التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
٦٥
ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٦٦
-الأنفال

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى فى الآية الأولى؛ إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم.
والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنيا.
وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال..
وقوله: {حَسْبُكَ} صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، والكاف فى محل جر.
والواو فى قوله {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ} بمعنى مع، و {مَنِ} فى محل نصب عطفاً على الموضع، فإن قوله {حَسْبُكَ} بمعنى كافيك فى جميع أمورك.
والمعنى: يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم، وما دام الأمر كذلك، فاعتمدوا عليه وحده، وأطيعوه فى السر والعلن؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره.
قال بعض العلماء: قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية: أى: الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وههنا تقديران:
أحدهما: أن تكون الواو عاطفة للفظ "من" على الكاف المجرورة..
والثانى: أن تكون الواو بمعنى "مع" وتكون "من" فى محل نصب عطفاً على الموضع. فإن "حسبك" فى معنى كافيك أى: الله يكفيك ويكفى من اتبعك، كما يقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر:

وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصافحسبك والضحاك سيف مهند

وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث: أن تكون "من" فى موضع رفع بالابتداء: أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله.
وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون "من" فى موضع رفع عطفا على اسم الله. ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك.
هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة..
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق، فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ...}.
وقوله: {حَرِّضِ} من التحريض بمعنى الحث على الشئ بكثرة التزيين له، وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس.
قال الراغب: الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض. قال - تعالى - {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ...}.
والتحريض: الحث على الشئ.. فكأنه فى الأصل إزالة الحرض نحو حرضته وقذيته أى: أزلت عنه الحرض والقذى..
والمعنى: يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر وجلد، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولهذا
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض أصحابه على القتال عند صفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون فى عددهم وعددهم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض. فقال عمير بن الحمام: عرضها السماوات والأرض؟ فقال رسول الله: نعم فقال عمير: بخ بخ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال - صلى الله عليه وسلم - فإنك من أهلها فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ثم ألقى بقيتهن من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى الله عنه -" .
وقوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم.
أى: قابلوا - أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلاً صابروا يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مائتين من الكافرين، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفاً منهم، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله - تعالى - وبما يجب عليهم نحوه.
فهم - كما يقول صاحب الكشاف -: "يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم" فيقل ثباتهم. ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، ويستحقون الخذلان. بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإِظهار من الله - تعالى.
وقال صاحب المنار: والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وإرتقاء الأمم. وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب فى كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين..
وهكذا كان المؤمنون فى قرونهم الأولى.. أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى الجليلة، فزال مجدهم..
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله على المؤمنين ورحمته بهم فقال: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ..}.
وقوله {ضَعْفاً} قرأه بعضهم بفتح الضاد، وقرأه آخرون بضمها، وهما بمعنى واحد عند الجمهور، والمراد به الضعف فى البدن.
وقيل: الضعف - بالفتح يكون فى الرأى والعقل، وبالضم يكون فى البدن.
والمعنى: لقد فرضنا عليكم - أيها المؤمنون - أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين.. والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك، ولم تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم.. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم، ورعاية لأحوالكم، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلاً من عشرة، وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وتيسيره وتأييده.
وقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أى: والله - تعالى - مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره، فاحرصوا على أن تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه - سبحانه - ما يسعدكم فى دنياكم وآخرتكم.
هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها، ومنهم من يرى غير ذلك.
قال الآلوسى: قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ..} شرط فى معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا - بعون الله وتأييده - فالجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى.
والمعنى: ليصبرن الواحد لعشرة؛ وليست بخبر محض..
وقوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ..} أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: لما نزلت {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ...} شق ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل يعد نسخا أولا؟ قولان: اختار بعضهم الثانى منهما وقال: إن الآية مخففة، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر.
وذهب الجمهور إلى الأول، وقالوا: إن الآية الثانية ناسخة للأولى. وقال بعض العلماء: فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد من المؤمنين من العشرة من الكفار، وكان ذلك فى وسعهم، فأعز الله بهم الدين على قلتهم، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم، وكانت السرايا تهزم من المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييداً من الله لدينه.
ولما شق على المؤمنين الاستمرار على ذلك، وضعفوا عن تحمله، ولم تبق ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا فى دين الله أفواجاً نزل التخفيف، ففرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار، ورخص له فى الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين.
وهو رخصة كالفطر للمسافر، وذهب الجمهور إلى أنه نسخ.
وقال الشيخ القاسمى: إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن كفاية مائة لألف، وكفاية مائة لمائتين تغنى عن كفاية ألف لألفين، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة فى الأولى، وثبات الواحد للاثنين فى الثانية فما سر هذا التكرير؟
أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التقرير المفيد لزيادة الاطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، وتغلب المائة الألف، وأما الترتيب فى المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعى.
وقيل فى سر ذلك: إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإِسلام سيجاوز عددهم العشرات والمئات إلى الألوف.
ثم قال: وقال فى البحر: انظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت فى الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت فى الثانية قيد كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت فى أولى جملتى التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} مبالغة فى شدة المطلوبية، وإشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتماً، لأن من كان الله معه لا يغلب..."
وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال فى سبيل الله.. عقب - سبحانه - ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أسرى غزوة بدر من الكافرين، فقال - تعالى -: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ...غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.