التفاسير

< >
عرض

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ
١
وَطُورِ سِينِينَ
٢
وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ
٣
لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
٤
ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ
٥
إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٦
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ
٧
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ
٨
-التين

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين: الجبل الذى كلم الله - تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وسينين، وسيناء، وسينا، اسم للبقعة التى فيها هذا الجبل، بإضافة "طور" إلى ما بعده، من إضافة الموصوف إلى الصفة.
قال الإِمام الشوكانى: "وطور سينين" هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى، اسمه الطور. ومعنى سينين: المبارك الحسن.. وقال مجاهد: سينين كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء. وقال الأخفش: طور: جبل. وسينين شجر، واحدته سينه، ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء، لأنه جعل اسما للبقعة.
وأقسم - سبحانه - به، لأنه من البقاع المباركة، وأعظم بركة حلت به ووقعت فيه، تكليم الله - تعالى -، لنبيه موسى - عليه السلام -.
كما اتفقوا - أيضا - على أن المراد بالبلد الأمين: مكة المكرمة، وسمى بالأمين لأن من دخله كان آمنا، وقد حرمها - تعالى - على جميع خلقه، وحرم شجرها وحيوانها، وفى الحديث الصحيح، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد فتحتها:
"إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلى، ولن تحل لأحد بعدى، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار، فلا يُعْضَد - أى: يقطع - شجرها - ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.." .
إلا أن خلافهم فى المراد بقوله - تعالى -: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ}، وقد ذكر الإِمام القرطبى هذا الخلاف فقال ما ملخصه: قوله: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ}: قال ابن عباس وغيره: هو تينكم الذى تأكلون، وزيتونكم الذى تعصرون منه الزيت. قال - تعالى -: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } وهى شجرة الزيتون.
وقال أبو ذر:
"أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم سَلة تين، فقال: كلوا وأكل منها. ثم قال: لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه.." .
وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة" .
. وهذا هو الرأى الذى تطمئن إليه النفس لأنه هو المتبادر من اللفظ وهناك أقوال أخرى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها وتهافتها.
ثم قال الإِمام القرطبى: وهذا القول هو أصح الأقوال، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين لأنه كان ستر آدم فى الجنة، لقوله - تعالى -:
{ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } وكان ورق التين، ولأنه كثير المنافع.
وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة المباركة، قال - تعالى -:
{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ... } وفيه منافع كثيرة...
وقال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال من المقصود بالتين والزيتون: والصواب من القول فى ذلك عندنا، قول من قال: التين: هو التين الذى يؤكل. والزيتون: هو الزيتون الذى يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينا، ولا جبل يقال له زيتون. إلا أن يقول قائل: المراد من الكلام القسم بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة فى ظاهر التنزيل..
وما ذهب إليه الإِمامان: ابن جرير والقرطبى، من أن المراد بالتين والزيتون، حقيقتهما، هو الذى نميل إليه، لأنه هو الظاهر من معنى اللفظ، ولأنه ليس هناك من ضرورة تحمل على مخالفته، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
وجملة: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ...} وما عطف عليه جواب القسم.
أى: وحق التين الذى هو أحسن الثمار، صورة وطعما وفائدة، وحق الزيتون الذى يكفى الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم، وحق هذا البلد الأمين، وهو مكة المكرمة، وحق طور سنين الذى كلم الله - تعالى - عليه نبيه موسى تكليما.. وحق هذه الأشياء.. لقد خلقنا الإِنسان فى أعدل قامة، وأجمل صورة، وأحسن هيئة، ومنحناه بعد ذلك ما لم نمنحه لغيره، من بيان فصيح، ومن عقل راجح، ومن علم واسع، ومن إرادة وقدرة على تحقيق ما يبتغيه فى هذه الحياة، بإذننا ومشيئتنا.
والتقويم فى الأصل: تصيير الشئ على الصورة التى ينبغى أن يكون عليها فى التعديل والتركيب. تقول: قومت الشئ تقويماً، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها.. فى التعديل والتركيب. تقول: قومت الشئ تقويماً، إذا جعلته على أحسن الوجوه التى ينبغى أن يكون عليها.. وهذا الحسن يشمل الظاهر والباطن للإِنسان.
والمراد بالإِنسان هنا: جنسه. أى: لقد خلقنا - بقدرتنا وحكمتنا - جنس الإِنسان فى أكمل صورة، وأحكم عقل..
وقوله - تعالى -: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} معطوف على ما قبله وداخل فى حيز القسم. وضمير الغائب يعود إلى الإِنسان.
وحقيقة الرد: إرجاع الشئ إلى مكانه السابق، والمراد به هنا: تصيير الإِنسان على حالة غير الحالة التى كان عليها، وأسفل: أفعل تفضيل، أى: أشد سفالة مما كان يتوقع.
وللمفسرين فى هذه الآية الكريمة اتجاهات منها: أن المراد بالرد هنا: الرد على الكبر والضعف، كما قال - تعالى -:
{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } وعلى هذا الرأى يكون المردودن إلى أسفل سافلين، أى: إلى أرذل العمر، هم بعض أفراد جنس الإِنسان، لأنه من المشاهد أن بعض الناس هم الذين يعيشون تلك الفترة الطويلة من العمر، كما قال - تعالى -: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال: "وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر. إلى عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر، فهو فى أسفل من سفل فى إدبار العمر، وذهاب العقل..".
ومنها: أن المراد بالرد هنا: الرد إلى النار، والمعنى: لقد خلقنا الإِنسان فى أحسن تقويم، ثم رددناه إلى أقبح صورة، وأخس هيئة.. حيث ألقينا به فى أسفل سافلين، أى: فى النار، بسبب استحبابه العمى على الهدى، والكفر على الإِيمان.
وقد رجح هذا الرأى ابن كثير فقال: قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أى: إلى النار.. أى: ثم بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره إلى النار، إن لم يطع الله - تعالى - ويتبع الرسل. ولهذا قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...}.
وعلى هذا الرأى - أيضًا -، يكون المردودون إلى "أسفل سافلين" أى: إلى النار، هم بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الكفار، والفاسقون عن أمره - تعالى -.
ومنها: أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا: الانحراف والارتداد عن الفطرة التى فطر الله - تعالى - الناس عليها، بأن يعبد الإِنسان مخلوقاً مثله، ويترك عبادة خالقه، ويطيع نفسه وشهواته وهواه.. ويترك طاعة ربه - عز وجل -.
وقد فصل الأستاذ الإِمام هذا المعنى فقال ما ملخصه: "أقسم - سبحانه - أنه قوم الإِنسان أحسن تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد - سبحانه - ذلك بالقسم، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم الله به، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات، يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة. فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها، الذى كان لها بمقتضى الفطرة.. فهذا قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}، أى: صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التى كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس - مثلاً - إنما يصدر فى عمله عن فطرته التى فطر عليها، لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته فى الوجود.
أما الإِنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغى أن يعمله لتوفير سعادته وسعادة إخوانه، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحيوان، ولطالما قلت: "إذا فسد الإِنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان".
والذى يتأمل الرأى الثانى والثالث يرى أن بينهما تلازماً، لأن الانحراف عن الفطرة السوية يؤدى إلى الدخول فى النار وبئس القرار، وهذان الرأيان أولى بالقبول، لأن الاستثناء فى قوله - تعالى - بعد ذلك: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} يؤيد ذلك، إذ المعنى عليها: لقد خلقنا الإِنسان فى أحسن تقويم، ثم رددناه إلى النار بسبب انحرافه عن الفطرة، وإيثاره الغى على الرشد، والكفر على الإِيمان.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وساروا على مقتضى فطرتهم، فأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة.. فلهم أجر غير مقطوع عنهم أو غير ممنون به عليهم، بل هم قد اكتسبوا هذا الأجر الدائم العظيم، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}، "ثم" هنا للتراخى الزمانى أو الرتبى، والرد يجوز أن يكون بمعنى الجعل، فينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. فأسفل مفعول ثان، والمعنى: ثم جعلناه من أهل النار، الذين هم أقبح، وأسفل من كل سافل.. ويجوز أن يكون الرد بمعناه المعروف، وأسفل منصوب بنزع الخافض.
أى: رددناه إلى أسفل الأمكنة السافلة وهو جهنم..
وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} استثناء متصل من ضمير "رددناه العائد على الإِنسان، فإنه فى معنى الجمع، فالمؤمنون لا يردون أسفل سافلين يوم القيامة، بل يزدادون بهجة إلى بهجتهم. وحسنا على حسنهم..".
و "ما" فى قوله - سبحانه -: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} اسم استفهام مبتدأ، وخبره جملة "يكذبك". والخطاب للإِنسان الذين خلقه الله - تعالى - فى أحسن تقويم، ففى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. والاستفهام للإِنكار والتعجيب من هذا الإِنسان.
والمعنى: فأى شئ يحملك - أيها الإِنسان - على التكذيب بالدين وبالبعث وبالجزاء، بعد أن خلقناك فى أحسن تقويم، وبعد أن أقمنا لك الأدلة على أن دين الإِسلام هو الدين الحق، وعلى أن رسولنا صادق فيما يبلغك عن ربه - عز وجل -؟
فالمقصود بقوله - تعالى - : {يُكَذِّبُكَ}: يجعلك مكذباً، أى: لا عذر لك فى التكذيب بالحق، وقيل: الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، وتكون "ما" بمعنى "مَنْ" ويكون الاستفهام بها عن ذوات المخاطبين، أى: فمن ذا الذى يكذبك - أيها الرسول الكريم - ويكذب بيوم الدين والجزاء، بعد أن ظهرت الدلائل على صدقك..؟
إن كل عاقل يجب عليه أن يصدقك ولا يكذبك، ولا يعرض عنك.
والاستفهام فى قوله - تعالى -: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} للتقرير: إذا الجملة الكريمة تحقيق لما ذكر من خلق الإِنسان فى أحسن تقويم، ثم رده إلى أسفل سافلين.
فكأنه - تعالى - يقول: إن الذى فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين خلقاً وإيجاداً. وصنعاً وتدبيراً، وقضاء وتقديراً، فيجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة, وأن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به من عند ربه - عز وجل -.
وقد روى الإِمام الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"من قرأ منكم {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ...} ثم انتهى إلى قوله - تعالى - {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين" .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.