التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً
٢٩
-النساء

خواطر محمد متولي الشعراوي

وعندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت خلقه إلى أن يؤمنوا به يلفتهم إلى الكون، ويلفتهم إلى ما خلق الله من ظواهر ليتأكدوا أن هذه الظواهر لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن قادر عليم حكيم، فإذا ما انتهوا إلى الإيمان به استقبلوا التكليف الذي يتمثل في افعل كذا ولا تفعل كذا، فحين يخاطبهم بالتكليف يجعل لأمر التكليف مقدمة هي أنك ألزمت نفسك في أن تدخل إلى هذا التكليف، ولم يرغمك الله على أن تكون مكلفاً، وإنما أنت دخلت إلى الإيمان بالله باختيارك وطواعيتك، وما دمت قد دخلت على الإيمان باختيارك وطواعيتك فاجعل إيمانك بالله حيثية كل حكم يحكم به الله عليك، من افعل كذا ولا تفعل كذا، ولا تقل: لماذا أفعل كذا يا رب، ولماذا لا أفعل كذا يا رب؟ بل يكفي أن تقول: الذي آمنت به إلهاً حكيماً قادراً هو سبحانه مأمون على أن يأمرني وأن ينهاني. ولذلك يجيء الحق دائماً قبل آيات التكليف بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النساء: 29] فهو لم يكلف مطلق الناس، وإنما كلف مَنْ آمن به.
إذن فحين يكلف من آمن به لا يكون قد اشتط وجار عليه لأنه قد آمن به بمحض اختياره.
وإذا لفتَّ إنسانا ونبهته وأمرته بأمر تكليفي مثل صَلِّ، أو امتنع عن فعل المنكر فقال لك:
{ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ .. } [البقرة: 256] هنا يجب أن تقول له: أنت لم تفهم معنى قول الحق: { لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ .. } [البقرة: 256] فأصل التدين والإيمان بالله ألاّ يكرهك أحد عليه، بل ادخل إلى الإيمان بالله باختيارك، لكن إذا دخلت إلى الإيمان بالله فالتزم بالسماع من الله في "افعل" و "لا تفعل" فحين يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النساء: 29] فهو يعطينا حيثيات التكليف، أي علة الحكم. فعلّة الحكم أنك آمنت بالله آلهاً حكيماً قادراً. وما دمت آمنت بالله إلهاً حكيماً قادراً فسلم زمام الأوامر والنواهي له سبحانه، فإن وقفت في أمر بشيء أو نهي عن شيء فراجع إيمانك بالله.
إذن فقوله:
{ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ .. } [البقرة: 256] أي أنك حر على أن تدخل في الإيمان بالله أو لا تدخل، لكن إذا ما دخلت فإياك أن تكسر حكماً من أحكام الله الذي آمنت به، وإن كسرت حكماً من أحكام الله تدخل معنا في إشكال ارتكاب السيئات أو الذنوب.
والأحكام التي سبقت للذين آمنوا هي أحكام تعلقت بالأعراض وبإنشاء الأسرة على نظام طاهر نقي كي يأتي التكاثر تكاثراً نقياً طاهراً، وتكلمت الآيات عن المحرمات من النساء وكذلك المحللات؛ وها هو ذا سبحانه يتكلم عن المال، وهو الذي يقيم الحياة، والمال كما نعرف ثمرة الجهد والمشقة، وكل ما يتمول يعتبر مالاً، إلا أن المال ينقسم قسمين: مال يمكن أن تنتفع به مباشرة، فهناك مَنْ يملك الطعام، وآخر يملك الشراب، وثالث يملك أثواباً، وهذا نوع من المال ينتفع به مباشرة، وهناك نوع آخر من المال، وهو "النقد" ولا ينتفع به مباشرة، بل يُنتفع به بإيجاد ما ينتفع به مباشرة.
وهكذا ينقسم المال إلى رزق مباشر ورزق غير مباشر. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة الحياة، لأنه بحماية حركة الحياة يغري المتحرك بأن يتحرك ويزداد حركة. ولو لم يحم الحق حركة الحياة، وثمرة حركة الحياة فماذا يقع؟ تتعطل حركة الحياة.
