التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ
٣٣
يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
٣٤
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
٣٥
وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
٣٦
لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
٣٧
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ
٣٨
ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ
٣٩
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
٤٠
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
٤١
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ
٤٢
-عبس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

الفاء فى قوله - سبحانه - {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم. وجواب {إذا} محذوف يدل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، ويصح أن يكون جوابه قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}.
والصاخة: الصيحة الشديدة التى تصُخُّ الآذان، أى تزلزلها لشدة صوتها، وأصل الصخ: الصك الشديد، والمراد بها هنا: النفخة الثانية التى بعدها يبعث الناس من قبورهم..
أى: فإذا جاءت الصيحة العظيمة التى بعدها يخرج الناس من قبورهم للحساب والجزاء، كان ما كان من سعادة أقوام، ومن شقاء آخرين.
وقوله - سبحانه -: {يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} بدل مما قبله وهو قوله {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} والفرار: الهروب من أجل التخلص من شئ مخيف.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون فى كرب عظيم، يجعل الواحد منهم، يهرب من أخيه الذى هو من ألصق الناس به، ويهرب كذلك من أمه وأبيه، ومن صاحبته - وهى زوجه - وبنيه الذين هم فرع عنه.
والمراد بفراره منهم: عدم اشتغاله بشئ يتعلق بهم، وعدم التفكير فيهم وفى الالتقاء بهم، لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شئ سوى التفكير فى مصيره.. وذلك لشدة الهول، وعظم الخطب.
وخص - سبحانه - هؤلاء النفر بالذكر، لأنهم أخص القرابات، وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا فى أشد حالات الخوف والفزع.
قال صاحب الكشاف: "يفر" منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا: وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين، لأنهم أقرب وأحب كأنه قال: يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه..
وجملة: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} مستأنفة. واردة لبيان سبب الفرار. وللمبالغة فى تهويل شأن هذا اليوم.
أى: لكل واحد منهم فى هذا اليوم العظيم، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأى أمر آخر سواه. يقال: فلان أغنى فلاناً عن كذا، إذا جعله فى غنية عنه.
وقد ساق ابن كثير -رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث، منها ما رواه النسائى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تحشرون حفاة عراة غُرْلا" - بضم فسكون - جمع أغرل، وهو الأقلف غير المختون - قال ابن عباس: "فقالت زوجته: يا رسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}. أو قال: ما أشغله عن النظر" .
ثم بين - سبحانه أقسام الناس فى هذا اليوم فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} أى: وجوه كثيرة فى هذا اليوم تكون مضيئة مشرقة، يعلوها السرور، والاستبشار والانشراح، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم.
وقوله: {وُجُوهٌ} مبتدأ وإن كان نكرة، إلا أنه صح الابتداء به لكونه فى حيز التنويع و {مُّسْفِرَةٌ} خبره، وقوله {يَوْمَئِذٍ} متعلق به، والإِسفار: النور والضياء.
والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا، وعليها أثر النعيم.
أما القسم المقابل لهذا القسم، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أى: عليها غبار، من شدة الهم والكرب والغم الذى يعلوها.
{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أى: تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد، وذلة وهوان، من شدة ما أصابها من خزى وخسران. يقال: فلان رهقِه الكرب، إذا اعتراه وغشيه.
{أُوْلَـٰئِكَ} يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد {هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} أى: الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد، وبين الفجور الذى هو فساد القول والفعل.
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجه المسفرة، الضاحكة المستبشرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..