضا - ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم، وأنها ستحول بينهم وبين خروجهم منها، ونَصْرِكم عليهم.
وقوله - سبحانه -: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ...} متفرع عن الظن السابق، الذى ظنه المؤمنون، والذى ظنه أعداؤهم وهم بنو النضير.
أى: أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم، وهم ظنوا - أيضا - أن حصونهم ستمنعهم من نصركم عليهم، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس الله وعقابه من حيث لم يحتسبوا ومن حيث لم يخطر ببال، بأن قذف فى قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا من حصونهم التى تمنعوا بها، ومن ديارهم التى سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء.
والتعبير بقوله: {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} إشارة إلى أن ما نزل بهم من هزيمة، لم يكونوا يتوقعونها أصلا، إذ الاحتساب مبالغة فى الحسبان، أى: أتاهم عقاب الله - تعالى - من المكان الذى كانوا يعتقدون أمانهم فيه، وفى زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون حلول هزيمتهم عنده.
وعبر - سبحانه - بالقذف، لأنه كناية عن الرمى بقوة وعنف وسرعة. والرعب: شدة الخوف والفزع، وأصله: الامتلاء. تقول: رعبت الحوض إذا ملأته.
أى: وقذف - سبحانه - فى قلوبهم الرعب الذى ملأها بالجزع والفزع فاستسلموا بسبب ذلك لما حكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم.
ثم بين - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} والتخريب: إسقاط البناء وهدمه أو إفساده.
أى: أن هؤلاء اليهود، بلغ من سوء نيتهم، ومن اضطراب أمرهم، أنهم عندما أجمعوا أمرهم على الرحيل عن المدينة، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم، عن طريق إسقاط بنائها، وهدم السليم منها، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب وغيرها.. حتى لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم..
وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدى المؤمنين، أى: بسبب أن المؤمنين كانوا يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم، فترتب على ذلك أن هدموا بعض بيوت بنى النضير من الخارج، ليستطيعوا التمكن منهم.
قال صاحب الكشاف: ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت: لما عرَّضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه. فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه...
أى: أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم فى ديارهم، ومحاولتهم عدم النزول على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من الخارج، ليدخلوا عليهم..
والخطاب فى قوله - تعالى -: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} لكل من يصلح له.
قال الجمل فى حاشيته: والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شىء إلى شىء، ولهذا سميت العبرة عبرة، لأنها تنتقل من العين إلى الخد. وسمى علم التعبير بذلك، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات، لأنها تنقل المعانى من لسان القائل إلى عقل المستمع، ويقال: السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل بواسطه عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه.
ولهذا قال القشيرى: الاعتبار هو النظر فى حقائق الأشياء، وجهات دلالتها، ليعرف بالنظر فيها شىء آخر...
أى: إذا كان الأمر كان بينا لكم - أيها الناس -، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب العقول السليمة، والعيون الناظرة، بما جرى لهؤلاء اليهود، حيث دبر الله - تعالى - أمر إخراجهم من ديارهم تدبيرا حكيما، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر طريق، وجعل ديارهم من بعدهم، خير عبرة وعظة لكل ذى بصر، فقد خلفوها من بعدهم شاهد صدق على أن الغدر نهايته الخسران.. وعلى أن النصر إنما هو لمن اتبع الصدق والوفاء بالعهد..
قال الآلوسى: واشتهر الاستدلال بهذه الجملة، على مشروعية العمل بالقياس الشرعى، قالوا: لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار، وهو العبور والانتقال من الشىء إلى غيره، وذلك متحقق فى القياس، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع...
ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته فى إخراجهم فقال: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}.
ولفظ "لولا" هنا حرف امتناع لوجود أى: امتنع وجود جوابها لوجود شرطها.. و "أن" مصدرية، وهى مع ما فى حيزها فى محل رفع على الابتداء. لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ، والخبر محذوف.
والجلاء: الإِخراج. يقال: جلا فلان عن مكان كذا، إذا خرج منه. وأجلاه عنه غيره، إذا أخرجه عنه:
قال القرطبى: والجلاء مفارقة الوطن، يقال جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإِخراج - وإن كان معناهما فى الإِبعاد واحدا - من وجهين:
أحدهما: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإِخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد.
الثانى: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإِخراج يكون لواحد ولجماعة....
أى: ولولا أن الله - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود، الجلاء عن ديارهم، لولا أن ذلك موجود، لعذبهم فى الدنيا عذابا شديدا، استأصل معه شأفتهم.
ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإِهلاك لمصلحة اقتضتها حكمته، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم، دون أن تراق دماء من الفريقين، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال.
