التفاسير

< >
عرض

قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
١٠٤
وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١٠٥
ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٠٦
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
١٠٧
وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٠٨
وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٠٩
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١١٠
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} البصائر: جمع بصيرة، وهى للقلب بمنزلة البصر للعين، فهى النور الذى يبصر به القلب، كما أن البصر هو النور الذى تبصر به العين.
والمراد بها آيات القرآن ودلائله التى يفرق بها بين الهدى والضلالة. أى: قد جاءكم أيها الناس من ربكم وخالقكم هذا القرآن ودلائله التى يفرق بها بين الهدى والضلالة. أى: قد جاءكم أيها الناس من ربكم وخالقكم هذا القرآن بآياته وحججه وهداياته لكى تميزوا بين الحق والباطل، وتتبعوا الصراط المستقيم.
وإطلاق البصائر على هذه الآيات من إطلاق اسم المسبب على السبب.
وقوله: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} أى: فمن أبصر الحق وعلمه بواسطة تلك البصائر وآمن به فلنفسه أبصر وإياها نفع، ولسعادتها ما قدم من ألوان الخير، ومن عمى عن الحق وجهله بإعراضه عن هذه البصائر فعلى نفسه وحدها جنى وإياها ضرب العمى وهذا كقوله - تعالى -:
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } وقوله: { مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } واختتمت الآية بقوله {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أى: وما أنا عليكم برقيب أحصى عليكم أعمالكم، وأحفظكم من الضلال، وإنما أنا علىَّ البلاغ والله وحده هو الذى يحصى عليكم أعمالكم ويجازيكم عليها بما تستحقون.
وقوله: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أى: وكما فصلنا الآيات الدالة على التوحيد فى هذه السورة تفصيلا بديعا محكما نفصل الآيات ونبينها وننوعها فى كل موطن لتقوم على الجاحدين الحجة، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم.
{وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} يقال درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذلك للحفظ. وأصله من درس الحنطة يدرسها درسا ودراسا إذا داسها، فكأن التالى يدوس الكلام فيخفف على لسانه.
والمعنى: وليقول المشركون فى الرد عليك: إنك يا محمد قد قرأت الكتب على أهل الكتاب وتعلمت منهم، وحفظت عن طريق الدراسة أخبار من مضى، ثم جئتنا بعد كل ذلك تزعم أن ما جئت به من عند الله، وما هو من عند الله.
وقد حكى القرآن فى مواضع كثيرة التهم الباطلة التى وجهها المشركون إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } قال ابن عباس: {وَلِيَقُولُواْ} يعنى: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن {دَرَسْتَ} يعنى: تعلمت من يسار وخير - وكانا عبدين من سبى الروم - ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله.
وقال الفراء: معناه، تعلمت من اليهود لأنهم كانوا معروفين عند أهل مكة بالعلم والمعرفة.
وقرىء (دارست) - بالألف وفتح التاء - أى: دارست غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية كأهل الكتاب، من المدارسة بين الإِثنين، أى: قرأت عليهم وقرءوا عليك.
قال تعالى:
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } وقرىء - أيضاً - (درست) - بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء - أى: وليقولوا مضت وقدمت وتكررت على الأسماع، وقد حكى القرآن أنهم قالوا أساطير الأولين قال - تعالى - { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } وهذه القراءات الثلاث متواترة وهناك قراءات أخرى شاذة لا مجال لذكرها هنا.
وقوله: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أى: ولنبين ونوضح هذا القرآن لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه، فهم المنتفعون به دون سواهم.
فالضمير فى {وَلِنُبَيِّنَهُ} يعود إلى القرآن لكونه معلوما وإن لم يجر له ذكر، وقيل: يعود إلى الآيات لأنها فى معنى القرآن.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين اللامين فى {وَلِيَقُولُواْ} و{َلِنُبَيِّنَهُ}؟ قلت: الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة، وذلك لأن الآيات صرفت للنبيين ولم تصرف ليقولوا درست، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل للنبيين شبه به فسيق مساقه.
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى دعوته دون أن يعول على تعنت المشركين فقال - تعالى - {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}.
أى عليك يا محمد أن تداوم على تبليغ رسالتك، متبعا فى ذلك ما أوحاه إليك ربك الذى لا إله إلا هو من آيات وهدايات، معرضا عن المشركين الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون.
وجملة {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} معترضة لتأكيد إيجاب الاتباع، أو حال مؤكدة لقوله "من ربك" بمعنى: منفرداً فى الألوهية.
ثم هون عليه أمر إعراضهم فقال - تعالى - {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ}. أى: ولو شاء الله عدم إشراكهم لما أشركوا، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لأنه جرت سنته برعاية الاستعدادات.
