التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١
قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٢
وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٣
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ
٤
عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً
٥
-التحريم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقد افتتح سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ .... ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - قالت:
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ - والمغافير: صمغ حلو له رائحة كريهة - إنى أجد منك ريح مغافير.
فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه، وقد حلفت، فلا تخبرى بذلك أحدا، فنزلت هذه الآيات"
.
وفى رواية أن التى شرب عندها العسل: حفصة بنت عمر، وأن القائلة له ذلك: سودة بنت زمعة، وصفية بنت حيى.
قالوا: والاشتباه فى الاسم لا يضر، بعد ثبوت أصل القصة.
وأخرج النسائى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله - تعالى - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ.. الآيات..}.
وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب أم إبراهيم مارية، فى بيت بعض نسائه - وفى رواية فى بيت حفصة فقالت: يا رسول الله فى بيتى وعلى فراشى؟ فجعلها أى مارية - عليه حراما، وحلف بهذا.. فأنزل الله هذه الآيات.
قال القرطبى ما ملخصه: "وأصح هذه الأقوال أولها.. والصحيح أن التحريم كان فى العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف أن لا يشربه وأسر ذلك، ونزلت الآية فى الجميع".
وقال الإِمام ابن كثير - بعد أن ساق عددا من الروايات فى هذا الشأن: والصحيح أن ذلك كان فى تحريمه - صلى الله عليه وسلم - للعسل.
وقال الآلوسى: قال النووى فى شرح مسلم: الصحيح أن الآية فى قصة العسل، لا فى قصة مارية المروية فى غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح.
والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش...
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}.
وفى توجيه النداء إليه - صلى الله عليه وسلم - تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد النداء، شىء مهم، بالنسبة له ولسائر المسلمين.
والاستفهام فى قوله - تعالى - {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ..} للنفى المصحوب بالعتاب منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وجملة {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} حال من فاعل {تُحَرِّمُ}، والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتى قبلها، وهى قوله {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}.
والمعنى: يا أيها الرسول الكريم، لماذا حرمت على نفسك ما أحله الله - تعالى - لك من شراب أو غيره؟ أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك؟.
إنه لا ينبغى لك أن تفعل ذلك، لأن ما أباحه الله - تعالى - لك، لا يصح أن تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن تعاطيه، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك.
قال بعض العلماء: "ناداه بلفظ "النبى" إشعارا بأنه الذى نُبئَ بأسرار التحليل والتحريم الإِلهى، والمراد بتحريمه ما أُحِل له، امتناعه منه، وحظره إياه على نفسه.
وهذا المقدار مباح، ليس فى ارتكابه جناح، وإنما قيل له {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} رفقا به، وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه - صلى الله عليه وسلم - أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله - تعالى - به، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه..".
وقوله - سبحانه -: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من وقع هذا اللوم، ومن أثر هذا العتاب، وإرشاد له - صلى الله عليه وسلم - بأن ما فعله داخل تحت مغفرة الله - تعالى - ورحمته.
أى: والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقد غفر لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
وقوله {فَرَضَ} هنا بمعنى شرع، والتحلة: مصدر بمعنى التحليل، والمراد بها الكفارة، وهى مصدر حلّل كالتكرمة مصدر كرْم، من الحل الذى هو ضد العقد.
أى: قد شرع الله - تعالى - لكم تحليل الايمان التى عقدتموها، عن طريق الكفارة، لأن اليمين إذا كانت فى أمر لا يحبه الله - تعالى - فالعدول عنها أولى وأفضل.
وفى الحديث الشريف يقول - صلى الله عليه وسلم -
"إنى والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذى هو خير" .
وقد اختلف العلماء فى التحريم الذى كن من النبى - صلى الله عليه وسلم - أكان بيمين أم لا.
وظاهر الآية يؤيد القول بالإِيجاب لقوله - تعالى -: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة.
وقد جاء فى بعض الروايات الصحيحة أنه قال:
"بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت. لا تخبرى بذلك أحدا.." .
قال الآلوسى ما ملخصه: واختلفوا هل كفر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه هذه أولا؟
فعن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل: أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق رقبة.. ونقل مالك عن زيد بن أسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى الكفارة.
وقوله - سبحانه -: {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أى: وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم. وهو - تعالى -: {ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} أى: العليم بجميع أحوالكم وشئونكم، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده.
والظرف فى قوله - تعالى - {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} متعلق بمحذوف تقديره اذكر، وقوله: {أَسَرَّ} من الإِسرار بالشىء بمعنى كتمانه وعدم إشاعته.
والمراد ببعض أزواجه: حفصة - رضى الله عنها -.
والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء فى بعض الروايات -:
"بل شربت عسلا عند زينب، ولن أعود، وقد حلفت فلا تخبرى بذلك أحدا.." .
أو قوله لها فى شأن مارية: "إنى قد حرمتها على نفسى، فاكتمى ذلك فأخبرت بذلك عائشة" .
أى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى زوجه حفصة حديثا، يتعلق بشربه العسل فى بيت زينب بنت جحش، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحفصة لا تخبرى بذلك أحدا".
{فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أى: فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذى أمرت بكتمانه {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أى: وأطلع الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالته حفصة لعائشة.
فالمراد بالإِظهار: الاطلاع، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب.
وعبر بالإِظهار عن الاطلاع، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ما دار بينهما فى هذا الشأن، فلما أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك كانتا بمنزلة من غلبتا على أمرهما.
وقوله - سبحانه -: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} بيان للمسلك السامى الذى سلكه - صلى الله عليه وسلم - فى معاتبته لحفصة على إفشائها لما أمرها أن تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أى: عرفها بعضه.
أى: فحين خاطب - صلى الله عليه وسلم - حفصة فى شأن الحديث الذى أفشته، اكتفى بالإِشارة إلى جانب منه، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها سابقا. لسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - إذ فى ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإِحراج لها.
قال بعضهم: ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم قط وقال الشاعر:

ليس الغبى بسيد فى قومهلكن سيد قومه المتغابى

وإنما عرفها - صلى الله عليه وسلم - ببعض الحديث، ليوقفها على خطئها وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: ولعل حفصة رضى الله عنها - قد فعلت ذلك، ظنا منها أنه لا حرج فى إخبار عائشة بذلك، أو أنها اجتهدت فأخطأت، ثم تابت وندمت على خطئها.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته حفصة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وما رد به عليها فقال: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}.
أى: فلما سمعت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنه قد أطلع على ما قالته لعائشة، قالت له: من أخبرك بما دار بينى وبينها؟ فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: أخبرنى بذلك الله - تعالى - العليم بجميع أحوال عباده وتصرفاتهم.. الخبير بما تكنه الصدور، وبما يدور فى النفوس من هواجس وخواطر.
وإنما قالت له - صلى الله عليه وسلم -: {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} لتتأكد من أن عائشة لم تخبره - صلى الله عليه وسلم - بما دار بينهما فى هذا الشأن.. فلما قال لها - صلى الله عليه وسلم -: {نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تحقق ظنها فى كتمان عائشة لما قالته لها، وتيقنت أن الذى أخبره بذلك هو الله - عز وجل -.
وفى تذييل الآية الكريمة بقوله: {ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} إشارة حكيمة وتنبيه بليغ، إلى أن من الواجب على كل عاقل، أن يكون ملتزما لكتمان الأسرار التى يؤتمن عليها، وأن إذاعتها - ولو فى أضيق الحدود - لا تخفى على الله - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم، ومحيط بخبايا النفوس وخلجاتها.
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما.
فقال: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
ولفظ {صَغَتْ} بمعنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما. يقال صغا فلان يصغو ويصغى صغوا، إذا مال نحو شىء معين. ويقال: صغت: الشمس، إذا مالت نحو الغروب، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن تتوبا إلى الله، فلتوبتكما موجب أو سبب، فقد مالت قلوبكما عن الحق، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كتمان لسره، ومن حرص على راحته، ومن احترام لكل تصرف من تصرفاته.. وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، مبالغة فى المعاتبة، فإن المبالغ فى ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته مباشرة.
وقال - سبحانه - {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} بصيغة الجمع للقلوب، ولم يقل قلبا كما بالتثنية، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، مع ظهور المراد، وأمن اللبس.
ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى التحذير والتأديب فقال: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}.
وقوله {تَظَاهَرَا} أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمراد بالتظاهر: التعاون والتآزر، يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على ما يريده، وأصله من الظهر، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره، ويقوى أمره,
قال - تعالى -:
{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } وجواب الشرط - أيضا - محذوف - أى: وإن تتعاونا عليه بما يزعجه، ويغضبه، من الإِفراط فى الغيرة، وإفشاء سره. فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذى ينصره عليكما، فإن الله - تعالى - {هُوَ مَوْلاَهُ} أى: ناصره ومعينه {وَجِبْرِيلُ} كذلك ناصره ومعينه عليكما.
{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أى: وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه.
{وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} أى: والملائكة بعد نصر الله - تعالى - له، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون فى صفه ضدكما.
وفى هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسمى ما يتصوره الإِنسان من تكريم الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن غيرته - عز وجل - عليه، ومن دفاعه عنه - صلى الله عليه وسلم -.
وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يكون من صالح المؤمنين.
وقوله: {وَجِبْرِيلُ} مبتدأ، وقوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ} معطوف عليه.
وقوله: {بَعْدَ ذَلِكَ} متعلق بقوله {ظَهِيرٌ} الذى هو خبر عن الجميع.
وقد جاء بلفظ المفرد، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره. فكأنه - تعالى - قال: والجميع بعد ذلك مظاهرون له، واختير الإِفراد للإِشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد فى تأييده ونصرته، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: {بَعْدَ ذَلِكَ} تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله - تعالى - أعظم وأعظم؟
قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته - تعالى - بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته، لفضلهم..".
وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة، للتنويه بمزيد فضله، فهو أمين الوحى، والمبلغ عن الله - تعالى - إلى رسله.
هذا، ومما يدل على أن الخطاب فى قوله - تعالى -: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ}، لحفصة وعائشة، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله - تعالى - فيهما: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
فلما كان ببعض الطريق.. قلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله تعالى - فيهما: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس.. هما حفصة وعائشة.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر، وإلى تهديده لمن تسىء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال - تعالى -: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}.
قال الجمل ما ملخصه: سبب نزولها أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أشاعت حفصة ما أسرها به، اغتم - صلى الله عليه وسلم - وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن.
ولما بلغ عمر - رضى الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد اعتزل نساءه.. قال له يا رسول الله: لا يشق عليك أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك.
قال عمر: وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولى الذى أقوله فنزلت هذه الآية.
فاستأذن عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له فقام على باب المسجد، ونادى بأعلى صوته: لم يطلق النبى - صلى الله عليه وسلم - نساءه.
و {عَسَىٰ} كلمة تستعمل فى الرجاء، والمراد بها هنا التحقيق، لأنها صادرة عن الله - عز وجل -.
قال الآلوسى: {عَسَىٰ} فى كلامه - تعالى - للوجوب، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط وقيل: هى كذلك إلا هنا، والشرط معترض بين اسم {عَسَىٰ} وخبرها.
والجواب محذوف. أى: إن طلقكن فعسى.. و {أَزْوَاجاً} مفعلو ثان لـ {يُبْدِلَ} و {خَيْراً} صفته..
أى: عسى إن طلقكن رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بإذن ربه ومشيئته، أن يبدله - سبحانه - أزواجا خيرا منكن.
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بقوله {مُسْلِمَاتٍ} منقادات ومطيعات لله ولرسوله، ومتصفات بكل الصفات التى أمر بها الإِسلام.
{مُّؤْمِنَاتٍ} أى: مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه.
{قَانِتَاتٍ} أى: قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه.
{تَائِبَاتٍ} أى: مقلعات عن الذنوب والمعاصى، وإذا مسهن شىء منها ندمن وتبن إليه - تعالى - توبة صادقة نصوحا.
{عَابِدَاتٍ} أى: مقبلات على عبادته - تعالى - إقبالا عظيما.
{سَائِحَاتٍ} أى: ذاهبات فى طاعة الله أى مذهب، من ساح الماء: إذا سال فى انحاء متعددة، وقيل معناه: مهاجرات. وقيل: صائمات. تشبيها لهن بالسائح الذى لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده.
{ثَيِّبَاتٍ} جمع ثيب - بوزن سيد - وهى المرأة التى سبق لها الزواج، من ثاب يثوب ثوبا، إذا رجع، وسميت المرأة التى سبق لها الزواج بذلك. لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول.
{وَأَبْكَاراً} جمع بكر، وهى الفتاة العذراء التى لم يسبق لها الزواج، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التى خلقت عليها.
وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله {أَزْوَاجاً}. أو حال.
ولم يعطف بعضها على بعض بالواو، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن.
وعطف - سبحانه - {وَأَبْكَاراً} على ما قبله لتنافى الوصفين، إذ الثيبات لا يوصفن بالأبكار، وكذلك الأبكار لا يوصفن بالثيبات، ولا يجتمع الوصفان فى ذات واحدة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟
قلت: إذا طلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنزول على هداه ورضاه خيرا منهن.
فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها من العاطف، ووسط بين الثبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن، فلم يكن بد من الواو.
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أزواجه، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التى من أبرزها تكريم الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - فى معاملته لأهله، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه، ولا يميل إليه: وتعليم المؤمنين والمؤمنات - فى كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء.
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين، أمرهم فى أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم، حتى ينجو من عذاب النار، وأمرهم فى ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح، ووجه نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم، ثم وجه - سبحانه - نداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهاداً مصحوبا بالغلظة والخشونة.. فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.