التفاسير

< >
عرض

فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
-سبأ

خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ ..} [سبأ: 16] أي: عن المأمور به، وهو { كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ .. } [سبأ: 15] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم - على حدِّ زعمهم - وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم؛ لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها.
وفَرْق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي: غرَّته النعمة؛ لذلك قال تعالى:
{ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا .. } [الإسراء: 16].
فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال:
{ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ .. } [القصص: 78] ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة.
وفي موضع آخر لخَّص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله سبحانه
{ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [النحل: 112].
وقال في قوم سيدنا نوح عليه السلام:
{ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } [الجن: 16].
إذن: صيانة النعمة بشكرها والاعتراف بها كلها منسوبة إلى المنعِم سبحانه، وحتى نحن على مستوى البشر نقول: فلان هذا حافظ للجميل، فنزيده ولا نبخل عليه بجميل آخر وآخر، فما بالك بالحق سبحانه وتعالى؟!
وكلمة الإعراض تُعطِي شيئاً فوق الإهمال وفوق النسيان؛ لأن الإعراض أنْ تنصرف عن مُحدِّثك وتعطيه جانبك كما تقول لمَنْ لا يعجبك حديثه (اعطني عرض كتافك).
إذن: الإعراض تَرْك متعمَّد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور مُعْفىً عنها، قد رفعها الله عنَّا رحمة بنا، فربُّك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل.
واقرأ إنْ شئتَ قول ربك:
{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ } [طه: 124].
لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشدُّ على خلاف أنْ تكون معتنياً بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأيِّ سبب آخر.
ويقول تعالى أيضاً في الإعراض:
{ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ .. } [فصلت: 51] وسوف يأتي الجزاء على قدر الإعراض، كما بيَّن الحق سبحانه في قوله: { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ .. } [التوبة: 34-35].
كما نقول: أنت ربيتَ مَنْ سيقتلك فيما بعد، كذلك هؤلاء كنزوا الأموال ليتمتعوا بها قليلاً في دنيا فانية، ثم يلاقون تبعة ذلك يوم القيامة، نار تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم، حتى يتمنى الواحد منهم - والعياذ بالله - لو أنه قلَّل منها حتى يُقلل من مواضع الكيِّ.
وتأمل هذا الترتيب: جباههم وجنوبهم وظهورهم، فسوف تجده نفس ترتيب الإعراض عن المحتاج الذي سأل صاحب المال في الدنيا، فأول ما يراه يشيح عنه بوجهه، ثم يعطيه جانبه، ثم يدير إليه ظهره، فيأتي الجزاء من جنس العمل وبنفس تفاصيله.
فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ..} [سبأ: 16] أي: بعد أن انهار سدُّ العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك اللهُ قومَ نوح، وبه أهلك فرعونَ وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيُحيى، وللهلاك فيُهلك.
وبعد أنْ أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقِرَب، وكأن الماء أحدث لديهم (عقدة).
وهذه القضية القديمة لها عندنا قصة حديثة: كنا ونحن في الأزهر نلبس (القفاطين) و (الكواكيل)، وكان لنا زميل حالته رقيقة، وكان لا يملك إلا (كاكولة) واحدة لبسها حتى بليت وتمزقت، فكان يمدّ يده من وقت لآخر إلى مكان القطع ويحاول أن يداريه، حت صارت عادة عنده، ثم رزقه الله بأخ له توظف واشترى له (كاكولة) جديدة، فلما لبسها صارت يده تمتد إلى نفس الموضع، وتحاول ستر القطع الغير موجود في الجديدة، فقال له أحد الزملاء: ما لك؟ فقال: القديمة رعباني.
والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشرَّبت منه قَدْر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أنْ نبحث عن مصادر الماء لا بُدَّ أنْ نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا، واقرأ:
{ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي .. } [هود: 44].
فالأمر الأول للأرض أنْ تبلع الماء وتتشرَّبه، ثم يا سماء أمسكي ماءك؛ لذلك إذا تشبَّعت الأرض بالماء نقول: الأرض (عنِّنت) يعني: امتلأت بالمياه الجوفية، فإنْ كانت أرضاً زراعية لا تُخْرِج زرعاً، وإن كانت في المدن أضرَّت بالمباني، وفاضتْ في الشوارع وكسرت المواسير ... إلخ، ويعرف أهمية الصرف مَنْ يتعاملون مع الأرض.
وسيل العَرِم منسوب إلى العرم، وله إطلاقات متعددة، فالعرم هي الحجارة التي تُبنى بها السدود، أو هو الجُرْذ (الفأر) الذي نقب السد، وأحدث به فجوة نفذ منها الماء، فوسّعها وجعلها عيناً.
وقد رأينا ما فعله الماء في تحطيم خط بارليف، حيث هدى الله أحد مهندسينا جزاه الله خيراً إلى فكرة استخدام ضَخِّ الماء بقوة لإزالة الساتر الترابي الذي كان عقبة في طريقنا للاستيلاء على هذا الخط المنيع وتحطيمه، وفعلاً كانت فكرة أدهشتْ العالم كله.
والعَرِم جمع مفرده عرمة مثل لَبِن ولبنة، لكن اللبن هو الطوب (النىّ) أو الطين، أما العرم فهو الطوب المتحجر.
ثم يقول سبحانه: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ..} [سبأ: 16] من صفاتهما أنهما {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ..} [سبأ: 16] يعني: أبدلهم الله بالجنتين السابق وصفهما بجنتين أُخْريين، لكن ثمارهما {أُكُلٍ خَمْطٍ ..} [سبأ: 16] يعني: ثمر مُرّ تعافُه النفس، وأشجارهما {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 16].
والأثل: هو شجر الطرفاء، وهو قليل النفع لا ثمر له، والسدر: هو شجر النبق المعروف، وهو شجر قليل الفائدة. فكيف يُسمى هذا جنة؟ قالوا: سماها الحق جنة على سبيل التهكم، وإلا فليس في الجنة مثل هذا الشجر. ونلحظ أن الحق سبحانه رحيم بهم حتى في العقاب، فلم يجعلها خاوية ولا شيء فيها.
ثم يقرر الحق تبارك وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا {ذَٰلِكَ ..} [سبأ: 17] يعني: ما سبق ذِكْره من الأكل الخمط والأثل والسدر {جَزَيْنَاهُمْ ..} [سبأ: 17] أي: جزاءً لهم {بِمَا كَفَرُواْ ..} [سبأ: 17] والكفر سَتْر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون من جَهْدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في
{ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ .. } [سبأ: 15] وما أطاعوا في { وَٱشْكُرُواْ لَهُ .. } [سبأ: 15].
ثم يُنزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [سبأ: 17] وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلاَّ الكفور أي: المُصِرّ على الكفر المتمادي فيه.
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً...}.