التفاسير

< >
عرض

وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١٦٠
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٦١
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٦٢
-الأعراف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} اى: فرقنا قوم موسى وصيرناهم اثنتى عشرة أمة تتميز كل أمة عن الأخرى.
والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب. والسبط: ولد الولد فهو كالحفيد. وقد يطلق السبط على الولد.
وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولداً هم أولاد يعقوب - عليه السلام - قالوا: والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون اثنتى عشرة حالا من مفعول {قَطَّعْنَاهُمُ} وهو ضمير الغائبين "هم".
ويرى الزمخشرى وغيره أن "قطعناهم" بمعنى صيرناهم وأن {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ} مفعول ثان، وتمييز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم اثنتى عشرة فرقة.
و {أَسْبَاطاً} بدل من ذلك التمييز، و {أُمَماً} بدل بعد بدل من اثنتى عشرة.
والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل، لمشاركتها لها فى كل ما يقصد به من العظات والعبر.
وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}.
الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر. وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى - عليه السلام - ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى التيه.
فعن ابن عباس أنه قال: كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها.
وقيل: كان الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر.
والمعنى: وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاط الحجر فضربه فخرج منه الماء من اثنتى عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التى تؤيد موسى فى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل -.
وقوله {إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر.
وال فى {ٱلْحَجَرَ} لتعريف الجنس، أى: اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - عليه السلام - بوحى من الله - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين فى ذلك آثاراً حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف، ولذا لم نعتد بها.
والذى نرجحه أن "أل" هنا لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإِيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل -.
والفاء فى قوله {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} معطوفة على محذوف والتقدير: فضرب فانبجست..
قال بعضهم: والانبجاس والانفجار واحد. يقال بجست الماء أبجسه فانبجس، بمعنى فجرته فانفجر.
وقيل: إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة، والانفجار خروجه بكثرة.
ولا تنافى بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة
{ فَٱنفَجَرَتْ } وبين قوله هنا {فَٱنبَجَسَتْ} لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه.
وكانت اليعون اثنتى عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر.
وقوله {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا. أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض.
ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ}.
الغمام: جمع غمامة وهى السحابة: وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.
أى: وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس.
وقوله {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} معطوف على ما قبله.
والمن: اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.
والسلوى: اسم جنس جمعى واحدته سلواه، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب.
وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى -:
{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ } أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله عليهم بالغمام فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}.
وقوله {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا ربكم على هذه النعم لكى يزيدكم منها.
وقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} معطوف على محذوف أى: فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، وأن جملة {وَمَا ظَلَمُونَا} معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل.
والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة "كانوا" والفعل المضارع "يظلمون" يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول فى ذم إنسان "كان يسىء إلى الناس" إلا إذا كانت الإِساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى.
قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه: "هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم وما ظلمونا" فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا} أى: ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها. فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل، لنفسه يظلم الظالم، وحظها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل.
وقوله - تعالى - {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}... الخ. تذكير لهم بصفة جليلة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها، وما رعوها حق رعايتها، وهى نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك.
قال الآلوسى: وقوله {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} معمول لفعل محذوف تقديره: اذكر. وإيراد الفعل هنا مبنيا للمفعول جريا على سنن الكبرياء "مع الإِيذان بأن الفاعل غنى عن الصريح. أى: أذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم".
والقرية هى البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها هنا بيت المقدس - على الراجح - وقيل المراد بها أريحاء.
والحطة: كجلسة، اسم للهيئة، من الحط بمعنى الوضع والإِنزال، وأصله إنزال الشىء من علو. يقال: استحطه وزره: سأله أن يحطه عنه وينزله.
وهى خبر مبتدأ محذوف أى: مسألتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات.
والمعنى: واذكروا أيها المعاصرون للعهد النبوى من بنى إسرائيل وقت أن قيل لأسلافكم اسكنوا قرية بيت المقدس بعد خروجهم من التيه، وقيل لهم كذلك كلوا من خيراتها أكلا واسعا، وأسألوا الله أن يحط عنكم ذنوبكم، وادخلوا من بابها خاضعين خاشعين شكرا لله على نعمه، فإنكم إن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطيئاتكم.
وقوله - تعالى - {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها، حيث أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أى مكان شاءوا.
وقوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم عمله نحو خالقهم، وتوجههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم بأيسر الطرق وأسهل السبل لأن كل ما كلفهم الله - تعالى - به أن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم خطيئاتهم، وأن يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله عليهم مخبتين.
وقوله {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ} مجزوم فى جواب الأمر.
وهذه الجملة الكريمة بيان للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم وإغراء لهم على الامتثال والشكر - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء هو غفران الذنوب.
وقوله - تعالى - {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن.
وقد أمر الله - تعالى - أن يفعلوا ذلك، وأن يقولوا هذا القول، لأن تغلبهم على أعدائهم نعمة من أجل النعم التى تستدعى منهم الشكر الجزيل لله - تعالى -. ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع، وأسمى ألوان الشكر عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا وهو خاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح.
ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثمانى ركعات عند أول دخولها شكرا لله، وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى. فقد ثبت أنه صلى بداخله ثمانى ركعات.
ولكن ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح.
لقد حكى القرآن ما كان منهم من جحود وبطر فقال: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُم}.
قال صاحب الكشاف: "أى وضعوا مكان حطة قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف هنا وما أشبه ذلك".
وقال الإِمام ابن كثير: "وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل. فقد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعى رؤوسهم. وأمروا أن يقولوا حطة - أى احطط عنا ذنوبنا - فاستهزأوا وقالوا حنطة فى شعيرة. وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته".