وإننا نلاحظ أن كل مجتمع لا يؤمن فيه على الغاية والثمرة من عمل الإنسان تقل حركة العمل فيه، ويعمل كل واحد على قدر قوته. ويقول لنفسه: لماذا أعمل؟ لأنه غير آمن. لكن إذا كان آمناً على ثمرة حركته يغريه الأمن على ماله على أن يزيد في حركة العمل، وحين تزيد حركة العمل فالمجتمع ينتفع وإن لم يقصد المتحرك. فليس ضرورياً أن يقصد الإنسان بكل حركته أن ينفع المجتمع. لا، اجعله يعمل لنفع نفسه.
لقد ضربنا هذا المثل سابقاً: إنسان مثلاً عنده آلاف الجنيهات وبعد ذلك وضعها في خزانة ثم تساءل: لماذا أضعها في خزانة؟ لماذا لا أبني بها بيتاً آخر وأكري منه شقتين، فسيأتيني منه عائد؟ هل كان المجتمع في بال مثل هذا الإنسان؟ لا، إن باله مشغول بمصلحته؛ لذلك فلنجعل مصلحة كل إنسان في باله، وهنا سيستفيد المجتمع بحركته قصد أو لم يقصد. لأنه ساعة يأتي ليحفر الأساس سيعطي أناساً أجورهم؛ وساعة يأتي بالطوب يشتريه بثمن، وساعة يبني يعطي المهندس والعمال أجورهم؛ لذلك أقول: اعمل لنفسك في ضوء شرع الله، وسينتفع المجتمع قهراً عنك.
ومن العجيب أنك تريد أن تنفع نفسك فيُبَيِّن لك ربنا: أنت ستنفع غيرك قبل أن تنتفع بعائد المنزل الذي بنيته، ولا تظن أن أحداً سيأخذ رزق ربنا ولن يجريه على الخلق، لا، إن المجتمع سينتفع بالرغم منك.
إذن فمن حظ المجتمع أن نصون حركة الحياة. ونؤمن كل متحرك في الحياة على ماله. لكن إن كنا حاكمين يجب أن تكون أعيننا مبصرة: أيكسب من حلّ أم لا؟ فإذا كان الكسب حلالاً نشكره، أما إذا كان يكسب من حرام، فنحن نسائله، وإن عمل على غير هذا توقفت حركة الحياة، وإن توقفت حركة الحياة فهذا أمر ضار بالذين لا يقدرون على الحركة، لماذا؟ لأن الله قسم المواهب على الناس، فليس كل واحد من الناس يملك الطموح الحركي، ولا يملك كل إنسان فكراً يخطط به، فقد لا يكون في المجتمع إلا قلة تخطط، والباقون هم جوارح تنفعل للفكر المخطط، والفكر يعمل لجوارح كثيرة، فكذلك يكون هناك مفكر واحد هو الذي يضع خطة ينتفع بها الكثير من الناس.
إذن فلا بد أن نرعى حركة المتحرك وننميها؛ لأن المجتمع ينتفع منها، وإن لم يقصد المتحرك إلا مصلحة نفسه، صحيح أن الذي ليس في باله إلا نفسه إنما يحبط ثواب عمله، وصحيح أن مَنْ يضع الناس في باله إنما يُعطي ثمرة عمله ويأخذ ثواباً أيضاً من الله.
والحق سبحانه وتعالى يأتي في مسائل المال ويوضحها توضيحاً تامّاً ليحمي حركة الحياة ويُغري الناس بالحركة - وبذلك يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29] وساعة تجد أمراً لجماعة في جمع مأمور به فقسّم الأفراد على الأفراد.
مثال ذلك: عندما نقول لجماعة: اركبوا سياراتكم أي: ليركب كل واحد منكم سيارته، والمدرس يدخل الفصل ويقول للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي أن كل تلميذ عليه أن يخرج كتابه. فمقابله الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، وقول الحق: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ ..} [النساء: 29] فهذا أمر لجمع. {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29] أيضاً جمع، فيكون معناه: لا يأكل كل واحد ماله، وكيف لا يأكل كل واحد منكم ماله؟ - يوضح الحق: {بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29]. فيكون مطلوباً من كل واحد منكم ألا يأكل ماله بالباطل. والإنسان يأكل الشيء لينتفع به. والحق يوصيك ويأمرك: إياك أن تصرف قرشاً من مالك وتضيعه إلا في حق، هذا إذا كنا سنقابل المفرد، فلا يأكل واحد منكم ماله بالباطل، بل يوجهه إلى الأمر النافع، الذي ليس فيه حرمة، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة.
