التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ
٣٢
-محمد

خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن هؤلاء لم يكتفوا بأنْ كفروا في أنفسهم، بل تعدَّوْا ذلك {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 32] منعوا الناس أنْ يؤمنوا بالله ووقفوا في وجه الدعوة وحاربوها.
ثم {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ ..} [محمد: 32] يعني: خالفوه وعادوه، بحيث كانوا في شق وهو في شق {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ..} [محمد: 32] أي: الحق الواضح. والنتيجة {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ..} [محمد: 32].
فهذه كلها محاولات فاشلة لن تغني عنهم شيئاً، ولن تؤثر في مسيرة الدعوة، لماذا؟ لأن الحق سبحانه ما كان ليبعث رسولاً إلى الخلق ثم يُسلمه إليهم ليقتلوه، هذه سنة من سنن الله في الكون لم يقتل رسول.
نعم أخبرنا الحق سبحانه عن بني إسرائيل أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ولم يُقلْ الرسل:
{ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [البقرة: 91] وتأمل هنا كلمة {مِن قَبْلُ} فليس لأحد من اليهود أو حتى من المسلمين أنْ يقول أنه من الممكن أن اليهود يقتلون رسول الله كما قتلوا أنبياءهم، لأن هذا القتل كان قبل محمد.
إذن: اطمئنوا لن ينالوا من رسول الله شيئاً، فهذه الآية أحدثتْ اطمئناناً عند المسلمين ويأساً عند الكافرين من هذه المسألة، وهم بالفعل قد حاولوا لكن هيهات لهم ذلك.
ثم إن كفره في نفسه له جزاء، وصده لغيره عن الإيمان له جزاء آخر، لأنه ضَلَّ وأضل، ونفهم من كلمة {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 32] أن سبيل الله طريقٌ معتدل مستقيم يجذب الناس إليه بالمنطق المعتدل، وبحلو الكلام، وبالأسلوب الجميل الشيق الذي تلين له القلوب رغم غلظتها.
فطبيعي من الكافرين أنْ يقفوا على هذه الطريق يمنعون الناس عن الإيمان وعن سماع القرآن، لذلك حكى القرآن عنهم قولهم:
{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26] فهم على يقين من أن سماع القرآن سيؤثر فيهم ويعطف قلوبهم إليه.
ولم يكتفوا بعدم السماع، إنما
{ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ .. } [فصلت: 26] شوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى أسماع الآخرين، ذلك لأنهم أهل لغة وأهل فصاحة يتذوّقون الألفاظ والأساليب وينفعلون لها.
وقوله تعالى: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32] يعني: يبطلها ويجعلها غير ذات جدوى، ومعنى (أعمالهم) أي: أعمالهم في الصدِّ عن سبيل الله، أو أعمالهم الخيّرة التي فعلوها في الدنيا، ومن أعمالهم أنهم كانوا ينفقون الأموال؛ ليصدُّوا الناسَ بها عن الحق.
وفي هذا يقول الله تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ .. } [الأنفال: 36].
فقد أنفقوا أموالهم دون فائدة أخذها الناسُ منهم وضحكوا عليهم، كما يحدث عندنا مثلاً في الانتخابات، يشترون الأصوات بالأموال، فيأخذ الناسُ الأموالَ ولا يعطونم أصواتهم لأنهم لا يستحقونها.
القسم الثاني من أعمالهم بعد المال هو القتال، والقتال له واقع في صراعهم مع الحق، والله يدعوهم: يا مَنْ تحملون السلاح لتشاقّوا الرسول، اعتبروا من الواقع الذي أمامكم:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .. } [الرعد: 41] ألم يروا أنَّ أرض الإسلام كلّ يوم في ازياد، وأرض الكفر كل يوم في انحسار ونقصان.
وفي بدر يقول سبحانه:
{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ .. } [الأنفال: 7] طائفة العير التي تحمل البضائع والأموال وكان حُراسها قليلين، وطائفة النفير التي خرجتْ لحماية القافلة والتي كان يقودها أبو سفيان.
فكان المسلمون يريدون طائفة العير التي فيها الأموال، لكن لله تعالى شأن آخر، هم يريدون المال، والله يريد إحقاقَ الحق وإعلاء كلمته ودحر الكفر، وحتى لا تكون هناك شبهة تُؤخذ على المسلمين، وأنهم ما خرجوا إلا للمال والغنائم التي تُعوِّض خسارتهم في مكة.
يقول تعالى:
{ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ .. } [الأنفال: 7] أي: العير { وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 7-9].
نعم لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه واستغاثه:
"اللهم نصْرك الذي وعدتني، اللهم إنْ تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض" وسيدنا أبو بكر يقول للرسول: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك.
وكان صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى النصر على طائفة النفير ذات الشوكة لأنه لا يريد المال، إنما يريد أنْ يُحقَّ الحق ويُزهقَ الباطل، وعلى مقدار الصبر يكون المدد من الله، فإنْ أردتَ أنْ تكبِّر المدد فكبّر الصبر وكبّر الرضى وكبّر العزيمة.
الله تعالى لو شاء لانتصر منهم بدون قتال، لكن أراد أنْ تُقاتلوهم لتُظهروا قوتكم وتفوّقكم عليهم
{ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } [التوبة: 14] ولو هزمهم بآية كونية من عنده سبحانه لقالوا: ظاهرة طبيعية كونية، لا قدرة لنا عليها.
كذلك في يوم حنين
{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } [التوبة: 25].
فلما اغتر المسلمون بكثرة العدد لقَّنهم درساً يُؤدِّبهم به، وتفوق عليهم أعداؤهم، ثم تداركهم برحمته، وكتب لهم النصر في نهاية المعركة، ففي نفس اللقاء أدَّب المؤمنين برسول الله، وأدَّب الذين شاقوا رسول الله.
وهذا يُعلِّمنا درساً هو أن الهزيمة للمؤمنين، ليست لهوانهم على الله، إنما تربية لهم ليُصحِّحوا المفاهيم ويُعدِّلوا المسيرة، وهذا الدرس واضح في غزوة أُحُد كما تعلمون.
فلما خالفوا أوامر القائد هُزموا، ولو انتصروا في هذه الغزوة لَهانَ عليهم بعد ذلك أمر رسول الله، ولقالوا: خالفنا أوامره في أُحُد وانتصرنا.
لذلك يقولون في هذه الغزوة: هُزِم المسلمون وانتصر الإسلام. إذن أحبط اللهُ أعمالهم في الجانبين، جانب المال، وجانب القتال.