التفاسير

< >
عرض

وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً
١٦
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً
١٧
وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
١٨
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
١٩
قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
٢٠
قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً
٢١
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً
٢٢
إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً
٢٣
حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً
٢٤
قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً
٢٥
عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً
٢٦
إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
٢٧
لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
٢٨
-الجن

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله سبحانه: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً..} معطوف على قوله - تعالى -: { أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ.. } فهو من جملة الموحى به، وهو من كلام الله - تعالى - لبيان سنة من سننه فى خلقه، واسم "أن" المخففة ضمير الشأن, والخبر قوله، {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُوا..} والضمير يعود على القاسطين سواء أكانوا من الإِنس أم من الجن.
والماء الغدق: هو الماء الكثير، يقال: غَدِقَتْ عين فلان غَدَقاً - كفرح - إذا كثر دمعها فهى غدقة، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير، والمراد: لأعطيناهم نعما كثيرة.
أى: ولو أن هؤلاء العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى، التى هى طريق الإِسلام، والتزموا بما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه..
لو أنهم فعلوا ذلك، لفتحنا عليهم أبواب الرزق، ولأعطيناهم من بركاتنا وخيراتنا الكثير.. وخص الماء الغدق بالذكر، لأنه أصل المعاش والسعة.
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -:
{ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } وقوله - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ... } وقوله - تعالى - { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: اختبرته لتعرف مقدار جودته.
والمعنى: نعطيهم ما نعطيهم من خيراتنا، لنختبرهم ونمتحنهم، ليظهر للخلائق موقفهم من هذه النعم، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم..؟.
والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}.
وقوله: {يَسْلُكْهُ} من السلك بمعنى إدخال الشئ فى الشئ ومنه قوله - تعالى -:
{ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } والصَّعَد: الشاق. يقال: فلان فى صَعَد من أمره، أى: فى مشقة وتعب، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا.
أى: ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته.. يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق أليم، لا مفر منه، ولا مهرب له عنه.
ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين، أن الاستقامة على أمر الله، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة، وأن رخاء العيش وشظافته هما لون من ألوان الابتلاء والاختبار، كما قال - تعالى -:
{ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } وأن الإِعراض عن ذكر الله... عاقبته الخسران المبين، والعذاب الأليم.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أى لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة فمعنى {لأَسْقَيْنَاهُم} لوسعنا عليهم فى الدنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله، بالمطر يكون، فأقيم مقامه.
وفى صحيح مسلم، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: بركات الأرض.." .
وقال صلى الله عليه وسلم: "والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" .
ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات، يجب أن تنسب إلى الله - تعالى - وحده، فقال: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً}.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك:
{ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ } والمساجد: جمع مسجد، وهو المكان المعد لإِقامة الصلاة والعبادة فيه. واللام فى قوله {لله}، للاستحقاق.
أى: وأوحى إلىَّ - أيضا - أن المساجد التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من الأصنام، أو طاغوت من الطواغيت.
قال الإِمام ابن كثير: قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين، أن يوحدوه وحده.
وقال سعيد بن جبير: نزلت فى أعضاء السجود: أى: هى لله فلا تسجدوا بها لغيره.. وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين.
ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا الأماكن المعدة للصلاة والعبادة، لأن هذا هو المتبادر من معنى الآية، وأن المقصود بها توبيخ المشركين الذين وضعوا الأنصاب والأصنام، فى المسجد الحرام وأشركوها فى العبادة مع الله - تعالى -.
وأضاف - سبحانه - المساجد إليه، على سبيل التشريف والتكريم وقد تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب، وفى الحديث الشريف:
"الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره، إلا المسجد الحرام" .
ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن، عندما استمعوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة فقال: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً}
أى: وأوحى الله - تعالى - فيما أوحى من شأن الجن، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوه} أى: يدعو الله - تعالى - ويعبده فى الصلاة، {كَادُواْ} أى: الجن {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أى: كادوا من شدة التزاحم عليه، والتكتل حوله..يكونون كاللبد، أى: كالشئ الذى تلبد بعضه فوق بعض. ولفظ "لِبَدا" جمع لِبْدَة، وهى الجماعة المتزاحمة، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم فى رقبته.
ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر، إذ مقتضى الظاهر أن يقال: وأنه لما قمت تدعو الله .. أو لما قمتُ أدعو الله .. تكريما للنبى صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه "عبد الله" لما فى هذه الإِضافة من التشريف والتكريم.
