التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢١
إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
-المطففين

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله: {كلا} هنا، تكرير للردع والزجر السابق فى قوله - تعالى - قبل ذلك: { إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ } لبيان ما يقابل ذلك من أن كتاب الأبرار فى عليين.
ولفظ "عليين" جمع عِلِّى - بكسر العين وتشديد اللام المكسورة - من العلو. ويرى بعضهم أن هذا اللفظ مفرد، وأنه اسم للديوان الذى تكتب فيه أعمال الأبرار.
قال صاحب الكشاف: وكتاب الأبرار: ما كتب من أعمالهم، وعليون: علم لديوان الخير، الذى دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين. منقول من جمع "عِلِّى" بزنة فِعِّيل - بكسر الفاء والعين المشددة - من العلو، كسِجِّين من السجن. سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات فى الجنة، وإما لأنه مرفوع فى السماء السابعة.. تكريما له وتعظيما..
أى: حقا إن ما كتبته الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار، لمثبت فى ديوان الخير، الكائن فى أعلى مكان وأشرفه.
وقوله - سبحانه -: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} تفخيم لشأن هذا الديوان، وتنويه عظيم بشرفه.
وقوله: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير وبركة، أى: كتاب الأبرار كتاب واضح بين، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر، فتنشرح صدورهم، وتقر عيونهم.
وقوله - تعالى - {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} صفة أخرى جىء بها على سبيل المدح لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار.
أى: كتاب الأبرار، وصحائف أعمالهم، فى أسمى مكان وأعلاه، وهو كتاب واضح بين، يقرءونه فيظهر البشر والسرور على وجوههم، وهو فرق ذلك {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أى: يطلع عليه الملائكة المقربون من الله - تعالى-، ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار، بأنهم محل رضا الله - تعالى - وتكريمه وثوابه.
ثم بين - سبحانه - حالهم فى الجنة، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى - : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أى: لفى نعيم دائم، لا يحول ولا يزول.
{عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} والأرائك: جمع أريكة - بزنة سفينة - وهى اسم للسرير الذى يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا.
أى: هم فى نعيم دائم لا يقادر قدره، وهم - أيضاً - يجلسون على السرر المهيأة لجلوسهم تهيئة حسنة، ينظرون إلى كل ما يدخل البهجة والسرور على نفوسهم.
وحذف مفعول "ينظرون" لقصد التعميم. أى: ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم.
{تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أى: تعرف فى وجوههم - أيها الناظر إليهم - البهجة والحسن، وصلاح البال، وهناءة العيش.
وإضافة النضرة - وهى الجمال الواضح - إلى النعيم - الذى هو بمعنى التنعم والترفه - من إضافة المسبب إلى السبب. وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثة من صفات هؤلاء الأبرار، ثم تأتى الصفة الرابعة المتمثلة فى قوله - تعالى -: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ}.
والرحيق: اسم للخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل.
والمختوم: أى المسدود الذى لم تمسه يد قبل أيدى هؤلاء الأبرار.
وقوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} صفة ثانية للرحيق. أى: أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضا - أنهم يسقيهم ربهم - بفضله وكرمه - من خمر طيبة بيضاء لذيذة، خالصة من كل كدر.. هذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم، بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم. وهذه الخمر - أيضا - من صفاتها أن شاربها يجد فى نهاية شربها ما يشبه المسك فى جودة الرائحة.
وقال الشوكانى: وقوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أى: آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختوم أوانيه بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفساته، وطيب رائحته.
والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشىء وهو آخر أو من ختم الشىء وهو جعل الخاتم عليه، كما تختم الأشياء بالطين ونحوه.
وقراءة الجمهور {خِتَامُهُ} وقرأ الكسائى {خاتمه} والخاتم والختام يتقاربان فى المعنى إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر..
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} يعود للرحيق المختوم، الدال على صلاح بالهم، وحسن أحوالهم.
وأصل التنافس: التغالب فى الشئ النفيس، وهو الذى تحرص عليه النفوس، بحيث يبتغيه ويطلبه كل إنسان لنفسه خاصة. يقال: نفس فلان على فلان بهذا الشئ - كفرح - إذا بخل به عليه. أى: ومن أجل الحصول على ذلك الرحيق المختوم، والنعيم المقيم.. فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون، وليتنافس المتنافسون فى وجوه الخير. عن طريق المسارعة فى تقديم الأعمال التى ترضى الله - تعالى -.
فالمقصود من الآية الكريمة: تحريض الناس وحضهم على تقديم العمل الصالح، الذى يوصلهم يوم القيامة إلى أعلى الدرجات.
وقوله - سبحانه -: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} صفة ثالثة من صفات هذا الرحيق.
والمزاج: ما يمزج به الشئ، ويطلق على الممزوج بالشئ - كما هنا - فهو من إطلاق المصدر على المفعول.
والتسنيم: علم لعين فى الجنة مسماة بهذا الاسم، وهذا اللفظ مصدر سنمه إذا رفعه. يقال: سنم فلان الطعام. إذا جعله كهيئة السنام فى ارتفاعه.
قالوا: وسميت هذه العين بهذا الاسم، لأنها تنبع من مكان مرتفع، أو لعلو مكانتها.
وقوله: {عينا} منصوب على المدح.
أى: ومزاج هذا الرحيق وخليطه كائن من ماء لعين فى الجنة، مرتفعة المكان والمكانة، هذه العين يشرب منها المقربون إلى الله - تعالى- شرابهم.
قال الآلوسى: والباء فى قوله {بها} إما زائدة. أى يشربها. أو بمعنى من. أى: يشرب منها، أو على تضمين يشرب معنى يروى. أى: يشرب راوين بها. أى يروى بها المقربون..
وإلى هنا نجد أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت الأبرار ببشارات متعددة، بشرتهم بأن صحائف أعمالهم فى أعلى عليين، وبأنهم فى تعيم مقيم، وبأنهم ينظرون إلى كل ما يشرح صدورهم، وبأن الناظر إليهم يرى آثار النعمة والرفاهية على وجوههم، وبأن شرابهم من خمر طيبة لذيذة الطعم والرائحة.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الرذائل التى كان يفعلها المشركون مع المؤمنين، وبشر المؤمنين بأن العاقبة الطيبة ستكون لهم.. فقال - تعالى -:
{إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ...}.