وجملة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} مستأنفة. أى: أن هؤلاء اليهود أن نجوا من القتل والإِهلاك فى الدنيا، فلن ينجوا فى الآخرة من العذاب الذى يذلهم ويهينهم، بل سيحل بهم عذاب مقيم، لافكاك لهم منه.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب.
وقوله - تعالى -: {شَآقُّواْ} من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة، حتى لكأن كل واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه.
أى: ذلك الذى حل بهم فى الدنيا من عقاب، والذى سيحل بهم فى الآخرة من عذاب، سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب، عادوا الله - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
{وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ} بأن يخالف ما أمر به، أو نهى عنه. يعذبه الله - تعالى - ويخذله، فإنه - سبحانه - شديد العقاب.
وجملة {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} قائمة مقام جواب الشرط، أى: ومن يخالف أمر الله - تعالى - عذبه، فإنه - سبحانه - شديد العقاب، لمن أعرض عن طاعته وذكره.
ثم ساق - سبحانه - ما يغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، الذين اشتركوا فى تخريب ديار بنى النضير، وفى قطع نخيلهم، فقال - تعالى -: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}.
و "ما" شرطية فى موضع نصب، بقوله: {قَطَعْتُمْ} وقوله: {مِّن لِّينَةٍ} بيان لها..
وقوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} جزاء الشرط. واللام فى قوله - تعالى -: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} متعلقة بمحذوف.
واللينة: واحدة اللين، وهو النخل كله، أو كرام النخل فقط.
قال الآلوسى ما ملخصه: اللينة هى النخلة مطلقا.. وهى فعلة من اللَّونِ، وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها - فأصل لِينَة: لِوْنَة..
وقيل: اللينة: النخلة مطلقا.. وقيل: هى النخلة القصيرة، وقيل: الكريمة من النخل.. ويمكن أن يقال: أراد باللينة النخلة الكريمة...
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أن المسلمين عندما أخذوا فى تقطيع نخيل اليهود، قال اليهود للنبى - صلى الله عليه وسلم -: {يا محمد إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع النخيل؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقيل: إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل، ظنوا أنهم قد أخطأوا فى ذلك، فقالوا: لنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية.
وقيل: إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل، وقالوا إنما هى مغانم المسلمين، فنزلت هذه الآية؛ لتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطع من الإِثم.
والمعنى: لا تختلفوا - ايها المؤمنون - فى شأن ما فعلتموه بنخيل بنى النضير، فإن ذلك قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه، والذى لم يقطع لا إثم عليه - أيضا - لأن كلا الأمرين بإذن الله - تعالى - ورضاه، وفى كليهما مصلحة لكم.
لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله، ويحمله على الاستسلام والخضوع لأمركم..
ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم، لأن تلك النخيل الباقية، منفعتها ستئول إليكم..
وقد شرع - سبحانه - لكم كلا الأمرين فى هذا المقام {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} عن أمره، وهم يهود بنى النضير، ومن ناصرهم، وأيدهم، وسار على طريقتهم فى الخيانة والغدر.
فالآية الكريمة المقصود بها: إدخال المسرة والبهجة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير، وحتى يتركوا الخلاف فى شأن هذه المسألة، بعد أن صدر حكم الله - تعالى - فيها، وهو أن القطع والترك بإذنه ورضاه، لأن كلا الأمرين يغرس الحسرة فى قلوب الأعداء..
وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة، لأن لفظ "لينة" أخف لفظا، وأدخل فى كونها نخلة من كرام النخل.
وقال - سبحانه -: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا} لتصوير هيئتها وحسنها وأن فروعها قد بقيت قائمة على أصولها، التى هى جذورها وجذوعها.
قال الآلوسى: وقوله: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} متعلق بمقدر على أنه علة له، وذلك المقدر عطف على مقدر آخر. أى: ليعز المؤمنين، وليخزى الفاسقين أى: ليذلهم..
والمراد بالفاسقين: أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب. ووضع الظاهر موضع المضمر، إشعارا بعلة الحكم - أى أن فسقهم هو السبب فى إخزائهم...
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية: أن تخريب ديار العدو، وقطع الأشجار التى يملكها، وهدم حصونه ومعسكراته.. جائز ما دام فى ذلك مصلحة تعود على المسلمين، وما دامت هناك حرب بينهم وبين أعدائهم.
ثم بين - سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير وفيما يشبهها من غزوات، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فى أمره ونهيه، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم، ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم.. فقال - تعالى -: {وَمَآ أَفَآءَ....}.