التفاسير

< >
عرض

لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢٧
وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ
١٢٨
وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٢٩
يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
١٣٠
-الأنعام

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: أن هؤلاء المتذكرين المتقين لهم جنة عرضها السماوات والأرض فى جوار ربهم وكفالته، وهو - سبحانه - {وَلِيُّهُمْ} أى: متولى إيصال الخير إليهم، أو محبهم أو ناصرهم بسبب أعمالهم الصالحة. وسميت الجنة بدار السلام، لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة من جميع المكاره.
قال الجمل: وقوله {عِندَ رَبِّهِمْ} فى المراد بهذه العندية وجوه:
أحدها: أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة كقوله
{ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } وثانيها: أن هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله بالشرف والرتبة لا بالمكان والجهة لتنزهه - تعالى - عنهما.
وثالثهما: هى كقوله - تعالى - فى صفة الملائكة
{ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } وقوله: "أنا عند المنكسر قلوبهم وأنا عند ظن عبدى بى" .
ثم بين - سبحانه - جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة عند ما يقفون أمام ربهم للحساب فقال: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}.
ففى هذه الآيات عرض مؤثر زاخر بالحوار والاعتراف والمناقشة والحكم تحكيه السورة الكريمة وهى تصور مشاهد المجرمين يوم القيامة.
وقوله: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}.
المعشر: الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك بينهم والمراد بالجن شياطينهم ومردتهم.
والمعنى: واذكر يا محمد - أو أيها العاقل - يوم نحشر الضالين والمضلين جميعاً من الإِنس والجن، فنقول للمضلين من الجن: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} أى: قد أكثرتم من إغوائكم الإِنس وإضلالكم إياهم، أو قد أكثرتم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم، وأهل طاعتكم، ووسوستم لهم بالمعاصى حتى غررتموهم وأوردتموهم هذا المصير الأليم.
و"يوم" منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر، أى: اذكر يوم نحشرهم جميعاً. والضمير المنصوب فى "نحشرهم" لمن يحشر من الثقلين. وقيل للكفار الذين تتحدث عنهم هذه الآيات.
ووجه الخطاب إلى معشر الجن، لأنهم هم الأصل فى إضلال أتباعهم من الإِنس، وهم السبب فى صدهم عن السبيل القويم.
والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر منهم من إغواء الغافلين من الإِنس.
وهنا يحكى القرآن رد الضالين من الإِنس على هذا التوبيخ فيقول: {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا}.
أى: وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإِنس يا ربنا، لقد استمتع بعضنا ببعض.
أى: انتفع الإِنس بالجن حيث دلوهم على المفاسد وما يوصل إليها، وانتفع الجن بالإِنس، حيث أطاعوهم واستجابوا لوسوستهم، وخالفوا أمر ربهم.
وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس. أى: فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإِنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة.
وقيل: استمتاع الإِنس بالجن معناه أن الرجل فى الجاهلية كان إذا سافر فنزل بأرض قفر خاف على نفسه من الجن فيقول. أعوذ بسيد هذا الوداى من شر سفهاء قومه، فيبيت فى جوارهم, وأما استمتاع الجن بالإِنس فهو أنهم قالوا. سدنا الإِنس حتى عاذوا بنا، فيزدادون بذلك شرفا فى قومهم وعظما فى أنفسهم.
وقيل: استمتاع الإِنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة، واستمتاع الجن بالإِنس هو طاعة الإِنس لهم فيما يزينون لهم من المعاصى فصاروا كالرؤساء لهم.
والذى نراه. أن استمتاع الجن بالإِنس والإِنس بالجن يتناول كل ذلك، حيث انتفع كل فريق من صاحبه باللذة العاجلة التى أوردته إلى سوء المصير.
وقولهم هذا، هو تحسر منهم على حالهم، إذ قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة للشياطين واتباع الهوى، وتكذيب أمر البعث.
وإنما قال الأتباع من الإِنس هذا القول مع أن الخطاب موجه إلى المتبوعين من شياطين الجن، للإِيذان بأن شياطين الجن قد أفحموا. ولم يستطيعوا أن ينطقوا أو يجيبوا. ثم أتبعوا تحسرهم هذا بتحسر آخر وهو قولهم: "وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا".
