التفاسير

< >
عرض

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
٣٨
إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ
٣٩
فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ
٤٠
عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ
٤١
مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
٤٢
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ
٤٣
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ
٤٤
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ
٤٥
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ
٤٦
حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ
٤٧
فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ
٤٨
فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
٤٩
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ
٥٠
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ
٥١
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً
٥٢
كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ
٥٣
كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
٥٤
فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ
٥٥
وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ
٥٦
-المدثر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {رَهِينَةٌ} خبر عن {كُلُّ نَفْسٍ}، وهو بمعنى مرهونة. أى: كل نفس مرهونة عند الله - تعالى - بكسبها، مأخوذة بعملها، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب، وإن كان سيئا أهلكها، وجعلها محلا للعقاب.
قالوا: وإنما كانت مرهونة، لأن الله - تعالى - جعل تكليف عباده كالدَّين عليهم، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره، فهى مرهونة، فمن وفى دينه الذى كلف به، خلص نفسه من عذاب الله - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن، وهو أخذه فى الدين، ومن لم يوف عذب.
والاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها.. إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنين الصادقون فإنهم مستقرون {فِي جَنَّاتٍ} عالية {يَتَسَآءَلُونَ. عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أى: يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين.
وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم، فإذا ما رأوهم سألوهم بقوله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} أى: قال أصحاب اليمين للمجرمين: ما الذى أدخلكم فى سقر، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟ والسؤال إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين.
وعبر - سبحانه - بقوله: {مَا سَلَكَكُمْ...} للإِشعار بأن الزج بهم فى سقر، كان بعنف وقهر، لأن السلك معناه: إدخال شئ بصعوبة وقسر، ومنه قوله - تعالى -:
{ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ. حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ}. أى: قال المجرمون لأصحاب اليمين: الذى أدى بنا إلى الإِلقاء فى سقر، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا، ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء، بل بخلنا عليه، وحرمناه حقوقه..
وكنا - أيضا - فى الدنيا نخوض فى الأقوال السيئة وفى الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها، دون أن نتورع عن اجتناب شئ منها.
وأصل الخوض: الدخول فى الماء، ثم استعير للجدال الباطل، وللأحاديث التى لا خير من ورائها.
وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة، وننكر إمكانه ووقوعه، وبقينا على هذا الإِنكار والضلال {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} أى: حتى أدركنا الموت، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به.
فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإِلقاء بهم فى سقر لم يكن على سبيل الظلم لهم، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإِطعام، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال، وتكذيبهم بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء.
وقوله - سبحانه -: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} حكم منه - سبحانه - عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم.
أى: أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم، فيما لو تقدم أحد الشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم من المسلمين.
والاستفهام فى قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} للتعجيب من إصرارهم على كفرهم، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم.
والمراد بالتذكرة: التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته، والحمر: جمع حمار، والمراد به الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له.
وقوله: {مُّسْتَنفِرَةٌ} أى: شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة.
والقسورة: الأسد، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها، وقيل: القسورة اسم لجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية، ولا واحد له من لفظه، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة. من القسر بمعنى القهر. أى: ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم، وعن هداياته وإرشاداته، وأوامره ونواهيه.. حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟.
قال صاحب الكشاف: شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن، واستماع الذكر والموعظة، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها.
وفى تشبيههم بالحمر: مذمة ظاهرة، وتهجين لحالهم بين، كما فى قوله - تعالى -:
{ كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش، واطرادها فى العدو، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب، فى وصف الإِبل، وشدة سيرها، بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص..
والتعبير بقوله: {فَمَا لَهُمْ...} وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم، كما فى قوله - تعالى -:
{ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ... } والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم، أو على معتقد من معتقداتهم.. مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك.
وقال - سبحانه - {عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ} بالتعميم، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق، ويصرفهم عن الباطل.
وقوله - سبحانه -: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة.
والصحف: جمع صحيفة، وهى ما يكتب فيها. ومنشره: صفة لها والمراد بها: الصحف المفتوحة غير المطوية. بحيث يقرؤها كل من رآها.
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية: أن المشركين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه: من رب العالمين، إلى فلان من فلان، نؤمر فى هذا الكتاب باتباعك.
أى: إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن.. بل يريد كل واحد منهم أن يعطى صحفا مفتوحة، وكتبا غير مطوية، بحيث يقرؤها كل من يراها. وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ.. } وقوله - سبحانه - {كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ} إبطال آخر لكلامهم، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف. أى: كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة..
وقوله - تعالى - بعد ذلك: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} زجر آخر مؤكد للزجر السابق. أى: كلا ثم كلا، لن نمكنهم مما يريدون، ولن نستجيب لمقترحاتهم السخيفة.. لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافى، والوعظ الشافى، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك.
فالضمير فى {إنه} يعود إلى القرآن، لأنه معلوم من المقام، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند الله - تعالى - تأمرهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله - سبحانه -: {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه، أو عقل يعقل.
أى: إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإِنسان بالحق، وما يهديه إلى الخير والرشد، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه.. فعل ذلك، وظفر بما يسعده، ويشرح صدره.
والتعبير بقوله - تعالى - {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} يشعر بأن تذكر القرآن وحفظه. والعمل بأحكامه وإرشاداته.. فى إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك.
أى: إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين لهذا التذكر، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد..
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ}.
أى: فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ. لا يتم بمجرد مشيئتكم، وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته، فهو - سبحانه - أهل التقوى، أى: هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه، وهو - عز وجل - "أهل المغفرة" أى: هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فالمقصود من الآية الكريمة، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة، لأنه هو الخالق لكل شئ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله، التى لا يعلمها أحد سواه.
أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أنس
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} فقال: قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له" .