التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
-الأنفال

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

الكاف فى قوله - تعالى -: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ...} بمعنى مثل، أى: للتشبيه وهى خبر لمبتدأ محذوف هو المشبه، وما بعدها هو المشبه به، ووجه الشبه مطلق الكراهة، وما ترتب على ذلك من خير للمؤمنين.
والمعنى: حال بعض أهل بدر فى كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية، مثل حال بعضهم فى كراهة الخروج للقتال، مع ما فى هذه القسمة والقتال من خير وبركة.
ونحن عندما نستعرض أحداث غزوة بدر، نرى أنه قد حدث فيها أمران يدلان على عدم الرضا من فريق من الصحابة، ثم أعقبهما الرضا والإِذعان والتسليم لحكم الله ورسوله.
أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة - وأكثرهم من الشبان - كانوا يرون أن قسمة الغنائم بالسوية فيها إجحاف بحقهم، لأنهم هم الذين قاموا بالنصيب الأوفر فى القتال، وأن غيرهم لم يكن له بلاؤهم - كما سبق أن بينا فى أسباب نزول قوله - تعالى -
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ } }. ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية، كما أمره الله - تعالى -.
وكان هذا التقسيم خيراً للمؤمنين، إذ أصلح الله به بينهم، وردهم إلى حالة الرضا والصفاء..
وأما الأمر الثانى: فهو أن جماعة منهم كرهوا قتال قريش بعد نجاة العير التى خرجوا من أجل الحصول عليها، وسبب كراهيتهم لذلك أنهم خرجوا بدون استعداد للقتال، لا من حيث العدد ولا من حيث العدد.
ولكنهم استجابوا بعد قليل لما نصحهم به رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من وجوب قتال قريش،. وكان فى هذه الاستجابة نصر الإِسلام، ودحر الطغيان.
قال ابن كثير: روى الحافظ بن مردويه - بسنده - عن أبى أيوب الأنصارى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالمدينة:
"إنى أخبرت عن عير أبى سفيان بأنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمنا إياها؟ فقلنا نعم. فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا:
ما ترون فى قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم؟ فقلنا: ما لنا طاقة بقتال العدو ولكننا أردنا العير، ثم قال: ما ترون فى قتال القوم؟ فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ..} ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"
.
وفى رواية أن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ تكلموا بكلام سر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
هذا، وما قررناه قبل ذلك من أن الكاف فى قوله - تعالى - {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ..} بمعنى مثل، هو ما نرجحه من بين أقوال المفسرين التى أوصلها بعضهم إلى عشرين قولا.
قال الجمل، قوله {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ..} فيه عشرون وجهاً، أحدهما: أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره؛ الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كما أخرجك ربك، أى: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك، يعنى أنه لا مرية فى ذلك.
الثانى: أن تقديره وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد.
الثالث: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك أى: كما أن إخراج الله إياك لا مرية فيه ولا شبهة. الخ.
والحق أن معظم الوجوه النحوية التى ذكرها الجمل وغيره من المفسرين - كأبى حيان والآلوسى - أقول: إن معظم هذه الوجوه يبدو عليها التكلف ومجانبة الصواب.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد أهمل أكثر ما ذكره المفسرون فى ذلك، واكتفى بوجهين فقال:
قوله: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}. فيه وجهان أحدهما: أن يرتفع محل الكاف على أنه مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك. يعنى أن حالهم فى كراهية ما رأيت من تنفيل الغزوة مثل حالهم فى كراهة خروجك للحرب.
والثانى: أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر فى قوله:
{ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ } أى: الأنفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون.
والوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما صاحب الكشاف هو الذى نميل إليه، وهو الذى ذكرناه قبل ذلك بصورة أكثر تفصيلا.
وأضاف - سبحانه - الإِخراج إلى ذاته فقال: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ} للإِشعار بأن هذا الإِخراج كان بوحى منه - سبحانه - وبأنه هو الراعى له فى هذا الخروج.
والمراد بالبيت فى قوله: {مِن بَيْتِكَ} مسكنه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أو المراد المدينة نفسها، لأنها مثواه ومستقره، فهى فى اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه.
وقوله: {بِٱلْحَقِّ} متعلق بقوله: {أَخْرَجَكَ} والباء للسببية، أى: أخرجك بسبب نصرة الحق، وإعلاء كلمة الدين، وإزهاق باطل المبطلين.
ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من مفعول أخرجك، وتكون الباء للملابسة، أى: أخرجك إخراجاً متلبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.
قال الآلوسى: وقوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}، أى: للخروج، إما لعدم الاستعداد للقتال، أو للميل للغنيمة، أو للنفرة الطبيعية عنه، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار، فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة.
والجملة فى موضع الحال، وهى حال مقدرة؛ لأن الكراهة وقعت بعد الخروج.
والمعنى الإِجمالى للآية الكريمة: حال بعض المسلمين فى بدر فى كراهة قسمة الغنيمة بالسوية بينهم، مثل حال فريق منهم فى كراهة الخروج للقتال، مع أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال، كان فيهما الخير لهم، إذ الخير فيما قدره الله وأراده، لا فيما يظنون.
وقوله - تعالى -: {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع.
والمراد بقوله {يُجَادِلُونَكَ} مجادلتهم للنبى صلى الله عليه وسلم فى شأن القتال وقولهم له: ما كان خروجنا إلا للعير، ولو أخبرتنا بالقتال لأعددنا العدة له.
والضمير يعود للفريق الذى كان كارهاً للقتال.
والمراد بالحق الذى جادلوا فيه: أمر القتال الذى حضهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن يعدوا أنفسهم له.
وقوله: {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} متعلق: {يُجَادِلُونَكَ} و {مَا} مصدرية والضمير فى الفعل {تَبَيَّنَ} يعود على الحق.
