التفاسير

< >
عرض

قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ
٨٨
قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ
٨٩
وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ
٩٠
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٩١
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ
٩٢
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ
٩٣
-الأعراف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له رداً على مواعظه لهم: والله لنخرجنك يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضا لكم، ودفعا لفتنتكم المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها. فعليك يا شعيب أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين: الإِخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا.
هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب.
وجملة {قَالَ ٱلْمَلأُ} إلخ. مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم؟ فكان الجواب: قال الملأ ... إلخ.
وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة فى إفهامه أنهم مصممون على تنفيذ ما يريدونه منه ومن أتباعه.
ونسبوا الاخراج إليه أولا وإلى أتباعه ثانيا، للتنبيه على أصالته فى ذلك، وأن الذين معه إنما هم تبع له، فإذا ما خرج هو كان خروج غيره أسهل.
وجملة: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} معطوفة على جملة {لَنُخْرِجَنَّكَ} وهى - أى جملة {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} المقصود الأعظم عندهم، فهؤلاء المستكبرون يهمهم فى المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم وديانتهم إليها ثانية.
والتعبير بقولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} يقتضى أن شعيبا ومن معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها، وهذا محال بالنسبة لشعيب - عليه السلام - فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر فضلا عن الشرك.
وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ما قالوا من باب التغليب، لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم فارقوهم واتبعوا شعيبا، قالوا لهم: إما أن تخرجوا مع نبيكم الذى اتبعتموه وإما أن تعودوا إلى ملتنا التى سبق أن كنتم فيها، فأدرجوا شعيبا معهم فى الأمر بالعودة إلى ملتهم من باب تغلييهم عليه هنا، هذا هو الجواب الذى ارتضاه كثير من العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: كيف خاطبوا شعيبا عليه السلام - بالعود فى الكفر فى قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وكيف أجابهم بقوله: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} والأنبياء - عليهم السلام - لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت: قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} فعطفوا على ضميره الذين دخلوا فى الإِيمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب - عليه السلام - جوابه فقال: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه فى جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.
هذا هو الجواب الذى اختاره الزمخشرى وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها:
1 - أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان فى ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الانكار عليهم.
2 - أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاماً لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب - عليه السلام - كان على طريق المشاكلة.
3 - أن قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيراً ما يرد "عاد" بمعنى "صار" فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا "لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا".
قال الإمام الرازى: تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكره، يريدون: قد صار منه المكر ابتداء.
وقال صاحب الانتصاف: "إنه يسلم استعمال "العود" بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله - تعالى -:
{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } والاخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الاخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشىء فى الإِيمان لم يدخل قط فى ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط فى نور الإِيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإِيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التى خلق الله العبد متيسراً لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإِيمان، إخباراً بالاخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس فى حق الكافر وفائدة اختياره فى هذه المواضع، تحقيق التمكن والاختيار؛ لإِقامة حجة الله على عباده".
هذه بعض الأجوبة التى أجاب بها العلماء على قول شعيب {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ولعل أرجحها هو الرأى الذى اختاره صاحب الكشاف "لبعده عن التكلف، واتساقه مع رد شعيب عليهم". فقد قال لهم:
{أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}. أى: أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة. لا. لن نعود إليها بأى حال من الأحوال. فالهمزة لانكار الوقوع ونفيه، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول فى العقائد اختيارى محض ولا ينفع فيه الاجبار أو الاكراه.
ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا}.
أى: قد اختلقنا على الله - تعالى - أشنع أنواع الكذب إن عدنا فى ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الاشراك به - سبحانه -.
قال صاحب المنار: "وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية، وهو إنشاء فى صور الخبر. فإما أن يكون تأكيداً قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة فى ملتهم، كما يقول القائل: برئت من الذمة إن فعلت كذا، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه فى التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر، وأكد بقد والفعل الماضى، والمعنى ما أعظم افتراءنا على الله - تعالى - إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا إلى صراطه المستقيم".
ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود فى ملتكم الباطلة فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلى فى حال أو فى وقت مشيئة الله - المتصرف فى جميع الشئون - عودتنا إليها، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هى الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب، الذى وسع علمه كل شىء.
وهذا اللون من الأدب العالى، حكاه القرآن عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم، فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبداً، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى الله تأدباً معه، فلا يجزم بمشيئته هو، بل يترك الأمر لله، فقد يكون فى علمه سبحانه ما يخفى على البشر، مما تقتضيه حكمته وإرادته.
قال صاحب الانتصاف: "وموقع قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز فى قدرة الله أن يقع من العبد: ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم، ونظيره قول إبراهيم - عليه السلام -
{ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } لما رد الأمر إلى المشيئة وهى مغيبة، مجد الله - تعالى - بالانفراد بعلم الغائبات".
ثم يترك شعيب - عليه السلام - قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتوجه إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}.
أى: على الله وحده وكلنا أمرنا، فهو الذى يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا بالحق وأنت خير الحكامين، لخلو حكمك عن الجور والحيف.
فقوله: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} إظهار للعجز من جانب شعيب، وأنه فى مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده، ولا يأوى إلا إلى ركنه المكين، وحصنه الحصين. والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها.
