التفاسير

< >
عرض

قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً
٢١
وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً
٢٢
وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
٢٣
وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً
٢٤
مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً
٢٥
وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً
٢٦
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً
٢٧
رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً
٢٨
-نوح

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - سبحانه -: {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ..} كلام مستأنف. لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره: ماذا كانت عاقبة قوم نوح بعد أن نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة؟ فكان الجواب: {قَالَ نُوحٌ} - عليه السلام - بعد أن طال نصحه لقومه، وبعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبعد أن يئس من إيمانهم وبعد أن أخبره - سبحانه - أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.
{قَالَ} متضرعا إلى ربه {رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} أى: إن قومى قد عصونى وخالفوا أمرى، وكرهوا صحبتى، وأصروا واستكبروا استكبارا عظيما فى دعوتى.
{وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً} أى: إنهم أصروا على معصيتى، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى، اتبعوا غيرى.. اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد الذين لم تزدهم النعم التى أنعمت بها عليهم إلا خسرانا وجحودا، وضلالا فى الدنيا، وعقوبة فى الآخرة.
فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا: أولئك الكبراء والزعماء الذين رزقهم الله المال والولد، ولكنهم استعملوا نعمه فى معصيته لا فى طاعته.
وقوله: {وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} صفة أخرى من صفاتهم الذميمة، وهو معطوف على صلة "مَن" والجمع باعتبار معناها، كما أن الإِفراد فى الضمائر السابقة باعتبار اللفظ.
والمكر: هو التدبير فى خفاء لإِنزال السوء بالممكور به.
أى: أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك فى الشر، لم يكتفوا بتحريض أتباعهم على معصيتى، بل مكروا بى وبالمؤمنين مكرا قد بلغ النهاية فى الضخامة والعظم.
فقوله: {كُبَّاراً} مبالغة فى الكبر والعظم. أى: مكرا كبيرا جدا لا تحيط بحجمه العبارة.
وكان من مظاهر مكرهم: تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح - عليه السلام - وبأتباعه - وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق، وأن نوحا ومن معه على الباطل.
وكان من مظاهر مكرهم - أيضا - ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم فى قوله: {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}.
أى: ومن مظاهر مكر هؤلاء الرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم. احذروا أن تتركوا عبادة آلهتكم، التى وجدتم على عبادتها آباءكم، واحذروا أيضا أن تتركوا عبادة هذه الأصنام الخمسة بصفة خاصة، وهى: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وهذه أسماء أصنامهم التى كانوا يعبدونها من دون الله. فقد روى البخارى عن ابن عباس: صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد، أما "ود" فكانت لقبيلة بنى كلب بدومة الجندل. وأما "سواع" فكانت لهذيل، وأما "يغوث" فكانت لبنى غطيف، وأما "يعوق" فكانت لهمدان، وأما "نسر" فكانت لحمير.
وهى أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون عليها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا.
وقال ابن جرير: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدرون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر. فعبدوهم.
وقوله - تعالى -: {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً} معمول لقول مقدر، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة.
أى: قال نوح مناجيا ربه بعد أن يئس من إيمان قومه: يا رب، إن قومى قد عصونى، وإنهم قد اتبعوا رؤساءهم المغرورين، وإن هؤلاء الرؤساء قد مكروا بى وبأتباعى مكراً عظيما، ومن مظاهر مكرهم أنهم حرضوا السفهاء على العكوف على عبادة أصنامهم.. وأنهم قد أضلوا خلقا كثيرا بأن حببوهم فى الكفر وكرهوا إليهم الإِيمان.
وقال نوح - أيضا - وأسألك يا رب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا على ضلالهم، فأنت الذى أخبرتنى بأنه
"لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ" ). وإذاً فدعاء نوح - عليه السلام - عليهم بالازدياد من الضلال الذى هو ضد الهدى، وإنما كان بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخبره ربه أنهم لن يؤمنوا.
قال صاحب الكشاف: قوله: {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} الضمير للرؤساء، ومعناه: وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام.. ويجوز أن يكون الضمير للأصنام، كقوله - تعالى -
{ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرا مِنَ ٱلنَّاسِ } .
فإن قلت: علام عطف قوله: {وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً}؟ قلت: على قوله {رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} على حكاية كلام نوح.. ومعناه: قال رب إنهم عصون، وقال: ولا تزد الظالمين إلا ضلالا.
