التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَاقَّةُ
١
مَا ٱلْحَآقَّةُ
٢
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ
٣
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ
٤
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ
٥
وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
٦
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
٧
فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ
٨
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
٩
فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً
١٠
إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ
١١
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
١٢
-الحاقة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

كلمة "الحاقة" مأخوذة من حق الشئ إذا ثبت وجوده ثبوتا لا يحتمل الشك.. وهى من أسماء الساعة، وسميت الساعة بهذا الاسم لأن الأمور تثبت فيها وتَحِق، خلافا لما كان يزعمه الكافرون من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء.
والهاء فيها يصح أن تكون هاء التأنيث، فيكون لفظ "الحاقة" صفة لموصوف محذوف، أى: الساعة الحاقة.
ويصح أن تكون هاء مصدر، بزنة فاعلة، مثل الكاذبة للكذب والباقية للبقاء، والطاغية للطغيان.
وأصلها تاء المرة، ولكنها لما أريد بها المصدر، قطع النظر عن المرة، وصار لفظ "الحاقة" بمعنى الحق الثابت الوقوع.
ولفظ "الحاقة" مبتدأ، و "ما" مبتدأ ثان، ولفظ الحاقة الثانى، خبر المبتدأ الثانى، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره، خبر المبتدأ الأول.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: {ٱلْحَاقَّةُ. مَا ٱلْحَآقَّةُ} يريد القيامة، سميت بذلك: لأن الأمور تَحُق فيها.
وقيل سميت بذلك، لأنها تكون من غير شك. أو لأنها أحقت لأقوام الجنة، ولأقوام النار، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله، أو لأنها تَحُقُ كل مُحَاق فى دين الله بالباطل. أى: تبطل حجة كل مخاصم فى دين الله بالباطل - يقال: حاقَقْتهُ فحققته فأنا أُحِقُّه، إذا غالبتُه فغلبته.. والتَّحاق التخاصم، والاحتقاق: الاختصام..
و "ما" فى قوله {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم، وهى مبتدأ. وخبرها جملة {أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} وما الثانية وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله {أَدْرَاكَ} لأن أدرى يتعدى لمفعولين، الأول بنفسه والثانى بالباء، كما فى قوله - تعالى -: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}.
وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة، ومن التعظيم لأمرها، فكأنه - تعالى - يقول: يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون، والذى تَحِق فيه الأمور وتثبت. أتدرى أى شئ عظيم هو؟ وكيف تدرى أيها المخاطب؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم، ولا بزمان وقوعه؟
وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم، فإن أهواله فوق ما تتصور، وكيفما قدرت لشدائده: فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت.
ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ "الحاقة" الذى قصد به ترويع المشركين، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق.
كما أن تكرار لفظ "ما" ثلاث مرات، مستعمل - أيضا - فى التهويل والتعظيم، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه، بأن قال {مَا ٱلْحَآقَّةُ} ولم يقل ما هى: يدل أيضا على التهويل. لأن الإِظهار فى مقام الإِضمار يقصد به ذلك، ونظيره قوله - تعالى -:
{ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ } ) ( { وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ } والخطاب فى الآيات الكريمة، لكل من يصلح له، لأن المقصود تنبيه الناس إلى أن الساعة حق. وأن الحساب والجزاء فيها حق، لكى يستعدوا لها بالإِيمان والعمل الصالح.
قال بعض العلماء ما مخلصه: واستعمال "ما أدراك" غير استعمال "ما يدريك".. فقد روى عن ابن عباس أنه قال: كل شئ من القرآن من قوله {وَمَآ أَدْرَاكَ} فقد أدراه، وكل شئ من قوله:
{ وَمَا يُدْرِيكَ } فقد طوى عنه.
فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول "ما أدراك" محقق الوقوع، لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول "ما يدريك" غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإِنكار، وهو فى معنى نفى الدراية.
قال - تعالى - :
{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ } وقال - سبحانه - { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } ثم فصل - سبحانه - أحوال بعض الذين كذبوا بالساعة، وبين ما ترتب على تكذيبهم من عذاب أليم فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ. وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}.
وثمود: هم قوم صالح - عليه السلام -، سموا بذلك باسم جدهم ثمود. وقيل سموا بذلك لقلة المياه التى كانت فى مساكنهم، لأن الثمد هو الماء القليل.
وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام. وما زالت أماكنهم معروفة باسم قرى صالح وتقع بين المملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة العربية السعودية.
وقد ذكرت قصتهم فى سور: الأعراف، وهود، والشعراء، والنمل، والقمر.. إلخ.