والجن: إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن.. تعجبا مما شاهدوه من صلاته، ومن حسن قراءته، ومن كمال اقتداء أصحابه، قياما، وركوعا، وسجودا.. ومنهم من يرى أن الضمير فى "كادوا" يعود لكفار قريش، فيكون المعنى: وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه.. كادوا من تزاحمهم عليه، يكونون كاللبد، لا لكى ينتفعوا بما يسمعون، ولكن لكى يطفئوا نور الله بأفواههم، والحال أن الله - تعالى - قد رد كيدهم فى نحورهم، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
قال صاحب الكشاف: "عبد الله" هو النبى صلى الله عليه وسلم، فإن قلت: هلا قيل: رسول الله أو النبى؟ قلت: لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعا فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، جئ به على ما يقتضيه التواضع والتذلل، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا.
ومعنى "قام يدعوه": قام يعبده. يريد: قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته، وتزاحموا عليه.
وقيل معناه: لما قام رسول يعبد الله وحده، مخالفا المشركين فى عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته، يزدحمون عليه متراكمين..
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى "كادوا" على مؤمنى الجن أرجح، لأن هذا هو الموافق لإِعجابهم بالقرآن الذى سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات، حيث ن الحديث عنهم، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد التفوا حول النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعوا يقرأ القرآن.
ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام: هم الجن حين استمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه..
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن لجميع من أرسل إليهم، أنه لا يعبد أحدا سواه - عز وجل - فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً}.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإِنس: إنى أعبد ربى وحده، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب، ولا أشرك معه أحدا فى عبادتى أو صلاتى أو نسكى..
وقل لهم، كذلك: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أى: لا أملك ما يضركم {وَلاَ رَشَداً} أى: ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - تعالى - وحده.
وقل لهم للمرة الثالثة: {إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ} أى: إنى لن يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادنى بسوء.
{وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أى: ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه. يقال: التحد فلان إلى كذا، أى: مال إليه.
فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى الله عليه وسلم عن شئون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره.
وقوله - سبحانه -: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ...} استثناء من مفعول {لاَ أَمْلِكُ}، وهما قوله قبل ذلك: {ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة. أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى أملكه هو تبليغ رسالات ربى إليكم، بأمانة واجتهاد.
والبلاغ: مصدر بلَّغ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول، مثل: "هذا خلق الله"، و "من" ابتدائية صفة لقوله: "بلاغا" أى: بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره. والرسالات: جمع رسالة، وهى ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا: تبليغ ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه للناس.
قال الآلوسى ما ملخصه وقوله: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ...} استثناء من مفعول لا أملك.. وما بينهما اعتراض.. فإن كان المعنى: لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم، كان استثناء متصلا، كأنه قيل: لا أملك شيئا إلا بلاغا، وإن كان المعنى: لا أملك أن أقسركم على الغى والرشد، كان منقطعا، أو من باب: لا عيب فيهم غير أن سيوفنا.. أى: أنه من أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده، وقوله {وَرِسَالاَتِهِ} عطف على قوله {بَلاَغاً} وقوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفه له. أى: بلاغا كائنا من الله..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمرا به، أو نهيا عنه.
{فَإِنَّ لَهُ} أى: لهذا العاصى {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أى: فحكمه أن له نار جهنم، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى "مَن"، كما أن الإِفراد فى قوله {فَإِنَّ لَهُ} باعتبار لفظها.
وقوله: "أبدا" مؤكد لمعنى الخلود. أى: خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له.
وقوله - سبحانه -: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين، فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا:
{ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } )، ( { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } وقالوا: { مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } و {حتى} هنا حرف ابتداء، وهى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، وهو سخرية الكافرين من المؤمنين. و {إذا} اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط، وهى فى محل نصب بجوابه الذى هو قوله {فَسَيَعْلَمُونَ}.
والمعنى: أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود.. حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب فى الدنيا والآخرة {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذ من هو أضعف جندا وأقل عددا، أهم المؤمنون - كما يزعم هؤلاء الكافرون -؟ أم أن الأمر سيكون على العكس؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس، وهو أن الكافرين فى هذا اليوم سيكونون فى غاية الضعف والذلة والهوان.
وجئ بالجملة التى أضيف إليها لفظ "إذا" فعلا ماضيا، للتنبيه على تحقق الوقوع. والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين، وتلاشى آمالهم.. فإنهم فى هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم، لأنهم مهما كثر عددهم، فهم مغلوبون.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله للمرة الرابعة، أن يعلن للناس أن هذا اليوم الذى يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا هو، فقال - تعالى - : {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً...}.
أى: وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنا آت لا ريب فيه، وعذاب الله لكم آت - أيضا - لا ريب فيه، ولكنى لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ذلك فى الوقت العاجل القريب، أم يجعل الله - تعالى - لذلك "أمدا" أى: غاية ومدة معينة من الزمان، لا يعلم وقتها إلا هو - سبحانه -.