وإذا كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر، فسنوضحه بالمثل الآتي: لنفترض أن تلميذاً قال لمدرسه: يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع. فيقول الأستاذ للتلاميذ: لا تسرقوا أقلامكم، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول: لا يسرق كل واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه، إذن فيكون المعنى الثاني: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]، أي لا يأكل كل واحد منك مال أخيه بالباطل.
وكيف يقول: {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]؟ وما دام مالهم فليس عليهم حرج؟ لا؛ لأن معناها المقصود: لا يأكل كل واحد منكم مال أخيه. ولماذا لم يقل ذلك وقال: {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]؟ لأن عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خُلِقت على أن تكون آكلة، وطائفة خُلِقت على أن تكون مأكولة، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلاً لمال غيره؛ ومرة أخرى يكون ماله مأكولاً. فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف يأكل غيري مالي. فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضاً، فكأنه سبحانه عندما يقول لك: لا تأكل مالك إنما ليحمي لك مالك.
إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعاً واحداً، ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل. وأنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك. وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترئ المجموع على مالك. وأنت ساعة تأكل مال واحد تجرِّيء آلاف الناس على أن يأكلوا مالك. وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك.
{لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} وكلمة "أكل" معناها: الأخذ؛ لأنّ الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة؛ لأنها الظاهرة المتكررة، فقد تسكن في بيت واحد طوال عمركن وتلبس جلباباً كل ستة أشهر، لكن أنت تتناول الأكل كل يوم، وحينما نزلت الآية قال المسلمون: نحن لا نأكل أموالنا بالباطل. وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم. وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح أن أكل التكارم ليس بالباطل - أنزل الله قوله:
{ { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً .. } [النور: 61].
هذه رفعت عنهم الحرج، إنما ساعة سمعوا أكل الباطل قالوا: لا آخذ حاجة من أحد إلا بمقابل.
وما هو "الباطل"؟. الباطل هو أن تأخذ الشيء بغير حقه. مثال ذلك الربا، لأن معنى "ربا" أن واحداً عنده فائض وآخر يحتاج، والمحتاج ليس عنده الأصل أنطلب منه أن يرد الأصل وزيادة، ويعطي الزيادة لمَنْ عنده؟
كيف يتأتّى هذا؟ هذا هو الآخذ بالربا، أو الأخذ بالسرقة، بالاختلاس أو بالرشوة أو بالغش في السلع، كل ذلك هو أكل مال بالباطل، وساعة تريد أن تأكل مالاً بالباطل؛ كأنك تريد أن تتمتع بثمرة عمل غيرك، وأنت بذلك تتعود على التمتع بثمرة عمل غيرك، وتضمحل عندك قدرة العمل ويصير أخذك من غيرك. أخذاً لماله كَرْهاً وبغير وجه حق وبذلك تتعطل حركة متحرك في الحياة وهو ذلك العاطل "البلطجي"، ويخاف المتحرك في الحياة وهو مَنْ تُفرض عليه الإتاوة فيقل ويضعف نشاطه في الحياة، كيف يكون شكل هذا المجتمع؟ إن المجتمع في هذه الحالة سيعاني من كرب وصعوبات في الحياة.