وأما عاد فهم قبيلة عاد، وسموا بذلك نسبة إلى جدهم الذى كان يسمى بهذا الاسم، وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حِقف وهو الرمل الكثير المائل.. وينتهى نسب عاد وثمود إلى نوح - عليه السلام -.
والقارعة: اسم فاعل من قرعه، إذا ضربه ضربا شديدا، ومنه قوارع الدهر، أى: شدائده وأهواله، ويقال: قرع فلان البعير، إذا ضربه ومنه قولهم: العبد يقرع بالعصا.
ولفظ القارعة، من أسماء يوم القيامة، وسمى يوم القيامة بذلك، لأنه يقرع القلوب ويزجرها لشدة أهواله: وهو صفة لموصوف محذوف، أى: بالساعة القارعة.
والطاغية من الطغيان وهو تجاوز الحد، والمراد بها هنا الصاعقة أو الصيحة التى أهلكت قوم ثمود، كما قال - تعالى -:
{ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ولفظ الطاغية - أيضا - صفة لموصوف محذوف.
والريح الصرصر العاتية: هى الريح الشديدة التى يكون لها صوت كالصرير، كما قال - تعالى -:
{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ }
والعاتية من العتو بمعنى الشدة والقوة وتجاوز الحد.
أى: كذبت قبيلة ثمود، وقبيلة عاد، بالقيامة التى تقرع القلوب، وتزلزل النفوس، فأما قبيلة "ثمود" فأهلكوا، بالصيحة أو بالصاعقة، أو بالرجفة، التى تجاوزت الحد فى الشدة والهول والطغيان.
وأما قبيلة عاد، فأهلكت بالريح الشديدة، التى لها صوت عظيم، والتى تجاوزت كل حد فى قوتها.
وابتدأ - سبحانه - بذكر ما أصاب هاتين القبيلتين، لأنهما أكثر القبائل المكذبة معرفة لمشركى قريش، لأنهما من القبائل العربية، ومساكنها كانت فى شمال وجنوب الجزيرة العربية.
ثم بين - سبحانه - كيفية نزول العذاب بهم فقال: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً}.
والتسخير: التذليل عن طريق القهر والأمر الذى لا يمكن مخالفته.
وحسوما: من الحَسْم بمعنى التتابع، من حسمت الدابة، إذا تابعت كيها على الداء مرة بعد مرة حتى ينحسم.. أو من الحسم بمعنى القطع، ومنه سمى السيف حساما لأنه يقطع الرءوس، وينهى الحياة.
قال صاحب الكشاف: "والحسوم": لا يخلو من أن يكون جمع حاسم، كشهود وقعود. أو مصدرا كالشكور والكفور، فإن كان جمعا فمعنى قوله {حُسُوماً}: نحسات حسمت كل خير، واستأصلت كل بركة. أو: متتابعة هبوب الرياح، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم، تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم فى إعادة الكى على الداء، كرة بعد كرة حتى ينحسم.
وإن كان مصدراً، فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، أى: تحسم حسوما، بمعنى تستأصل استئصالا، أو يكون صفة كقولك: ذات حسوم..
أى: أرسل الله - تعالى - على هؤلاء المجرمين الريح التى لا يمكنها التخلف عن أمره، فبقيت تستأصل شأفتهم، وتخمد أنفاسهم... {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أى: متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم، ودمرتهم تدميرا.
وقوله: {حُسُوماً} يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام، ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه، أى: تحسمهم حسوما.
ثم صور - سبحانه - هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال: {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}
والخطاب فى قوله {فَتَرَى...} لغير معين. والفاء للتفريع على ما تقدم والضمير فى قوله {فِيهَا} يعود إلى الأيام والليالى. أو إلى مساكنهم.
وقوله: {صَرْعَىٰ} أى: هلكى، جمع صريع كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى.
والأعجاز جمع عَجُز، والمراد بها هنا جذوع النخل التى قطعت رءوسها.
وخاوية: أى: ساقطة، مأخوذ من خوى النجم، إذا سقط للغروب أو من خوى المكان إذا خلا من أهله وسكانه، وصار قاعا صفصفا. بعد أن كان ممتلئا بعُمَّارِه.
أى: أرسل الله - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام، فدمرتهم تدميرا، وصار الرائى ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى، كأنهم فى ضخامة أجسادهم... جذوع نخل ساقطة على الأرض، وقد انفصلت رءوسها عنها.
وعبر - سبحانه - بقوله: {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ..} لاستحضار صورتهم فى الأذهان، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم، وبما حل بهم.
والتشبيه بقوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} المقصود منه تشنيع صورتهم، والتنفير من مصيرهم السَّيِّئ، لأن من كان هذا مصيره، كان جديرا بأن يتحامى، وأن تجتنب أفعاله التى أدت به إلى هذه العاقبة المهينة.
