التفاسير

< >
عرض

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ
١
مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
٢
لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
٣
قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٤
بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ
٥
مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
٦
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٧
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ
٨
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ
٩
لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ
١١
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ
١٢
لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
١٣
قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
١٤
فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ
١٥
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
١٦
لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ
١٧
بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
١٨
وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
٢٠
أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ
٢١
لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٢٢
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
٢٣
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
-الأنبياء

الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم

لمَّا أوهمهم بالتربص، أخبرهم بقرب الموعدِ، فقال:
{ بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * ٱقْتَرَبَ }: قَربَ { لِلنَّاسِ }: الكفار، { حِسَابُهُمْ }: بالنسبة إلى ما مضى، أو عند الله تعالى { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ }: عنه { مُّعْرِضُونَ }: عن التأهب له، { مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ }: طائفة من القرآن، { مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ }: تنزيله لتكرير عظتهم { إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ }: يستهزءون به { لاَهِيَةً }: ذاهلة وطالبة للهو، { قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى }: بالغوا في إخفائها، { ٱلَّذِينَ }: بدل من الواو، { ظَلَمُواْ }: قائلين: { هَلْ } ما { هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ }: فرسالته محال ومعجزته سحر، { أَفَتَأْتُونَ }: تتبعون، { ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }: أنه سحر، { قَالَ }: أو قال الرسول { رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ }: كائنا { لْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }: فلا يخفي عليهم نجواهم، { بَلْ قَالُوۤاْ }: بعضهم هو { أَضْغَاثُ }: أخاليطُ، { أَحْلاَمٍ }: الرؤيا كما مرَّ، وبعضهم، { بَلِ ٱفْتَرَاهُ }: وبعضهم، { بَلْ هُوَ شَاعِرٌ }: كلامه شعري خيل إلى السامع معاني بلا حقيقة، { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ }: بها { ٱلأَوَّلُونَ }: كالعصا { مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن }: أهل { قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ }: بتكذيبهم { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ }: لو جئتهم بها فلا نأتي بها لئلا بها يستأصلوا كما مر، { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ }: رد لقولهم "هل هذا إلا بشر" .. إلى آخره { فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ }: الكتاب، { إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }: أن الرسل بشرٌ فالمشركون إن قالوا : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه، لكن تواتر النقل يفيد العلم للكل، { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ }: الرسل، { جَسَداً }: جسما ذا لون أو تركيب { لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ }: في الدنيا، والملكُ لصفائه منزهٌ عن اللون والتركيب والموت فيها، { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ }: المؤمنين منهم، ومن في إبقائه حكمة كترقب إيمانه أو إيمان ذريته { وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ }: بتكذيبهم { لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ }: يا قريش { كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }: عِظتكم أو وصيتكم، { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }: فتؤمنوا { وَكَمْ قَصَمْنَا }: كسرنا وأهلكنا { مِن }: أهل، { قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً }: كأهل حنظلة -عليه السلام- إذ بعث إلى بعض أهل اليمن فقتلوه { وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا }: مكانهم، { قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّآ أَحَسُّواْ }: أدركوا، { بَأْسَنَآ }: شدة عذابنا إذْ سُلّط عليهم بختنصر فدمرهم { إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ }: دوابهم يهربون بسرعة فتقول لهم الملائكة: { لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ }: نُعّمتم، { أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ }: من أموالكم فتمنعون من شئتم أو تشاورون في المهام "فلما رأوا بأسنا" العذاب، { قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ }: هلاكنا كما مر، { إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِلْكَ }: المقالة، { دَعْوَاهُمْ }: يدعون بها { حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً }: كزرع محصودٍ { خَامِدِينَ }: ميتين، { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ }: بل تبصرةً وتذكرةً لكم { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً }: ما يلهى به كالزوجة والولد، { لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ }: ممَّا يليق بحضرتنا، لا مثل المسيح وأمه، { إِن كُنَّا فَاعِلِينَ }: لهوا، { بَلْ نَقْذِفُ }: نرمي { بِٱلْحَقِّ }: الذي من جملته الجد، { عَلَى ٱلْبَاطِلِ }: الذي منه اللهو، { فَيَدْمَغُهُ }: يمحقه، استعارة عن شق دماغ حيوان يرمى بشيءٍ صلب { فَإِذَا هُوَ }: الباطل، { زَاهِقٌ }: هالك، { وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }: الله تعالى به مما لا يليق بعزته { وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُلاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ }: في محل كرامته من الملائكة، { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ }: يعيون، { يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }: إذ التسبيح لهم كالتنفس لنا { أَمِ }: بل، { ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً }: كائنةً { مِّنَ ٱلأَرْضِ }: كالحجر، { هُمْ يُنشِرُونَ }: يحيون الموتى، قل: { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ }: غير الله، وصف للتأكيد لا للتخصيص، ولا يجوز البدلية لأنه في موجب، { لَفَسَدَتَا }: إشارة إلى برهان التمانع وتقريره: أن تعدد الألهين يستلزم إمكان تخالفهما، وإلاَّ لم يكونا أو أحدهما مختارا والإله يجب كونه مختارا، إمكان التخالف يستلزم إمكان أحد ثلاثة، إنجاح مراد كل منهما أو عدمه أو أحدهما فقط، والكل مُحالٌ؛ لاجتماع النقيضين أو عجزهما، أو عجز أحدهما إمكان المحال محال، { فَسُبْحَانَ }: تنزيه { ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ }: المحيط بجميع الأجسام، { عَمَّا يَصِفُونَ }: من الشريك، { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ }: لتفرده بسلطانه { وَهُمْ يُسْأَلُونَ }: فإنهم عبيدهُ { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً }: كرَّره استفظاعاً { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ }: على ذلكَ { هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ }: أُمتي يعني القرآن { وَذِكْرُ مَن قَبْلِي }: الكتب السماوية، هل يجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ }: لا يُميزون بينه وبين الباطل، { فَهُمْ مُّعْرِضُونَ }: عن التوحيد