التفاسير

< >
عرض

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١١٤
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١١٥
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
١١٦
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ
١١٧
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

روى أن مشركى مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجعل بيننا حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما فى كتابهم من أمرك فنزل قوله - تعالى - {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} الآية.
وقوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} كلام مستأنف على إرادة القول، والهمزة للإِنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام.
والحكم - بفتحتين - هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه، وقالوا: إنه أبلغ من الحاكم "وأدل على الرسوخ، كما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين، أأميل إلى زخارف الشياطين، فأطلب معبودا سوى الله - تعالى - ليحكم بينى وبينكم، ويفصل المحق منها من المبطل.
وأسند صلى الله عليه وسلم الابتغاء لنفسه لا إلى المشركين، لإِظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم: إجعل بيننا وبينك حكما.
و (غير) مفعول لـ {أَبْتَغِي} و {حَكَماً} إما أن يكون حالا لغير أو تمييزا له. وجملة {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} حالية مؤكدة للإِنكار أى: أفغير الله أطلب من يحكم بينى وبينكم، والحال أنه - سبحانه - هو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، أى مبينا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر، وغير ذلك من الأحكام التى أنتم فى حاجة إليها فى دينكم ودنياكم، وأسند الإِنزال إليهم لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه، لأن من نزل الشىء من أجله، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه.
ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على أن القرآن حق فقال: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}.
أى: والذين آتيناهم الكتاب أى التوراة والإِنجيل من اليهود والنصارى يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق. لأنهم يجدون فى كتبهم البشارات التى تبشر بك، ولأن هذ القرآن الذى أنزله الله عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها.
فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند الله، لأن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند الله.
وقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أى: فلا تكونن من الشاكين فى أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق، لأن عدم اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود، وهذا النهى إنما هو زيادة فى التوكيد، وتثبيت لليقين، كى لا يجول فى خاطره طائف من التردد فى هذا اليقين.
قال ابن كثير: وهذا كقوله - تعالى -
{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } قال: وهذا شرط، والشرط لا يقتضى وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أشك ولا أسأل" .
وقيل: الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه فلا ينبغى أن يشك فى ذلك أحد.
وقيل: الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم حاشاه من الشك.
ثم بين - سبحانه - أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين كماله من حيث إضافته إليه - تعالى - بكونه منزلا منه بالحق فقال - تعالى -: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} وقرىء (كلمات ربك).
والمراد بها - كما قال قتادة وغيره - القرآن.
أى: كمل كلامه - تعالى - وهو القرآن، وبلغ الغاية فى صدق أخباره ومواعيده، وفى عدل أحكامه وقضاياه.
وصدقا وعدلا مصدران منصوبان على الحال من {رَبِّكَ} أو من {كَلِمَتُ} وقيل: هما منصوبان على التمييز.
وجملة {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} مستأنفة لبيان فضل هذه الكلمات على غيرها أثر بيان فضلها فى ذاتها. أى: لا مغير لها بخلف فى الأخبار، أو نقض فى الأحكام، أو تحريف أو تبديل كما حدث فى التوراة والإِنجيل، وهذا ضمان من الله - تعالى - لكتابه بالحفظ والصيانة، قال - تعالى -
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ثم ختمت الآية بقوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أى: هو - سبحانه - السميع لكل ما من شأنه أن يسمع، العليم بكل ما يسرون وما يعلنون.
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى جهالات أعدائه فقال - تعالى -: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
أى: وإن تطع أكثر من فى الأرض من الناس الذين استحبوا العمى على الهدى يضلوك عن الطريق المستقيم، وعن الدين القويم الذى شرعه الله لعباده، لأن هؤلاء المجادلين ما يتبعون فى جدالهم وعقائدهم وأعمالهم إلا الظن الذى تزينه لهم أهواؤهم، وما هم ألا يخرصون أى: يكذبون.
وأصل الخرص: القول بالظن. يقال: خرصت النخل خرصاً - من باب قتل - حزرت ثمره وقدرته بالظن والتخمين. واستعمل فى الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة، فيقال: خرص فى قوله - كنصر - أى: كذب.
قال صاحب المنار: "وهذا الحكم القطعى بضلال أكثر أهل الأرض ظاهر بما بيَّنه به من اتباع الظن والخرص ولا سيما فى ذلك العصر - تؤيده تواريخ الأمم كلها، فقد اتفقت على أن أهل الكتاب كانوا قد تركوا هداية أنبيائهم وضلوا ضلالا بعيداً، وكذلك أمم الوثنية التى كانت أبعد عهداً عن هداية رسلهم وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو أمى لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا شيئاً يسيراً من شئون المجاورين لبلاد العرب خاصة".
وقوله - سبحانه - {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تقرير للآية السابقة، وتأكيد لما يفيده مضمونها، أى: إن ربك الذى لا تخفى عليه خافية هو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن يضل عن طريق الحق وهو أعلم منك ومن سائر الخلق - أيضاً - بالمهتدين السالكين صراطه المستقيم، فعليك - أيها العاقل - أن تكون من فريق المهتدين لتسعد كما سعدوا واحذر أن تركن إلى فريق الضالين، فتشقى كما شقوا.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد قررت أن الله وحده هو الحكم العدل، وأن كتابه هو المهيمن على الكتب السابقة، وأن أهل الكتاب يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم، وأنه - سبحانه - قد تكفل بحفظ كتابه من التغيير والتبديل، وأن الطبيعة الغالبة فى البشر هى اتباع الظنون والأهواء، لأن طلب الحق متعب، والكثيرون لا يصبرون على مشقة البحث والتمحيص، والقليلون هم الذين يتبعون اليقين فى أحكامهم، والله وحده هو الذى يعلم الضالين والمهتدين من عباده.
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته وكمال قدرته. وسعة علمه ورد على الشبهات التى أثارها المشركون حول الدعوة الإِسلامية بما يخرس ألسنتهم. وأثبت - سبحانه - أنه هو الحكم الحق، وأن كتابه هو الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن أكثر أهل الأرض يتبعون الظن فى أحكامهم، بعد كل ذلك انتقل القرآن إلى الكلام فى مسألة كثر فيها الجدل بين المسلمين والمشركين، وهى مسألة الذبائح ما ذكر عليه اسم الله منها وما لم يذكر فقال - تعالى -: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ....}.