والاستفهام فى قوله: {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} للنفى، والخطاب - أيضا - لكل من يصلح له، وقوله {بَاقِيَةٍ} صفة لموصوف محذوف.. أى: فهل ترى لهم من فرقة أو نفس باقية.
ثم بين - سبحانه - النهاية السيئة لأقوام آخرين فقال: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ. فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً}.
وفرعون: هو الذى قال لقومه - من بين ما قال - أنا ربكم الأعلى ... وقد أرسل الله - تعالى - إليه نبيه موسى - عليه السلام - ولكنه أعرض عن دعوته.. وكانت نهايته الغرق.
والمراد بمن قبله: الأقوام الذين سبقوه فى الكفر، كقوم نوح وإبراهيم - عليهما السلام -.
والمراد بالمؤتفكات: قرى قوم لوط - عليه السلام - التى اقتلعها جبريل - عليه السلام - ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها، مأخوذ من ائتفك الشئ إذا انقلب رأساً على عقب.
قال - تعالى -
{ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ } والمراد بالمؤتفكات هنا: سكانها وهم قوم لوط الذين أتوا بفاحشة ما سبقهم إليها أحد من العالمين.
وخصوا بالذكر، لشهرة جريمتهم وبشاعتها وشناعتها.. ولمرور أهل مكة على قراهم وهم فى طريقهم إلى الشام للتجارة، كما قال - تعالى - :
{ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ. وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أى: وبعد أن أهلكنا أقوام عاد وثمود.. جاء فرعون، وجاء أقوام آخرون قبله، وجاء قوم لوط، وكانوا جميعا كافرين برسلنا، ومعرضين عن دعوة الحق ومرتكبين للفعلات الخاطئة، والفواحش المنكرة.
ومن مظاهر ذلك أنهم {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} أى: كل أمة من أمم الكفر تلك، عصت رسولها حين أمرها بالمعروف، ونهاها عن المنكر.
فكانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصى والفواحش.. أن أخذهم الله - تعالى - {أَخْذَةً رَّابِيَةً} أى: أخذة زائدة فى الشدة - لزيادة قبائحهم - على الأخذات التى أخذ بها غيرهم.
فقوله: {رَّابِيَةً} مأخوذ من ربا الشئ إذا زاد وتضاعف.
وقال - سبحانه - {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} ولم يقل رسولهم، للإِشعار بأنهم لم يكتفوا بمعصية الرسول الذى هو بشر مثلهم، وإنما تجاوزوا ذلك إلى الاستخفاف بما جاءهم به من عند ربهم وخالقهم وموجدهم.
والتعبير بالأخذ، للإِشعار بسرعة الإِهلاك وشدته، فإذا وصف هذا الأخذ بالزيادة عن المألوف، كان المقصود به الزيادة فى الاعتبار والاتعاظ لأن هؤلاء جميعا قد أهلكهم - سبحانه - هلاك الاستئصال، الذى لم يبق منهم باقية.
ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ونعمه على المخاطبين، فقال: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}
وقوله: {طَغَا} من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شئ، والجارية صفة لموصوف محذوف.
أى: اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا، ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم، أغرقناهم بالطوفان، وحين علا الماء واشتد فى ارتفاعه اشتداداً خارقاً للعادة.. حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة الجارية، التى صنعها نوح بأمرنا. وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك السفينة إلى أن انتهى الطوفان.
وقد فعلنا ذلك {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} أى: لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم.
وهذه النعمة والمنة {وَتَعِيَهَآ} وتحفظها {أُذُنٌ وَاعِيَة} أى: أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه، وتعى ما يجب وعيه.
فقوله: {وَاعِيَة} من الوعى بمعنى الحفظ للشئ فى القلب. يقال: وعى فلان الشئ يعيه إذا حفظه أكمل حفظ.
وقال - سبحانه - {حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء، نجاة للأبناء، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء.
قال صاحب الكشاف قوله: {حَمَلْنَاكُمْ} أى: حملنا آباءكم، فى الجارية، أى: فى السفينة الجارية، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم.
{لِنَجْعَلَهَا} الضمير للفعلة: وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة {تَذْكِرَةً} عبرة وعظة. {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه، ولا تضيعه بترك العمل.
فإن قلت: لم قيل: أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت: للإِيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله، فهى السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم، وإن ملأوا الخافقين..
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب.
ثم أخذت السورة فى تفصيل أهوال يوم القيامة، وفى بيان ما تكون عليه الأرض والسماء فى هذا اليوم، وفى بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه بيمينه فى هذا اليوم، فقال - تعالى -:
{فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ...}.