التفاسير

< >
عرض

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً
١
يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً
٢
وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً
٣
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً
٤
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً
٥
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً
٦
وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً
٧
وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً
٨
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً
٩
وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
١٠
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً
١١
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً
١٤
وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً
١٥
-الجن

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان والترمذى، عن ابن عباس أنه قال: "انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا لشئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر - من الجن - الذى أخذوا نحو تهامة، عامدين إلى سوق عكاظ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن، استمعوا إليه وقالوا: هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء.
فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا آحدا،"
وأنزل الله - تعالى - على نبيه {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}.
وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"أتانى داعى الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن.."
وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها: أنه لما مات أبو طالب، خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإِيمان.. فأغروا به سفهاءهم، يسبونه ويستهزئون به..
فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة - هو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه..
وهناك روايات أخرى فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وفيمن كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم..
ويبدو لنا من مجموع الروايات، أن لقاء النبى صلى الله عليه وسلم بالجن قد تعدد، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم دون أن يراهم، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن.
قال الآلوسى: وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات فى عددهم وفى غير ذلك. وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين..
قال القرطبى: واختلف أهل العلم فى أصل الجن. فعن الحسن البصرى: أن الجن ولد إبليس، والإِنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء فى الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.
وعن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر، والشياطين هم ولد إبليس، لا يموتون إلا مع إبليس..
وقال بعض العلماء: عالم الجن من العوالم الكونية، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار، أى: أن عنصر النار فيه هو الغالب، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه، أى: بصورته الجبلية، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى، كما رئى جبريل حين تشكل بشكل آدمى.
وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة. وأن الله سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل..
وأخبر بأن من الجن مؤمنين، وأن منهم شياطين متمردين، ومن هؤلاء إبليس اللعين.
ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم، بل اعترفوا به كالمسلمين، وإن اختلفوا فى حقيقتهم، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة، وأسرارها محجوبة، وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ترى الروح - وهى مما لا شك فى وجودها فى الإِنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها..
وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجن، كما بعث إلى الإِنس، فدعاهم إلى التوحيد، وأنذرهم وبلغهم القرآن، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس، فمؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا فى القرآن والسنة..
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن. فقال: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}.
وفى هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شئ هام، يستدعى من السامعين التيقظ والانتباه، والامتثال للمأمور به، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به.
والنفر: الجماعة من واحد إلى عشرة، وأصله فى اللغة الجماعة من الإِنس فأطلق على الجماعة من الجن وعلى وجه التشبيه.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس، إن الله - تعالى - قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل: أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن..
فقالوا - على سبيل الفرح والإِعجاب بما سمعوا -: {إِنَّا سَمِعْنَا} من الرسول صلى الله عليه وسلم {قُرْآناً عَجَباً} أى: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن، بديع الأسلوب، عظيم القدر..
هذا القرآن {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} أى: إلى الخير والصواب والهدى {فَآمَنَّا بِهِ} إيمانا حقا، لا يخالطه شك أو ريب {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أى: فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولن نشرك معه فى العبادة أحدا كائنا من كان هذا الحد.
والمقصود من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك، دعوة مشركى قريش إلى الإِيمان بالحق الذى جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن به، وإعلامهم بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإِنس.
وضمير "أنه" للشأن، وخبر "أن" جملة {ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، وتأكيد هذا الخبر بأن، للاهتمام به لغرابته. ومفعول "استمع" محذوف لدلالة قوله: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} عليه.
ووصفهم للقرآن بكونه {قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْد} يدل على تأثرهم به تأثرا شديدا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ومعانيه البديعة.. ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله: {فَآمَنَّا بِهِ...}.
والتعبير بقوله - تعالى -: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا..} يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم، أو لإِخوانهم الذين رجعوا إليهم، كما فى قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف:
{ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإِعجاب، كما فى قوله - تعالى -: { وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك، لأن هذا هو الذى يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به.
ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به، أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا}.
ولفظ "وأن" قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشر مرات، تارة بالإِضافة إلى ضمير الشأن، وتارة بالإِضافة إلى ضمير المتكلم.
ومن القراء السبعة من قرأة بفتح الهمزة، ومنهم من قرأه بكسرها، فمن قرأ {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا...} بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور فى قوله {فَآمَنَّا بِهِ...} فكأنه قيل: فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا.. ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول، أى: قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، وقالوا: إنه تعالى جد ربنا..
قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه: قوله - تعالى -: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا...} قرأه حمزة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح "أنّ" وقرأه الباقون بالكسر..
وتلخيص هذا أن "أنّ" المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام: قسم ليس معه واو العطف، فهذا لا لخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره، على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ...} لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} لا خلاف فى كسره لأنه محكى بالقول.
القسم الثانى أن يقترن بالواو، وهو أربع عشرة كلمة، إحداها: لا خلاف فى فتحها، وهى قوله:
{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ... } وهذا هو القسم الثالث. والثانية وهى قوله: { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ... } كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون.
