التفاسير

< >
عرض

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
-الأنفال

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله {جَنَحُواْ} من الجنوح بمعنى الميل، يقال: جنح فلان للشئ وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً. أى: مال إليه.
قال القرطبى: والجنوح: الميل. وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه. ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على الحشورة - بضم الحاء وكسرها - أى: الأمعاه.
وجنحت الإِبل: إذا مالت أعناقها فى السير قال ذو الرمة:

إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح

وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص "للسلم" - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح. وإنما قال {لَهَا} لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب.. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة.
والمعنى: عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإِرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى {اِلسَّلْمِ} أى: المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة.
وقوله {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} معطوف على {فَٱجْنَحْ لَهَا} لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه.
أى: اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه - سبحانه - {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالهم، فيجازيهم بما يستحقون، ويرد كيدهم فى نحورهم.
وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف {إِن} الذى يعبر به عن الشئ المشكوك فى وقوعه، للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائماً على حذر منهم، وألا يأمنوا مكرهم.
هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب، ومنهم من يرى أن الآية عامة، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين. ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولاً؟
وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه:
عن قتادة أن قوله {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا...} منسوخة بقوله فى سورة براءة
{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } وبقوله { وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } }. فقد كانت هذه - أي الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ...} قبل براءة. كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يوادع القول إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد براءة فقال: { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } }. وعن عكرمة والحسن البصرى قالا: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ...} نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - { قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } الآية.
ثم قال ابن جرير: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.
لأن قوله {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا..} إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم، وأما قوله:
{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } فإنما عنى به مشركو العرب ن عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس فى إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه..
هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال -رحمه الله -:
قوله: {وَإِن جَنَحُواْ} أى: مالوا {لِلسَّلْمِ} أى المسالمة والمصالحة والمهادنة {فَٱجْنَحْ لَهَا} أى: فمل إليها واقبل منهم ذلك. ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر..
وقال مجاهد: نزلت فى بنى قريظة، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله فى موقعة بدر، وذكرها مكتنف لها كله.
وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة، وهى قوله - تعالى -
{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } }. وفيه نظر أيضاً، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة {وَإِن جَنَحُواْ} وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص..
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاماً فى معاملة الأعداء، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين.
ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - "والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإِسلام وأهله من حرب أو سلم. وليس يحتم أن يقاتلوا أبداً. أو يجابوا إلى الهدنة أبداً".
ثم أمن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه، إن هم أرادوا خيانته، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - : {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ}.
أى: وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم فى الظاهر أو يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم، بل صالحهم مع ذلك إذا كان فى الصلح مصلحة للإِسلام وأهله، ولا تخف منهم، فإن الله كافيك بنصره ومعونته، فهو - سبحانه - الذى أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية، وهو - سبحانه - الذى أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين، وإعلاء كلمته..
فالآية الكريمة تشجيع للنبى - صلى الله عليه وسلم - على السير فى طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإِسلام وأهله، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة. وقوله: {حَسْبَكَ} صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل. أى. بحسبك وكافيك.
قال الفخر الرازى: فإن قيل: أليس قد قال - تعالى -
{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ... } أى: أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره فى هذه الآية؟
قلنا: قوله:
{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل فى قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة..
فإن قيل: لما قال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ}؟
قلنا: التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين: أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة.
فالأول هو المراد من قوله {أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} والثانى هو المراد من قوله: {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ}.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله فى كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال - تعالى -: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.
أى: أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - بنصره وأن أيدك بالمؤمنين، بأن حبب إليهم الإِيمان وزينه فى قلوبهم، وجعل منهم قوة موحدة، فصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} بفضله وقدرته هو وحده الذى {أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} فصاروا إخواناً متحابين متصافين {إِنَّهُ} - سبحانه - {عَزِيزٌ} أى: غالب فى ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن {حَكِيمٌ} فى كل أفعاله وأحكامه..
وهذه الآية الكريمة يؤيدها التاريخ، ويشهد بصدقها أحداثه، فنحن نعلم أن العرب - وخصوصاً الأوس والخزرج - كانوا قبل الإِسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنازع والتحارب.. فلما دخلوا فى الإِسلام تحول بغضهم إلى حب، وتخاصمهم إلى مودة، وتفرقهم إلى اتحاد.. وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل..
ولقد أجاد صاحب الكشاف -رحمه الله - فى تصويره لهذه المعانى حيث قال: "التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة، لأن العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة.. لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب، فى الله والبغض فى الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كيف يشاء، ويصنع فيها ما يريد.
قيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم. ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى. وبينهما التجاور الذى يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس. وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر منه.
فأنساهم الله - تعالى - ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته". هذا، وفى الصحيحين
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم حنين قال لهم: يا معشر الأنصار!! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى؛ وعالة فأغناكم الله بى؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى؟ فكانوا يقولون كلما قال شيئا: الله ورسوله أمن" .
وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتنكر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ. ثم يقرأ قوله - تعالى -: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ...}.
ثم مضت السورة الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قلوب أصحابه فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ...مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}.