التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ
١٦
إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ
١٧
مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
١٨
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
١٩
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢
وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
٢٣
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
٢٤
مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ
٢٥
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ
٢٦
قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
٢٧
قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ
٢٨
مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ
٢٩
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ
٣٠
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
٣١
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢
مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ
٣٣
ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ
٣٤
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
٣٥

الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ}: الباء صلة {نَفْسُهُ}: أي: ما تحدثونه على سبيل الوسوسة {وَنَحْنُ}: بعلمنا {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}: المخالط لأجزائه وهو عرقٌ في العنق، وقيل غير ذلك، وهو لغةً: أعمُّ من الشرايين النابتة من القلب والأوردة النابتة من الكبد، وهذا مثل في نهاية القرب {إِذْ يَتَلَقَّى}: يأخذ ويثبت الملكان {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ}: ما يلفظه {عَنِ ٱلْيَمِينِ}: قعيد {وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ}: أفاد بقربه علما غناه عن استحفاظهما فحكمته تشديد تَثبيطِنا عن المعصية ونحو ذلك {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}: حتى أنينه فر مرضه {إِلاَّ لَدَيْهِ}: ملك {رَقِيبٌ}: يرقبه {عَتِيدٌ}: حاضره واعلم أن صاحب الشِّمال كاتب المباح فتنبه، وفي الحديث: "إنَّ كاتب الحسنات أمين على كاتب السَّيئات، فإذا عمل حنسةً كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال لصاحبه: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر" ، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ}: شدة {الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}: الذي أنكرتموه من أمور الآخر فالباء للتعدية، وأتى بالماضي لقربها {ذَلِكَ}: الموت {مَا كُنتَ}: يا إنسان {مِنْهُ تَحِيدُ}: تفر {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}: للبعث وقت {ذَلِكَ يَوْمُ}: وقت إنجاز {ٱلْوَعِيدِ * وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا}: ملكان {سَآئِقٌ}: إلى المحشر ثم إلى مقعده، و{وَشَهِيدٌ}: على أعماله، يقال للكافر: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا}: اليوم {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ}: الحاجب لأمور المعاد فعاينتها {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}: يدرك ما أنكرته في الدنيا {وَقَالَ قَرِينُهُ}: الملك الموكل عليه في الدنيا {هَـٰذَا}: الكتاب لأعمالك {مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}: حاضر، فيقال للسائق والشهيد {أَلْقِيَا}: أيها الملكان، أو المخاطب واحد، والتثنية لتكرير الفعل {فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}: معاند {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ}: المال أو الإسلام {مُعْتَدٍ}: ظالم {مُّرِيبٍ}: شاك في دينه {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ}: لما قال: رب إن الملك زاد علي في الكتابة {قَالَ قرِينُهُ}: الملك { رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ}: ما زدت عليه فيها {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}: عن الحق والاستئناف؛ لأنه جواب محذوف بخلاف الأول {قَالَ}: الله تعالى: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} على لسان رسلي {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}: بتعذيبكم ودلائل عفو العصاة تخصيص لا تبديل {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ}: ذو ظلم {لِّلْعَبِيدِ}: بتعذيب من لا يستحق وقد مر بيانه، اذكر {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ}: بأصحابك {وَتَقُولُ}: جهنم {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}: تطلب الزيادة أو تستبعدها أو ليس لي مزيد {وَأُزْلِفَتِ}: قربت {ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ}: بطي المسافة بينهما إكراماً لهم كائنة {غَيْرَ بَعِيدٍ}: منهم بحيث يرونها، والتذكير لمعنى البستان، يقال لهم: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ}: بدل من المتقين {أَوَّابٍ}: رجاع إلى الله تعالى {حَفِيظٍ}: لحدوده {مَّنْ}: بدل آخر {خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}: في سره، أفاد بتخصيص الرحمن أنهم يخشونه مع علمهم بسعة رحمته، والخشية: الخوف إلا أنه لوحظ في الأول ضفع الخاشي، وفي الثانية عظمة المخشي والهيبة ملحوظة في تقاليب (خ.ش.ي) {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}: راجع إلى الله تعالى، يقال لهم: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ}: من الله تعالى أو سالمين {ذَلِكَ يَوْمُ}: تقدير {ٱلُخُلُودِ}: في النعم {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}: على مشيئتهم.