فقوله سبحانه: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29] هو أمر لكل مسلم: لا ترابِ، ولا تسرق، ولا تغش، ولا تدلس، ولا تلعب ميسراً، ولا تختلس، ولا ترتش؛ لأن كل هذه الأمور هي أكل أموال بالباطل. وعندما ندقق في مسألة لعب الميسر نجد أمراً عجيباً؛ فالذين يلعبون الميسر يدعون أنهم أصدقاء، وينتظر بعضهم بعضاً ويأكلون معاً، وكل واحد منهم يجلس أمام الآخر وهو حريص أن يأخذ ما في جيبه، فأي صداقة هذه؟
إذن فساعة يقول الحق: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..}، وساعة يأمرك الحق: إياك أن يصعب عليك التكليف؛ لأنه شاق عليك، ولكن قدر ما يأخذه منك التكليف من تضييق حركة تصرفك، وما يعطيك التكليف من تضييق حركة الآخرين، الحق قال لك: لا تأخذ مال غيرك لكي لا يأخذ غيرك مالك، وبذلك تكسب أنت ويكسب كل المجتمع، فحين يصدر أمر لإنسان أن يكف يده عن السرقة فهو أمر للناس جميعاً كي يكفوا عن سرقة هذا الإنسان؛ لذلك فحين تستقبل أي حكم عن الله لا تنظر إلى ما أخذه الحكم من حريتك، ولكن انظر إلى ما أخذه الحكم لصالحك من حرية الآخرين.
ومثال ذلك: حين يوضح الحق وينهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية فإياك أن تمد عينك إلى محارم غيرك، هو أمر لا يخصك وحدك، ولكنه أمر لملايين الناس ألا يمدوا عيونهم إلى محارمك، وعندما توازن الأمر فأنت الذي تكون أكثر كسباً.
إنني لذلك أقول دائماً: لا تنظر إلى ما في التكليف من مشقة أو إلى ما أُخذ منك، ولكن انظر فيه إلى ما يعطى لك؛ فإن نظرت هذه النظرة وجدت كل تكليف من الحق هو ربح لك أنت. وإلا لو أننا أطلقنا يدك في الناس جميعاً لا بد أن تقدر أننا نطلق أيدي الناس جميعاً فيك. وأنت إذا أطلقت يدك في الناس فلن تؤثر فيهم مثلما يؤثرون فيك لو أطلقوا أيديهم فيك فيما يخصك، فمن مصلحتك ألا تطلق يدك في الناس.
{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ..} [النساء: 29] وكلمة {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ..} [النساء: 29] أي إلاّ في النفعية المتبادلة تبادل الأعواض، فشيء عوض شيء. وجاءت التجارة؛ لأن التجارة هي الحلقة الجامعة لأعمال الحياة؛ فالتاجر هو وسيط بين مَنْ ينتج سلعة ومَنْ يستهلكها. والسلع في حركتها إنتاج واستهلاك. والإنتاج قد يكون زراعياً أو صناعياً أو خدمياً. إذن فالتجارة جامعة لذلك كله.
وكلمة {عَن تَرَاضٍ ..} [النساء: 29] تدل على أن رضا النفس البشرية في الأعواض مشروط، حتى ما أخذ بسيف الحياء يكون حراماً؛ لذلك أقوال: على كل واحد أن يغربل إيمانه، وينظر هل حياته في أعواض الأموال وأعواض التجارة وأعواض المبادلات مستوية أو غير مستوية؟ فإن لم تكن مستوية؛ فعلية أن يفكر فيها قليلاً حتى يُعطي كل ذي حق حقه. وحتى لا يدخل في دائرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" .
ويتابع الحق: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] وهنا أيضاً مقابلة جمع بجمع، ويعني: لا يقتل كل واحد منكم نفسه، وهذا ما يفعله المنتحر - ولا يقتل نفسه إلا إنسان وجد نفسه في ظرف لا يستطيع في حدود أسبابه أن يخرج منه. ونقول له: أنت نظرت لنفسك كإنسان معزول عن خالق أعلى، لكن المؤمن لا يعزل نفسه عن خالقه؛ فساعة يأتيه ظرف فوق أسبابه ولا يقوى عليه فعليه أن يفكر: وهل أنا في الكون وحدي؟ لا، إن لي ربّاً. وما دام لي رب فأنا لا أقدر وهو - سبحانه - يقدر، وهنا يطرد فكرة الانتحار؛ لأن المنتحر هو إنسان تضيق أسبابه عن مواجهة ظروفه فيقتل نفسه.