والمراد بتبينه: إعلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم سينصرون على أعدائهم فقد روى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم قبل نجاة العير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين: العير أو النفير، فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو النفير، أى: على المشركين الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال لا على العير، أى: الإِبل الحاملة لأموال المشركين.
والمعنى: يجادلك بعض أصحابك - يا محمد - {فِي ٱلْحَقِّ} أى فى أمر القتال {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} أى، بعدما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم بأن النصر سيكون حليفهم، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقاً لوعد الله الذى وعد بإحدى الطائفتين.
وقوله: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} أى: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو ناظر إلى أسبابه، ومشاهد لموجباته.
والجملة فى محل نصب على الحالية من الضمير فى قوله: {لَكَارِهُونَ}.
وفى هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال يسبب قلة عددهم وعددهم.
وقوله: {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} زيادة فى لومهم، لأن الجدال فى الحق بعد تبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره.
ثم حكى - سبحانه - جانباً من مظاهر فضله على المؤمنين، مع جزع بعضهم من قتال عدوه وعدوهم، وإيثارهم العير على النفير فقال: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.
والمراد بإحدى الطائفتين: العير أو النفير، والخطاب للمؤمنين.
والمراد بغير ذات الشوكة: العير، والمراد بذات الشوكة: النفير.
والشوكة فى الأصل واحد الشوك وهو النبات الذى له حد، ثم استعيرت للشدة والحدة. ومنه قولهم: رجل شائك السلاح أى: شديد قوى.
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن وعدكم الله - تعالى - على لسان رسوله - بأن إحدى الطائفتين: العير أو النفير هى لكم تظفرون بها، وتتصرفون فيها تصرف المالك فى ملكه، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التى ليس معها سلاح وهى العير.
وعبر - سبحانه - عن وعده لهم بصيغة المضارع {يَعِدُكُمُ} مع أن هذا الوعد كان قبل نزول الآية، لاستحضار صورة الموعود به فى الذهن، ولمداومة شكره - سبحانه - على ما وهبهم من نصر وفوز.
وإنما وعدهم - سبحانه - إحدى الطائفتين على الإِبهام مع أنه كان يريد إحداهما وهى النفير، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه. وبذلك تزول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين.
وقوله {إِحْدَى} مفعول ثاني ليعد. وقوله: {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل اشتمال من {إِحْدَى} مبين لكيفية الوعد.
أى: يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم، ومختصة لكم، تتسلطون عليها تسلط الملاك، وتتصرفون فيها كيفما شئتم.
وقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} معطوف على قوله: {يَعِدُكُمُ} أى: وعدكم - سبحانه - إحدى الطائفتين بدون تحديد لإِحداهما، وأنتم تحبون ان تكون لكم طائفة العير التى لا قتال فيها يذكر، على طائفة النفير التى تحتاج منكم إلى قتال شديد، وإلى بذل للمهج والأرواح.
وفى هذه الجملة تعريض بهم، حيث كرهوا القتال، وأحبوا المال، وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين.
ثم بين لهم - سبحانه - أنهم وإن كانوا يريدون العير، إلا أنه - سبحانه - يريد لهم النفير، ليعلو الحق، ويزهق الباطل، فقال: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ}.
أى: ويريد الله بوعده غير ما أردتم. {أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أى أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله، وبقضائه الذى لا يتخلف، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم، ويقطع دابرهم؛ أى آخرهم الذى يدبرهم.
والدابر: التابع من الخلف، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبورا، إذا كان آخرهم فى المجئ، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا.
وقد هلك فى غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون الإِسلام، ويستهزئون بتعاليمه.
قال صاحب الكشاف فى معنى الآية الكريمة، قوله: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ...} يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم فى أبدانكم وأموالكم، والله - عز وجل - يريد معالى الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة والفوز فى الدارين، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها".
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى اختيار ذات الشوكة لهم، ونصرتهم عليهم فقال: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}.
أى: فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداء {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أى: ليثبت الدين الحق دين الإِسلام {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} أى: ويمحق الدين الباطل وهو ما عليه المشركون من كفر وطغيان.
وقوله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} بيان لنفاذ إرادته - سبحانه - أى: اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإِسلام، وأن يمحق ما سواه، ولو كره المشركون ذلك، لأن كراهيتهم لا وزن لها، ولا تعويل عليها..
وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتين السابقتين، لأن المراد بإحقاق الحق فى قوله - تعالى - {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}: إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين.
والمراد بإحقاق الحق فى قوله بعد ذلك فى الآية الثانية {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ}: تثبيت دين الإِسلام وتقويته وإظهار شريعته، ويمحق دين الكفر.
فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية.
وقد بسط هذا المعنى الإِمام الرازى فقال ما ملخصه: فإن قيل: أليس قوله: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} ثم قوله بعد ذلك: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} تكرارا محضا، فالجواب: ليس ههنا تكرير؛ لأن المراد بالأول سبب ما وعد به فى هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثانى؛ تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين، كان سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} الذى هو الشرك، وذلك فى مقابلة {ٱلْحَقَّ} الذى هو الدين والإِيمان.
وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا فى الأربع الآيات الأولى منها عن حكم الله - تعالى - فى غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين فى شأنها، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله - تعالى - أرفع الدرجات.
ثم حدثتنا فى الأربع الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عندما دعاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى قتال أعدائهم، وعن مجادلتهم له فى ذلك، وعن إيثارهم المال على القتال، وعن إرادة ما هو خير لهم فى دنياهم وآخرتهم، وفى ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون.
ثم ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم فى هذه الغزوة، وبعض النعم التى أنعم بها على المؤمنين، وبعض البشارات التى تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها، والتى كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال - تعالى -: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ..عَذَابَ ٱلنَّارِ}.