وقوله: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا} إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن تبين لهم عنادهم وسفههم، وإقبال على الله - تعالى - بالتضرع والدعاء.
والفتح: أصله إزالة الأغلاق عن الشىء، واستعمل فى الحكم، لما فيه من إزالة الاشكال فى الأمر. ومنه قيل للحاكم: فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق، وقيل للحكومة: الفتاحة - بضم الفاء وكسرها.
أخرج البيهقى عن ابن عباس قال: ما كنت أدرى قوله - تعالى - {رَبَّنَا ٱفْتَحْ} حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام: تعال أفاتحك، تريد أقاضيك وأحاكمك.
وقوله: {بِٱلْحَقِّ} بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة.
والخلاصة أنك إذا تأملت فى رد شعيب - عليه السلام - على ما قاله المستكبرون من قومه، تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان، فهو يرد على وعيدهم وتهديدهم بالرفض التام لما يبغون، والبغض السافر لما يريدونه منه، ثم يكل الأمور كلها إلى الله، مظهرا الاعتماد عليه وحده، ثم يتجه إليه - سبحانه - بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذى مضت به سنته فى التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر المحقين والمبطلين.
وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم، فأخذوا يحذرون الناس من السير فى طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}.
أى: قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} لشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادى. لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف فى الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم.
وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإِيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة، وتقاليدهم التى ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فهم لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله - تعالى - فيما سبق: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ}. وليس رداً على شعيب، لأنه لو كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن, وذلك لكى يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم.
وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: أين جواب القسم الذى وطأته اللام فى قوله: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ} وجواب الشرط؟ قلت: قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} ساد مسد الجوابين".
وبعد هذه المحاورات والمجادلات التى دارت بين شعيب وقومه، جاءت الخاتمة التى حكاها القرآن فى قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. أى: فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا فى دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم.
قال ابن كثير ما ملخصه: "أخبر - سبحانه - هنا بأنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم فى سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة، والمناسبة هناك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا به فى قولهم:
{ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ } فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال فى سورة الشعراء: { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } وما ذاك إلا لأنهم قالوا له فى سياق القصة { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فأخبر - سبحانه - أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة. وهى سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام".
ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم: إن من يتبع شعيبا خاسر، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه، فيقول: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ}.
أى: الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالاخراج من قريتهم، كأنهم عندما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا فى ديارهم ناعمى البال، يظلهم العيش الرغيد، والغنى الظاهر.
يقال: غنى بالمكان يغنى، أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد.
والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} فكأن سائلا، قال: فكيف كان مصيرهم؟ فكان الجواب: الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها، ولم يعيشوا فيها مطلقا، لأنه متى انقضى الشىء صار كأنه لم يكن.
والاسم الموصول {ٱلَّذِينَ} مبتدأ، وخبره جملة {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا}.
ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير، وللإِيذان بأن ما ذكر فى حيز الصلة هو الذى استوجب العقوبتين فقال: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ}.
أى: الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا، وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون.
وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا، وقد صرح بإنجائه فى سورة هود فقال:
{ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } قال صاحب الكشاف: "وفى هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة فى رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم".
وأخيراً تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والاهمال من رسولهم وأخيهم فى النسب فتقول: {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ}.
الأسى: الحزن. وحقيقته اتباع الفائت بالغم. يقال: أسيت عليه - أساً، أى: حزنت عليه.
والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال مقرعا إياهم يا قوم: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} التى أرسلنى بها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بما فيه إصلاحكم وهدايتكم "فكيف أحزن على قوم كافرين" بذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم، ولكنهم كرهوا النصح، واستحبوا العمى على الهدى.
لا، لن آسى عليهم. ولن أحزن من أجل هلاكهم، لأنهم لا يستحقون ذلك.
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصص نوح وهود، وصالح، ولوط، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وسنراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل.
ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت فى حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام التسلسل التاريخى، وذلك لأهداف من أهمها:
1 - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل، وأقوى الحجج، وخير البراهين ومختلف وجوه الارشاد، لكى يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه.
2 - تصوير وحدة طبيعة الإِيمان ووحدة طبيعة الكفر فى نفوس الناس على مدار التاريخ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله، ويتأسون به فى كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولا من البشر، ويأبون بدافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم، ويلقون التهم جزافا لكى يصرفوا الناس عنه.
وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه فى إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن تقبلها للخير. بينما نفوس الكافرين تتشابه - أيضاً - فى ظلامها وقسوتها وفجورها وسوء تقبلها للهداية.
3 - بيان العاقبة الطيبة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم وعملهم الطيب، والعاقبة السيئة التى حاقت بالكافرين المستكبرين، بسبب إعراضهم عن الحق، واستهزائهم بأصحابه،
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى السورة الكريمة فى سرد هداياتها، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التى لا تتغير ولا تتبدل، لعل قلوبهم ترق، ونفوسهم تتذكر، وعقولهم تعى.
وكأن السورة الكريمة تقول للناس: لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين. وقصصت عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار، وكيف كانت عاقبة الأشرار، فاجتهدوا فى طاعة الله، وسيروا فى طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه يمهل ولا يهمل، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون، وأن يفتح أبواب خيراته وبركاته لمن آمن به واتقاه، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه.
واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ....}.