وإن فائدة الإيمان أنه ساعة يأتي ظرف عليك وتنتهي أسبابك تقول: إن الله لن يخذلني وهو يرزقني من حيث لا أحتسب، ويفتح لي أبواباً ليست في بالي، وضربنا مثلاً كي نقرب المعنى، وقلنا: هب أن إنساناً يسير في الطريق ومعه "جنيه واحد" في جيبه، ثم ضاع الجنيه، وليس في بيته إلا هو؛ لذلك يحزن جداً على ذلك الجنيه. لكن مَنْ يضيع منه "جنيه" وعنده في البيت خمسة "جنيهات" فالمصيبة تكون خفيفة، كذلك مَنْ فقد أسبابه فعليه أن يخفف الأمر على نفسه فلا ييأس، فَلِمَ يقتل نفسه؟ الله يقول في الحديث القدسي:
"بادَرَني عبدي بنفسه حرمت عليه جنتي" .
وهل أنت مَنْ وهبت الحياة لنفسك؟ لا، ولذلك فواهب الحياة هو الذي يأخذها، ومَنْ ينتحر لا يدخل الجنة، لأنه لم يتذكر أن له إلهاً. ولنذكر هنا موقف قوم موسى عليه السلام عندما خرجوا، وطاردهم قوم فرعون. فماذا قال قوم موسى؟ قالوا: { { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [الشعراء: 61].
وهذا كلام صحيح فأمامهم البحر ومن ورائهم فرعون، وهم قد قالوا ذلك بأسبابهم وبشريتهم. لكن ماذا قال سيدنا موسى.
{ { قَالَ كَلاَّ .. } [الشعراء: 62].
و "كلا" هذه نفي، وكيف يقول موسى: "كلا" وما رصيدها؟ إنه لم يقل: "كلا" ببشريته، ولكن قالها برصيده من الإيمان بالإله العظيم فقال:
{ { كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 62].
إذن فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] أي ولا يقتل كل واحد منكم نفسه؛ لأنك لا تقتل نفسك إلا إذا ضاقت أسبابك عن مواجهة ما تعانيه، وهذا يدل على أنك عزلت نفسك عن ربك، ولو ظللت على الإيمان بأن لك خالقاً لانفرجت عنك الكروب، وأي مسألة تأتي تقول:
{ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 62].
إن الإيمان يعطيك صلابة استقبال الصعاب. وقد تأخذ {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] معنى آخر أي، ولا تؤدوا بأنفسكم لأن تقتلوا، أي لا تلق بنفسك إلى التهلكة، أو {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] على أن المؤمنين هم وحدة إيمانية، أو أنّ المشرع لهذه الوحدة قال: الذي يَقْتَل يُقْتَل فإياك أن تقتل نفسك، أي لا تقتل غيرك حتى لا يصير الأمر إلى أنك تَقْتُل نفسك لأنه سيقتص منك.
فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] يعني: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى القتل، ويحنن الحق الإنسان على نفسه وليس على الناس فحسب، فلا يقول لك: لا تَقْتُل حتى لا تُقْتَل، لأنه سبق أن قال:
{ { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 179].
وعندما يعرف القاتل أنه إن قَتَلَ يُقْتَل، فهو يتجنب ذلك، ونلحظ أن الحق قال في آية أخرى:
{ { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ .. } [النور: 61].
وهل أنا سأسلم على نفسي أو على الناس الداخل عليهم؟ إن الإنسان يسلم على هؤلاء الناس، وعندما تقول: "السلام عليكم"، يعني الأمان لكم. فسيقولون لك: "وعليكم السلام" فكأنك قد سلمت على نفسك. أو أن الحق قد جعل المؤمنين وحدة واحدة، ومعنى "وحدة" يعني أن ما يحدث لواحد يكون للكل.
إذن فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] أي ولا يقتل واحد منكم نفسه، فتصلح {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] بمعنى: ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن ينتحر، هذه واحدة، ولا يقتل واحدٌّ منكم نفسه بأن يلقي بها إلى التهلكة، أو لا يقتل واحد منكم نفسه بأن يقتل غيره فيقتل قصاصاً، أو لا تقتلوا أنفسكم يعني: لا يقتل أحد منكم نفس غيره لأنكم وحدة إيمانية وليس واحداً بعينه هو المأمور بل الكل مأمور، فلا يقتل واحد منكم نفس غيره.
ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]. وبالله، ساعة ينهاني الحق عن أن أقتل نفسي أو أقتل غيري، أليست هذه منتهى رحمة الصانع بصنعته؟ إنها منتهى الرحمة.
ويقول سبحانه بعد ذلك:
{وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً ...}.