قال الآلوسى: "وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى - لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه، ولكن بمعنى أنه - تعالى - لا يريده منه لسوء اختياره الناشىء من سوء استعداده".
وقوله {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أى: وما جعلناك عليهم حفيظا يحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم وتجازيهم عليها وما أنت عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم وتتصرف فيها، وإنما أنت وظيفتك التبليغ قال - تعالى -
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ } ) ( { وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } وقال - تعالى - { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } ثم أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، فنهاهم عن سب آلهة المشركين حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال - تعالى - {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.
السب: الشتم الوضيع وذكر مساوىء الغير لمجرد التحقير والإِهانة.
وعدوا: مصدر بمعنى العدوان والظلم والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو مفعول مطلق "لتسبوا". من معناه، لأن السب عدوان، وقيل هو حال من ضمير {يَسُبُّواْ} مؤكدة لمضمون الجملة وكذلك قوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
والمعنى: ولا تسبوا أيها المؤمنون آلهة المشركين الباطلة فيترتب على ذلك أن يسب المشركون معبودكم الحق جهلا منهم وضلالا.
قال الآلوسى: "ومعنى سبهم لله - تعالى - إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره وقد فسر {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بذلك أى: فيسبوا الله - تعالى - بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله - تعالى - وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده - سبحانه - فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له - عز وجل - صراحة ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك، ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظة على التكلم بالكفر! ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام رأى بعض الرافضة يسب الشيخين - أبا بكر وعمر - فغاظه ذلك جداً فسب عليا - كرم الله وجهه - فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا إغاظتهم ولم أر شيئاً يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم".
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه معمر عن قتادة قال: "كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيسب الكفار الله عدوا بغير علم فنزلت".
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: سب الآلهة الباطلة حق وطاعة فكيف صح النهى عنه وإنما يصح النهى عن المعاصى؟ قلت رب طاعة علم أنها تؤدى إلى مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها لأنها معصية لا لأنها طاعة. كالنهى عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدى إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية ووجب النهى عن ذلك كما يجب النهى عن المنكر".
وقال الشيخ القاسمى: "قال ابن الفارس فى الآية: إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن لم يجز أن يسبوا الهتهم ولا دينهم، وهذا أصل فى سد الذرائع".
وقال السيوطى: "وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى وكذا كل مفعول مطلوب ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه".
وقال الحاكم: نهوا عن سب الأصنام لوجهين:
أحدهما: أنها جماد لا ذنب لها.
والثانى: أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله - تعالى -. والذى يجب علينا إنما هو بيان بغضها وأنه لا تجوز عبادتها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وأنها لا تستحق العبادة، وهذا ليس بسب. ولهذا قال أمير المؤمنين على - يوم صفين - "لا تسبوهم ولكن اذكروا قبيح أفعالهم".
وقال بعض العلماء: ووجه النهى عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية، لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله - تعالى - فذلك الذى يتميز به المحق من المبطل، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوى بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه مالا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق. على أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم ويزيد تصلبهم صار منافياً لمراد الله من الدعوة فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم
{ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وأصبح هذا السب متمحضاً للمفسدة وليس مشوباً بمصلحة، وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة، لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض. وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفاً وتحققاً واحتمالا، وكذلك القول فى تعارض المصالح والمفاسد كلها.
وهذه الآية الكريمة ليست منسوخة بآية السيف - كما قيل - وإنما هى محكمة ولذا قال القرطبى: قال العلماء: حكمها باق فى هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر فى منعة وخيف أن يسب الإِسلام أو النبى صلى الله عليه وسلم أو الله - تعالى - فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدى إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية".
وقوله {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}.
التزيين تفعيل من الزين وهو الحسن.
والمعنى: مثل ذلك التزيين الذى حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، زينا لكل أمة من الأمم عملهم، من الخير والشر والإِيمان والكفر، فقد مضت سننا فى أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه، وأن يتعلقوا بما ألفوه.
وقيل: المراد بكل أمة أمم الفكر لأن الكلام فيهم. والمراد بعملهم. شرورهم ومفاسدهم. والمشبه به تزيين سب الله - تعالى - لهم.
أى: كما زينا لهؤلاء المشركين سوء أعمالهم زينا لكل أمة من الأمم الماضية على الضلال عملهم السىء.
قال الآلوسى: "وقد استدل بالآية على أنه - تعالى - هو الذى زين للكافر كفره كما زين للمؤمن إيمانه. وأنكر ذلك المعتزلة فتأولوا الآية بما لا يخفى ضعفه".