والاثنتا عشرة الباقية، فتحها بعضهم، وكسرها بعضهم وهى قوله: - تعالى -: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا...} وقوله: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ....} {وَأَنَّا ظَنَنَّآ...} {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ...} {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ...} {وَأَنَّا لَمَسْنَا...} {وَأَنَّا كُنَّا...} {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ....} {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ...} {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ...} {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}.
وقوله: {تَعَالَىٰ} من التعالى وهو شدة العلو. و {جَدُّ رَبِّنَا} الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال.
قال القرطبى: الجد فى اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فى عيوننا. أى: عظم. فمعنى جد ربنا: عظمته وجلاله.
وقيل معنى "جد ربنا.. " غناه، ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود، أى: محظوظ. وفى الحديث: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أى: ولا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما تنفعه الطاعة..
وجملة {مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا} بيان وتفسير لما قبله.
أى: آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا، وتنزه فى ذاته وصفاته، عن أن يكون له شريك فى ملكه. أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ولد، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين.
وفى هذا القول من هذا النفر من الجن، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله - تعالى -، وأنهم - أى الملائكة - جاءوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - للجن، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله:
{ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } ثم حكى - سبحانه - أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً...} والمراد بالسفيه هنا: إبليس - لعنة الله - وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن، والشطط، مجاوزة الحد والعدل فى كل شئ، أى: أننا ننزه الله - تعالى - عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن الله - عز وجل - صاحبة أو ولدا، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب.
وقوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} اعتذار منهم عن كفرهم السابق، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن، وآمنوا بالله - تعالى - وحده: إننا ننزه الله - تعالى - عما قاله السفهاء فى شأنه.. وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما قالوه لنا، وما كنا نعتقد أو نتصور أو نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم الفجور والكذب.. إلى هذا الحد الشنيع.
وقوله: {كذبا} مفعول به لتقول، أو صفة لمصدر محذوف، أى: قولا مكذوبا.
ثم - حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارفا عليه فى الجاهلية من أن الجن سلطانا على الناس، وأن لهم قدرة على النفع والضر.. فقال - تعالى -: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً..}.
وقوله: {يَعُوذُونَ} من العَوْذ بمعنى الاستجارة بالشئ والالتجاء إليه طلبا للنجاة.
والرهق: الإِثم وغشيان المحارم.
قال صاحب الكشاف: والرهق: غشيان المحارم، والمعنى: أن الإِنس باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوهم كفرا وتكبرا. وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره، وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإِنس، فذلك رهقهم، أو: فزاد الجنُّ والإِنسَ رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم..
فالمقصود به من الآية الكريمة بيان فساد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم.
وإطلاق اسم الرجال على الجن، من باب التشبيه والمشاكلة لوقوعه من رجال من الإِنس، فإن الرجل اسم للمذكر البالغ من بنى آدم.
وقوله - سبحانه -: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً}. بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين. وعلى من يشبهونهم فى الكفر من الإِنس.
أى: وأنهم - أى الإِنس - ظنوا واعتقدوا {كَمَا ظَنَنتُمْ} واعتقدتم أيها الجن، أن الله - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت، وهذا الظن منهم ومنكم ظن خاطئ فاسد، فإن البعث حق، وإن الحساب حق، وإن الجزاء حق.
وفى هذا القول من مؤمنى الجن، تعريض بمشركى قريش، الذين أنكروا البعث، وقالوا:
{ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. } ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء، طلبا لمعرفة أخبارها.. قبل أن يؤمنوا فقال: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}.
وقوله: {لَمَسْنَا} من اللمس، وحقيقته الجس واليد، واستعير هنا، لطلب أخبار السماء، لأن الماس للشئ فى العادة، إنما يفعل ذلك طلبا لاختباره ومعرفته.
والحرس: اسم جمع للحراس، كخدم وكخدام، والشهب: جمع شهاب، وهو القطعة التى تنفصل عن بعض النجوم، فتسقط فى الجو أو على الأرض أو فى البحر.
أى: وأنا طلبنا أخباء السماء كما هى عادتنا قبل أن نؤمن {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} أى: فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع.. كما أنا قد وجدناها قد امتلأت بالشهب التى تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم.
{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أى من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} أى: كنا نقعد منها مقاعد كائنة للسمع، خالية من الحرس والشهب.
{فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ} بعد نزول القرآن، الذى هو معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم والذى آمنا به وصدقناه.
{يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} أى: فمن يجلس الآن ليسترق السمع من السماء يجد له شهابا معدا ومهيأ للانقضاض عليه فيهلكه.
فالرصد: جمع راصد، وهو الحافظ للشئ، وهو وصف لقوله "شهابا".
والفاء فى قوله: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ} للتفريع على محذوف، وكلمة "الآن" فى مقابل كلمة "كنا" الدالة على المحذوف.