فإن قلت: كيف جاز أن يريد لهم الضلال، ويدعو الله بزيادته؟ قلت: لتصميمهم على الكفر، ووقوع اليأس من إيمانهم.. ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع والهلاك..
وقوله - سبحانه -: {مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} كلام معترض بين ضراعات نوح إلى ربه، والمقصود به التعجيل ببيان سوء عاقبتهم، والتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه.
و "من" فى قوله {مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ} للتعليل، و "ما" مزيدة لتأكيد هذا التعليل.
والخطيئات جمع خطيئة، والمراد بها هنا: الإِشراك به - تعالى - وتكذيب نوح - عليه السلام - والسخرية منه ومن المؤمنين.
أى: بسبب خطيئاتهم الشنيعة، وليس بسبب آخر {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} يصلون سعيرها فى قبورهم إلى يوم الدين، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وهم عندما نزل بهم الطوفان الذى أهلكهم، وعندما ينزل بهم عذاب الله فى الآخرة. لن يجدوا أحدا ينصرهم ويدفع عنهم عذابه - تعالى - لامن الأصنام التى تواصوا فيما بينهم بالعكوف على عبادتها، ولا من غير هذه الأصنام.
فالآية الكريمة تعريض بمشركى قريش، الذين يزعمون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة، والذين حكى القرآن عنهم قولهم:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } والتعبير بالفاء فى قوله: {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} للإشعار بأن دخولهم النار كان فى أعقاب غرقهم بدون مهلة، وبأن صراخهم وعويلهم كان بعد نزول العذاب بهم مباشرة، إلا أنهم لم يجدوا أحدا، يدفع عنهم شيئا من هذا العذاب الأليم.
ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما ناجى نوح به ربه، فقالت: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}.
أى: وقال نوح متابعا حديثه مع ربه، ومناجاته له: يا رب، لا تترك على الأرض من هؤلاء الكافرين {دَيَّاراً} أى واحدا يسكن دارا، أو واحدا منهم يدور فى الأرض ويتحرك عليها، بل خذهم جميعا أخذ عزيز مقتدر.
فقوله {دَيَّاراً} مأخوذ من الدار، أو الدوران، وهو التحرك، والمقصود: لا تذر منهم أحد أصلا، بل اقطع دابرهم جميعا.
قالوا: والديار من الأسماء التى لا تستعمل إلا فى النفى العام. يقال: ما بالدارديار. أى: ليس بها أحد ألبتة، وهو اسم بزنة فَيْعَال.
وقوله {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ} تعليل لدعائه عليهم جميعا بالهلاك. أى: يا رب لا تترك منهم أحدا سالما، بل أهلكهم جميعا لأنك إن تترك منهم أحدا على أرضك بدون إهلاك، فإن هؤلاء المتروكين من دأبهم - كما رأيت منهم زمانا طويلا - إضلال عبادك عن طريق الحق.
وقوله: {وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} زيادة فى ذمهم وفى التشنيع عليهم.
والفاجر: هو المتصف بالفجور، والملازم له ملازمة شديدة، والفجور: هو الفعل البالغ للنهاية فى الفساد والقبح.
والكَفار: هو المبالغ فى الكفر، والجحود لنعم الله - تعالى -.
أى: إنك يا إلهى إن تتركهم بدون إهلاك، يضلوا عبادك عن كل خير، وهم فوق ذلك، لن يلدوا إلا من هو مثلهم فى الفجور والكفران لأنهم قد نشَّأوا أولادهم على كراهية الحق، وعلى محبة الباطل.
قال الجمل: فإن قيل: كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون؟ أجيب: بأنه لبث فيهم ألف سنة إلأ خمسين عاماً، فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه ويقول له: احذر هذا - أى نوحا - فإنه كذاب، وإن أبى حذرنى منه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير على ذلك.
وعلى أية حال فالذى نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما دعا عليهم بهذا الدعاء، وما قال فى شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى العزم من الرسل - إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وإلا بعد أن أخبره ربه: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وإلا بعد أن رأى منهم - بعد ألف سنة إلا خمسين عاما عاشها معها - أنهم قوم قد استحبوا العمى على الهدى، وأن الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء فى الكفر والفجور.. وإلى جانب دعاء نوح - عليه السلام - على الكافرين بالهلاك الساحق.. نراه يختتم دعاءه بالمغفرة والرحمة للمؤمنين، فيقول: {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}.
أى: يا رب أسألك أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى - أيضا - ذنوبهما، ويفهم من هذا الدعاء أنهما كانا مؤمنين، وإلا لما دعا لهما بهذا الدعاء.
{وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً} واغفر يا إلهى لكل من دخل بيتى وهو متصف بصفة الإِيمان، فيخرج بذلك من دخله وهو كافر كامرأته وابنه الذى غرق مع المغرقين.
{وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أى: واغفر يا رب ذنوب المؤمنين والمؤمنات بك إلى يوم القيامة.
{وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} أى: ولا تزد الظالمين إلا هلاكا وخسارا ودمارا. يقال تبره يتبره، إذا أهلكه. ويتعدى بالتضعيف فيقال: تبره الله تتبيرا، ومنه قوله - تعالى -:
{ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } وهكذا اختتمت السورة الكريمة بهذا الدعاء الذى فيه طلب المغفرة للمؤمنين، والهلاك للكافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.