أى: ها نحن يا ربنا قد استمتع بعضنا ببعض فى الدنيا عن طريق الشهوات المحرمة. واللذات الفانية القبيحة، وها نحن قد وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذى حددته لنا، وهو يوم القيامة والجزاء. ونحن فى أقبح صورة وأسوأ عيش.
وهنا يأتيهم الرد الحاسم. والحكم النافذ من الله العلى الكبير. حيث يقول - سبحانه - {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}.
مثواكم: الثواء مع الإِقامة مع الاستقرار. يقال: ثوى يثوى ثواء أى: استقر، والثوية مأوى الغنم.
والمعنى: قال الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين المعترفين على أنفسهم بارتكاب الموبقات: النار منزلكم ومحل إقامتكم الدائمة. فأنتم خالدين فيها فى كل وقت إلا فى وقت مشيئة الله بخلاف ذلك، لأن الأمور كلها متروكة إليه، وخاضعة لمشيئته.
والأرجح أن المراد بهذا الاستثناء وبنظائره فى آيات أخر، المبالغة فى الخلود.
أى: أنه لا ينتفى فى وقت ما إلا وقت مشيئته - تعالى - وهو سبحانه لا يشاء ذلك. فقد أخبر فى آيات متعددة من كتابه أن هؤلاء الكفار لا يخرجون من النار أبدا.
وفى إيراد هذا المعنى بتلك الصورة، بلاغ للناس بأن مرد الأمور كلها إلى مشيئة الله، وأن خلود المشركين فى نار جهنم إنما هو بمحض مشيئته، ولو شاء غير ذلك ما خلدوا، وفيه إلى جانب ذلك تنكيل آخر بهؤلاء الأشقياء لأنهم قد صاروا فى حيرة دائمة من أمرهم. تجعلهم مشتتين بين الطمع فى الخروج مما هم فيه، واليأس منه.
وهذا التفسير للجملة الكريمة هو الذى نختاره ونرجحه، وهناك وجوه أخرى فى تفسيرها منها ما ذهب إليه الزمخشرى حيث قال:
وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أى: يخلدون فى عذاب النار الأبد كله إلا الأوقات التى ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير فقد روى أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم، أو أن يكون من قول الموتور - أى المظلوم - الذى ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب أن ينفس عن خناقه. أهلكنى الله إن نفست عنك إلا إذا شئتُ، علم أنه لا يشاء إلى التشفى منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنت والتشديد. فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد لخروجه فى صورة الاستثناء الذى فيه إطماع.
ومنها: ما نقل عن ابن عباس أنه - تعالى - استثنى قوما قد سبق فى علمه أنهم يدخلون فى الإِسلام، وهو مبنى على أن الاستثناء. ليس من المحكى وأن "ما" بمعنى "من".
ومنها: أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت فى وجوههم استهزاء بهم. فهم فيها إلا الوقت الذى يخرجون منها متجهين إلى الجنة حيث تقفل فى وجوههم ليكون ذلك أعظم فى حسرتهم.
ومنها: أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أى: إلا وقت مشيئة الله فناءها وزوال عذابها. وهى مسألة خلافية بين العلماء.
وهناك أقوال أخرى لا مجال لذكرها. والقول الذى نرجحه ونعتمده هو الذى سقناه أولا كما أشرنا إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء؛ ولأنه يتناسب مع ما يليق بذات الله من كمال قدرته. ونفاذ إرادته.
وجملة {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته. أى: إن ربك حكيم فى التعذيب والإِثابة وفى كل أفعاله. عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من جزاء.
ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن والإِنس فيقول: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
ونولى: من الولاية بمعنى القرابة، والنصرة، والمحالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال.
أى: ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإِنس وإضلالهم لما بينهم من التناسب والمشاكلة، نولى بعض الظالمين من الإِنس بعضا آخر منهم بأن نجعلهم يزينون لهم السيئات، ويؤثرون فيهم بالإِغواء. بسبب ما كانوا مستمرين عى اكتسابه من الكفر والمعاصي.
قال الإِمام الرازى: "لأن الجنسية علة الضم" فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها فى الخبث. وكذا القول فى الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله فى النصرة والمعونة والتقوية. ثم قال: "والآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله - تعالى - يسلط عليهم ظالما مثلهم. فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم".
وقال ابن كثير: "معنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإِنس تلك الطائفة التى أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم".
وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم. فقف وانظر فيه متعجبا.
فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا فى حياة الأمم، وهو أن الظالمين من الناس يوالى بعضهم بعضا، ويناصر بعضهم بعضا، بسبب ما بينهم من صلات فى المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التى لا تتمسك بمبدأ العدالة بل تسودها روح الظلم والاعتداء يكون حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم الظالم لا يستطيع البقاء عادة فى مجتمع أفراده تسودهم العدالة والشجاعة فى الحق.
والآية فى الوقت ذاته تهدد الظالمين، وتتوعدهم بسوء المصير إذا لم يقلعوا عن ظلمهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويقيدوا أنفسهم بمبدأ العدالة ورعاية الحق ثم بعد هذا التعقيب بتلك الآية التى بينت طبيعة الأشرار يعود القرآن إلى سؤال الإِنس والجن فيقول: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}؟.
قال الإِمام ابن جرير: وهذا خبر من الله - جل ثناؤه - عما هو قائل يوم القيامة، لهؤلاء العادلين به من مشركى الإِنس والجن، يخبر أنه - تعالى - يقوله لهم: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} يقول: يخبرونكم بما أوحى إليهم من تنبيهى إياكم على مواضع حججى، وتعريفى لكم أدلتى على توحيدى وتصديقى أنبيائى والعمل بأمرى والانتهاء إلى حدودى، {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} يقول: يحذرونكم لقاء عذابى فى يومكم هذا وعقابى على معصيتكم إياى فتنتهوا عن معاصى، وهذا من الله - تعالى - تقريع لهم وتوبيخ على ما سلف منهم فى الدنيا من الفسوق والمعاصى ومعناه، قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة، وينذرونكم وعيد الله، فلم تقبلوا ولم تتذكروا".
وقوله {رُسُلٌ مِّنْكُمْ} استدل به من قال إن الله قد أرسل رسلا من الجن إلى أبناء جنسهم إلا أن جمهور العلماء يخالفون ذلك ويرون أن الرسل جميعا من الإِنس، وإنما قيل: رسل منكم لأنه لما جمع الثقلان فى الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما، كقوله: "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وإنما يخرجان من أحدهما وهو الماء الملح دون العذب".
قال أبو السعود: والمعنى: ألم يأتكم رسل من جملتكم: لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإِنس خاصة، وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب اتباعهم، والإِيذان بتقاربهما ذاتا، واتحادهما تكليفا وخطابا. كأنهما من جنس واحد، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر، وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، وقد ثبت أن الجن استمعوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأنذروا بما سمعوه. أقوامهم، إذ حكى القرآن عنهم أنهم
{ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } وأنهم قالوا لهم: { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً } وقال صاحب المنار، "وجملة القول فى الخلاف أنه ليس فى المسألة نص قطعى، والظواهر التى استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإِنس، لأن الكلام معهم، وليست أقوى من ظاهر ما استدل به من قال إن الرسل من الفريقين. والجن عالم غيبى لا نعرف عنه ألا ما ورد به النص. وقد دل القرآن وكذا السنة على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله - تعالى -".
ثم يحكى القرآن أنهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر فقال: {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} أن الرسل قد بشرونا وأنذرونا، ولم يقصروا فى تبليغنا وإرشادنا.
وقوله - سبحانه - {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أى غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا آخرتهم بدنياهم. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} أى: شهدوا على أنفسهم عندما وقفوا بين يدى الله للحساب فى الآخرة أنهم كانوا كافرين فى الدنيا بما جاءتهم به الرسل.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: ما لهم مقرين فى هذه الآية - على أنفسهم بالكفر - جاحدين فى قوله
{ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } قلت: يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة فتارة يقرون وأخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن على أفواههم. فإن قلت: لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت:
الأولى: حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون.
والثانية: ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة وكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر، والاستسلام لربهم، وإنما قال ذلك تحذيراً للسامعين من مثل حالهم".
هذا، وإنك لتقرأ هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات التى تصور مشهداً من مشاهد يوم القيامة فيخيل إليك أنك أمام مشهد حاضر أمام عينيك ترى فيه الظالمين وحسراتهم، والضالين والمضلين وهم يتبادلون التهم وذلك من إعجاز القرآن الكريم وأنه من عند الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا.
ثم يحدثنا القرآن بعد ذلك عن عدالة الله فى أحكامه، وعن سعة غناه ورحمته، وعن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء مصير الكافرين فيقول: {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ....}.