وأخرج البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا. حبة فى شعيرة".
والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة أن من أمره الله - تعالى بقول أو فعل فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله دخل فى زمرة الظالمين، وعرض نفسه لسوء المصير.
وقوله - تعالى - {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله.
والرجز: هو العذاب، سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها.
وفى النص على أن الرجز قد أتاهم من السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه، وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم.
هذا وقد وردت فى سورة البقرة آيتان تشبهان فى ألفاظهما هاتين الآيتين اللتين معنا هنا فى سورة الأعراف، أما آيتا سورة البقرة فهما قوله - تعالى -:
{ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وقد عقد الإِمام الرازى مقارنة بين أسلوب الآيتين فى كل من السورتين فقال ما ملخصه: إن ألفاظ الآيتين فى سورة الأعراف تخالف ألفاظ آيتى سورة البقرة من وجوه:
الأول: أنه قال - سبحانه - فى سورة البقرة:
{ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } وهنا قال: وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية.
الثانى: أنه قال فى سورة البقرة:
{ فَكُلُواْ } بالفاء، وقال هنا {وَكُلُواْ} بالواو.
الثالث: أنه قال فى سورة البقرة:
{ رَغَداً } وهذه الكلمة غير مذكورة هنا.
الرابع: أنه قال فى سورة البقرة:
{ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وقال هنا على التقديم والتأخير.
الخامس: أنه قال فى سورة البقرة:
{ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } وقال ها هنا {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ}.
السادس: أنه قال فى سورة البقرة:
{ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } وها هنا حذف حرف الواو.
السابع: أنه قال فى سورة البقرة:
{ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وقال ها هنا {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ}.
الثامن: أنه قال فى سورة البقرة:
{ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وقال ها هنا {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.
واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة من وجوه.
الأول: وهو أنه قال فى سورة البقرة
{ ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } وقال ها هنا اسكنوا، فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ثم سكناها ثانيا.
الثانى: أنه هناك قال
{ فَكُلُواْ } بالفاء وهنا بالواو. والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، فإنه إنما يكون داخلا فى أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا، إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم أن يحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال: { ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ } وأما السكون فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلا معه لا عقيبه، فظهر الفرق.
وأما الثالث: وأنه ذكر هناك (رَغَداً) ولم يذكره هنا، فالفرق أن الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم، ولما كان الأمر كذلك ذكر كلمة "رغدا" وأما الأكل حال سكون القرية فالظاهر أنه لا يكون فى محل الحاجة الشديدة ولم تكن اللذة فيه متكاملة. فلا جرم ترك قوله (رغدا) فيه.
وأما الرابع: وقو قوله هناك
{ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وهنا على العكس، فالمراد التنبيه على أنه لا منافاة فى ذلك، لأن المقصود هو تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له، فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير.
وأما الخامس: وهو أنه قال هناك
{ خَطَايَاكُمْ } وقال هنا {خَطِيۤئَاتِكُمْ} فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهى مغفورة عند الإِتيان بهذا التضرع والدعاء.
وأما السادس: وهو قوله هناك
{ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالواو، وقال هنا {سَنَزِيدُ} بحذفها، فالفائدة فى حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين: بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل ماذا بعد الغفران فقيل: إنه سيزيد المحسنين.
وأما السابع: وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا، فلأن الإِنزال لا يشعر بالكثرة والإِرسال يشعر بها. فكأنه - سبحانه - بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيراً.
وأما الثامن: فهو الفرق بين قوله هناك
{ يَفْسُقُونَ } وقوله هنا {يَظْلِمُونَ} فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله. فالفائدة فى ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين منهم.
ثم قال: فهذا ما خطر بالبال فى ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله - تعالى -.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، فكانت عاقبتهم أن محقت النعم من بين أيديهم، وسلط الله عليهم عذابا شديدا من عنده بسبب ظلمهم وفسوقهم عن أمره.
وفى ذلك إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوى على ما ضاع من أسلافهم بسبب انتهاكهم لحرمات الله وتحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصابهم من عذاب أليم.
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة أخرى من رذائل بنى إسرائيل الكثيرة، وهى تحايلهم على استحلال محارم الله بسبب جهلهم وجشعهم وضعف إرادتهم.
وذلك أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهدا بأن يتفرغوا لعبادته فى يوم السبت، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام، واختباراً منه - سبحانه - لإِيمانهم ووفائهم بعهودهم أرسل إليهم الحيتان فى يوم السبت دون غيره، فكانت تتراءى لهم على الساحل فى ذلك اليوم، قريبة المأخذ، سهلة الاصطياد.
وهنا سال لعاب شهواتهم ومطامعهم وفكروا فى حيلة لاصطياد هذه الحيتان فى يوم السبت فقالوا: لا مانع من أن نحفر إلى جانب ذلك البحر الذى يزخر بالأسماك فى يوم السبت أحواضا تنساب إليها المياه ومعها الأسماك، ثم نترك هذه الأسماك محبوسة فى الأحواض فى يوم السبت - لأنها لا تستطيع الرجوع إلى البحر لضآلة الماء الذى فى الأحواض. ثم نصطادها بعد ذلك فى غير يوم السبت، وبذلك نجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك.
ولقد نصحهم الناصحون بأن عملهم هذا هو احتيال على محارم الله، وأن حبس الحيتان فى الأحواض هو صيد لها فى المعنى، وهو فسوق عن أمر الله ونقض لعهوده.
ولكنهم لجهلهم واستيلاء المطامع على نفوسهم لم يعبأوا بنصح الناصحين بل نفذوا حيلتهم الشيطانية، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم وموعظة للمتقين.
واستمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذه القصة بأسلوبها البليغ فتقول: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ....}.