والتقدير: كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فنستمع أشياء، وقد انقضى ذلك، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا، ينقض عليه فيحرقه.
والمقصود من هاتين الآيتين: تأكيد إيمانهم بالله - تعالى -، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وحض غيرهم على اتباعهم، وتحذيرهم من التعرض لاستراق السمع.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين: "يخبر الله - تعالى - عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قالت الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} أى: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه".
وقال بعض العلماء: والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث. فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر وازداد، كما ملئت السماء بالحرس والشهب. وليس فى الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية..
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل الإِقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب فقال: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}.
أى: وقال هؤلاء الجن المؤمنون على سبيل الاعتراف بأن مرد علم الغيوب إلى الله - تعالى - وحده: قالوا وإنا لا ندرى ولا نعلم الآن، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء، أأريد بأهل الأرض ما يضرّ بهم، أم أراد الله - تعالى - بها ما ينفعهم؟.
قال الآلوسى: ولا يخفى ما فى قولهم هذا من الأدب، حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إلى الله - تعالى -، كما صرحوا به فى الخير، وإن كان فاعل الكل هو الله - تعالى - ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد..
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فى وصف حالهم وواقعهم فقال: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ...} أى: منا الموصوفون بالصلاح والتقوى.. وهم الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، ولم يشركوا معه فى العبادة أحدا..
{وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أى: ومنا قوم دون ذلك فى الصلاح والتقوى.. وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم، ولم يستقيموا على صراطه ودينه.
وقوله: {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} تشبيه بليغ. والطرائق: جمع طريقة، وهى الحالة والمذهب.
وقددا: جمع قِدَّة، وهى الفرقة والجماعة من الناس، الذين تفرقت مشاربهم وأهواؤهم.
والجملة الكريمة بيان وتفسير لما قبلها.
أى: وأنا فى واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار.. ومنا من درجته ورتبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل.. فنحن فى حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة فى حسنها وقبحها، وكالطرق المتعددة فى استقامتها واعوجاجها.. أما الآن فقد وفقنا الله - تعالى - إلى الإِيمان به، وإلى إخلاص العبادة له..
ومن وجوه البلاغة فى الآية الكريمة، أنهم قالوا: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}، ليشمل التعبير من هم دون الكمال فى الصلاح، ومن هم قد انحدروا فى الشرور والآثام إلى درجة كبيرة، وهم الأشرار.
والمقصود به الآية الكريمة، مدح الصالحين، وذم الطالحين، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإِيمان.
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}.
والظن هنا بمعنى العلم واليقين. وقوله: {نُّعْجِزَهُ} من الإِعجاز، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد. وقوله {فِي ٱلأَرْضِ} و {هَرَباً} فى موضع الحال.
أى: وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن.. أننا فى قبضة الله - تعالى - وتحت قدرته، ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء أكنا فى الأرض أم فى غيرها.
فقوله: {فِي ٱلأَرْضِ} إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - تعالى - مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها، ففى أى بقعة منها يكونون، يدركهم قضاؤه وقدره.
وقوله: {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا إلى الأرض، لن ينجيهم مما يريده - سبحانه - بهم.
فالمقصود بالآية الكريمة: إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى - وعدم تمكنهم من الهرب من قضائه، سواء ألجأوا إلى الأرض، أم إلى السماء.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -:
{ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد.. فقال - تعالى -: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً..}.
أى: وأننا لما سمعنا الهدى، أى: القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم {آمَنَّا بِهِ} بدون تردد أو شك {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ} وبما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً} أى: نقصا فى ثوابه {وَلاَ رَهَقاً} أى: ولا يخاف - أيضا - ظلما يلحقه بزيادة فى سيئاته، أو إهانة تذله وتجعله كسير القلب، منقبض النفس.
فالمراد بالبخس: الغبن فى الأجر والثواب. والمراد بالرهق: الإِهانة والمذلة والمكروه.
والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة فى عدالة الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه -: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً. وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تأكيد وتفصيل لما قبله.
والقاسطون: هم الجائرون الظالمون، جمع قاسط، وهو الذى ترك الحق واتبع الباطل، اسم فاعل من قسط الثلاثى بمعنى جار، بخلاف المقسط فهو الذى ترك الباطل واتبع الحق.
مأخوذ من أقسط الرباعى بمعنى عدل.
أى: وأنا - معاشر الجن - {مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ} الذين أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة.
{وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أى: الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل.
{فَمَنْ أَسْلَمَ} منا {فَأُوْلَـٰئِكَ} المسلمون {تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أى: توخوا وقصدوا الرشد والحق.
{وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ} وهم الذين آثروا الغى على الرشد {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أى: وقودا لجهنم، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب وما يشبهه.
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة، لهؤلاء النفر من الجن، الذين استمعوا إلى القرآن، فآمنوا به، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الاستقامة على طريقة توصل إلى السعادة، وأن الإِعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته، وخصائص رسالته، وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، وأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه -:
{وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى...}.