والمقصود من الآية الكريمة: بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد يكون بعد وقت قريب، وقد يكون بعد وقت بعيد، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى الله - تعالى - وحده.
وقوله - تعالى - بعد ذلك: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} تعليل لما قبله. أى: أنا لا أدرى متى يكون عذابكم - أيها الكافرون - لأن مرد علم ذلك إلى الله - تعالى - الذى هو عليم بكل شئ من الظواهر والبواطن، والذى اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه، وعلى ما استتر وخفى من أمور خلقه.
وقوله: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} استثناء من النفى فى قوله: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً}.
أى: هو - سبحانه - عالم الغيب، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه، إلا الرسول الذى ارتضاه واختاره من خلقه، فإنه - سبحانه - قد يطلعه على بعض غيوبه، ليكون ذلك معجزة له، دالة على صدقه أمام قومه.
فإذا ما أراد - سبحانه - إطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض غيوبه، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه - سبحانه - إلى رسله - بكل أمانة وصيانة.
ومعنى {مَنِ ٱرْتَضَىٰ...}: من اختار واصطفى واجتبى، وعبر عن ذلك بقوله {مَنِ ٱرْتَضَىٰ}، للإِشعار بأنه - سبحانه - يخص هؤلاء الذين رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه، على سبيل التأييد والتكريم لهم.
و "من" فى قوله {مِن رَّسُولٍ} للبيان. والمراد بالرسول هنا: ما يشمل كل رسول اختاره - سبحانه - لحمل رسالته، سواء أكان من البشر أم من الملائكة.
والضمير فى قوله - تعالى - {فَإِنَّهُ} و{يَسْلُكُ} يعودان على الله - عز وجل - وأطلق السلك على إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى، للإِشعار بأن هذا الخبر الذى أطلع الله - تعالى - رسوله عليه، قد وصل إليه وصولا مؤكدا، ومحفوظا من كل تحريف، كما يدخل الشئ فى الشئ دخولا تاما بقوة وضبط، إذ حقيقة السلك. إدخال الشئ فى الشئ بشدة وعناية..
والمراد بقوله: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} جميع الجهات، وعبر عن جميع الجهات بذلك، لأن معظم ما يتعرض له الإِنسان يكون من هاتين الجهتين.
والرصد: جمع راصد، وهو ما يحفظ الشئ، ويصونه من كل ما لا يريده، أى: إلا من ارتضى - سبحانه - من رسول، فإنه - عز وجل - يطلعه على ما يشاؤه من غيوبه، ويجعل له حراسا من جميع جوانبه، يحفظونه من كل سوء.
قال الآلوسى: قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ..} أى: لكن الرسول المرتضى بظهره - جل وعلا - على بعض الغيوب المتعلقة برسالته.. إما لكون بعض هذه الغيوب من مباديها، بأن يكون معجزة، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية، وكيفيات الأعمال وأجزيتها، ونحو ذلك من الأمور الغيبية، التى بيانها من وظائف الرسالة. بأن يسلك من جميع جوانبه عند إطلاعه على ذلك، حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين، لما أريد إطلاعه عليه..
واللام فى قوله - تعالى -: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ..} متعلقة بقوله {يَسْلُكُ}.
والضمير فى {يعلم} يعود إلى الله - تعالى -، والمراد بالعلم: علم المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء، أى: أطلع الله - تعالى - من ارتضاهم على بعض غيوبه، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذى أظهرهم عليه من غيوب.. ليعلم - تعالى - علم مشاهدة يترتب عليه الجزاء، أن الرسل قد أبلغو رسالته - سبحانه - إلى خلقه، وأنه - تعالى - قد {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أى: أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى الرسل وغيرهم من أقوال وأفعال، {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أى: وأحصى كل شئ فى هذا الكون إحصاء تاما، وعلما كاملا.
قال الشوكانى: قوله: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ...} اللام متعلقة بيسلك، والمراد به العلم المتعلق بالإِبلاغ الموجود بالفعل، و "أن" هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول..
وقال قتادة: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو، وفيه حذف تتعلق به اللام، أى: أخبرناه صلى الله عليه وسلم بحفظنا الوحى، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق.
وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم..
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى "ليعلم" إلى الله - تعالى - هو الأظهر، أى: ليعلم الله - تعالى - أن رسله قد أبلغوا رسالاته علم مشاهدة كما علمه غيبا، لأن علم الله بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع..
وهكذا ساقت لنا سورة "الجن" الكثير من الحقائق التى تتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها على العقول والأفهام..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.