وقال صاحب المنار: "فظهر بهذا التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه وليس المراد به أن الله خلق فى قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر، وفى قلوب بعضها الآخر تزيينا للإِيمان والخير خلقا ابتدائياً من غير أن يكون لهم عمل اختيارى نشأ عنه ذلك، إذ لو كان الأمر كما ذكر لكان الإِيمان والكفر والخير والشر من الغرائب الخلقية التى تعد الدعوة إليها والترغيب فيها وما يقابلهما من النهى والترهيب عنها من العبث الذى يتنزه الله عن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجله. وقد غفلت المعتزلة عن هذا التحقيق فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين الله فى قلوبهم الإِيمان، وبعضهم بغير ذلك".
ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أى: ثم إلى ربهم أمورهم ورجوعهم ومصيرهم بعد البعث، فيخبرهم من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه فى الدنيا، ويجازيهم على ذلك بما يستحقونه. وفى هذه الجملة الكريمة تهديد وتوبيخ لأولئك المشركين الذين تجاسروا على مقام الله، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا.
ثم حكى القرآن بعض المقترحات المتعنتة التى كان يقترحها المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
الجهد: الوسع والطاقة من جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها فيه. وهو مصدر فى موضع الحال.
أى: وأقسم أولئك المشركون بالله مجتهدين فى أيمانهم، مؤكدين إياها بأقصى ألوان التأكيد، معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التى اقترحوها عليك يا محمد ليؤمنن بها أنها من عند الله وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك.
وقد لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الرد المفحم لهم فقال: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ}.
أى: قل لهم يا محمد إن هذه الآيات التى اقترحتموها تعنتا وعنادا مردها إلى الله، فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها حسب مشيئته وحكمته، إن شاء أنزلها وإن شاء منعها، أما أنا فليس ذلك إلىَّ.
أخرج ابن جرير - بسنده - عن محمد بن كعب القرظى قال:
" كلم نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له، يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا ضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيى الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا بآية من هذه الآيات حتى نصدقك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى شىء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا، تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال لهم فإن فعلت تصدقونى؟ قالوا نعم. والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل فقال، إن شئت أصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال صلى الله عليه وسلم بل أتركهم حتى يتوب تائبهم، فأنزل الله - تعالى - قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. إلى قوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}" .
وقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} .
أى: وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون فى إنزال هذه الآيات طمعا فى إسلام هؤلاء المشركين أنها إذا جاءت لا يؤمنون أى: إذا جاءت هذه الآيات فأنا أعلم أنهم لا يؤمنون وأنتم لا تعلمون ذلك ولذا توقعتم إيمانهم ورغبتم فى نزول الآيات.
فالخطاب هنا للمؤمنين، والاستفهام فى معنى النفى، وهو إخبار عنهم بعدم العلم وليس للانكار عليهم.
أى: إنكم إيها المؤمنون ليس عندكم شىء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبى الذى لا يعلمه إلا علام الغيوب وهو أنهم لا يؤمنون إن جاءتهم الآيات التى يقترحونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنتا وجهلا.
قال صاحب الكشاف: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وما يدريكم {أَنَّهَآ} أى الآية التى تقترحونها { إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعنى أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون فى إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها، فقال - عز وجل - وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، وقيل: إنها بمعنى "لعل" من قول العرب: ائت السوق أنك تشترى حماراً.
وقال امرؤ القيس.

عوجا على الطلل المحيل لأننانبكى الديار كما بكى ابن خذام

أى: لعلنا نبكى الديار.
وقرىء بكسر "إنها" على أن الكلام قد تم قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم؟ ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: "إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة".
وقوله {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} معطوف على {لاَ يُؤْمِنُونَ} وداخل معه فى حكم {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} مقيد بما قيد به.
أى: وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، كشأنهم فى عدم إيمانهم بما جاءهم أول مرة من آيات. وهدايات على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقترحوا عليه تلك المقترحات الباطلة.
إنكم إيها المؤمنون لا تدرون ذلك ولا تشعرون به لأن علمه عند الله وحده.
قال الآلوسى: "وهذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له، بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية، ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأصالتهم فى الكفر، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشىء من تقليبه - تعالى - مشاعرهم بطريق الإِجبار".
وقوله {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} معطوف على {لاَ يُؤْمِنُونَ}.
والعمه: التردد فى الأمر مع الحيرة فيه، يقال: عمه كفرح ومنع - عمها إذا تردد وتحير.
أى: ونتركهم فى تجاوزهم الحد فى العصيان يترددون متحيرين، لا يعرفون لهم طريقا، ولا يهتدون إلى سبيل.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها كاذبون فى أيمانهم الفاجرة، فقال - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ....}.