التفاسير

< >
عرض

سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ
١
وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً
٢
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً
٣
وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً
٤
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً
٥
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
٦
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً
٧
عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً
٨
إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
٩
وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٠
وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً
١١
وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً
١٢
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً
١٣
ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
١٤
مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً
١٥
وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً
١٦
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً
١٧
مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً
١٨
-الإسراء

النهر الماد

{بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ} الآية سبب نزولها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش الإِسراء به وتكذيبهم له فأنزل الله تعالى ذلك تصديقاً له وهذه السورة مكية إلا آيات اختلف فيها ذكرت في البحر ومناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما أمره بالصبر ونهاه عن الحزن عليهم وأن يضيق صدره من مكرهم وكان من مكرهم نسبته إلى التكذيب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه به أعقب تعالى ذلك بشرفه وفضله واحتفائه به وعلو منزلته عنده وتقدم الكلام على سبحان في البقرة، وأسرى بمعنى سرى وانتقل من ضمير الغيبة في قوله بعبده إلى ضمير المتكلم في قوله لنريه والظاهر أن هذا الإِسراء كان بشخصه ولذلك كذبت قريش به وشغبت عليه، والمسجد الأقصى بيت المقدس وسمي الأقصى لأنه كان في ذلك الوقت أقصى بيوت الله الفاضلة من الكعبة.
و{ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} صفة مدح لإِزالة اشتراك عارض وبركته بما خص به من الخيرات الدينية كالنبوة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر والدنياوية من كثرة الأشجار والأنهار وطيب الأرض وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس وفي إضافته تعالى عبده لضميره تشريف عظيم وكثيراً ما أتى الشريف بلفظ العبد كقوله تعالى
{ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } [ص: 30، 44] و { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [الحجر: 42، الإسراء: 65] { وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ } [ص: 45] " ويروى أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء بعد صلاة العشاء وقال مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال مالك قالت: أخشى أن يكذبك قومك بأن أخبرتهم قال: وإن كذبوني فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإِسراء فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال الى أبي بكر رضي الله عنه فقال إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا أتصدقه على ذلك قال إني لأصدقه على أبعد من ذلك" فسمي الصديق ومنهم من سافر إليه فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظره وينعته لهم فقالوا أما النعت فقد أصاب وقالوا أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم هذه والله الشمس طلعت فقال آخر هذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشاً أيضاً بما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
{إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوال محمد.
{ٱلبَصِيرُ} بأفعاله وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب في أنه وآتينا معطوف على الجملة السابقة من تنزيهه سبحانه وبراءته من السوء ولا يلزم من عطف الجمل المشاركة في الخبر أو غيره ولما ذكر تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بالإِسراء وإراءته الآيات ذكر تشريف موسى صلى الله عليه وسلم بإِيتائه التوراة والكتاب هنا التوراة والظاهر عود الضمير في وجعلناه على الكتاب وأن لا تكون تفسيرية ولا نهي وأن يكون مصدرية تعليلاً أي لأن لا تتخذوا واو نفي وانتصب ذرية على النداء أي يا ذرية قرأت فرقة ذرية بالرفع وخرج على أن تكون بدلاً من الضمير في تتخذوا على قراءة من قرأ بياء الغيبة * قال ابن عطية ولا يجوز في القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت ضربتك زيداً على البدل لم يجز انتهى ما ذكره من إطلاق أنك لا تبدل من ضمير مخاطب يحتاج إلى تفصيل وذلك أنه إن كان في بدل بعض من كل وبدل اشتمال جاز للإِخلاف وإن كان من بدل شىء من شىء وهما يعني واحدة فإِن كانت تفيد التوكيد جاز بلا خلاف نحو مررت بكم صغيركم وكبيركم وإن لم تفد التوكيد فمذهب جمهور البصريين المنع ومذهب الأخفش والكوفيين الجواز وهو الصحيح لو جوز ذلك في كلام العرب * وقد استدللنا على صحة ذلك في شرح التسهيل وذكر من حملنا مع نوح تنبيهاً على النعمة الي نجاهم الله بها من الغرق والظاهر أن الضمير في أنه عائد على نوح صلى الله عليه وسلم أي كونوا موحدين شاكرين لنعم الله مقتدين بنوح الذي أنتم ذرية من حمل معه.
{وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية قضى يتعدى بنفسه إلى مفعول كقوله تعالى:
{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } [القصص: 29] ولما ضمن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإِلى أي أوحينا أو أنفذنا إلى بني إسرائيل في القضاء المحتوم المبتوت واللام في لتفسدن جواب قسم فإِما أن يقدر محذوفاً ويكون متعلق القضاء محذوفاً تقديره وقضينا إلى بني إسرائيل فسادهم في الأرض وعلوهم ثم أقسم تعالى على وقوع ذلك وأنه كائن لا محالة فحذف متعلق قضينا وأبقى منصوب القسم المحذوف ويجوز أن يكون قضينا أجري مجرى القسم ولتفسدن جوابه كقولهم قضاء الله لأقومن مرتين أولاهما قتل زكريا ونشره في الشجرة بالمنشار والثانية حبس أرميا حين أنذرهم سخط الله.
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي موعود أولاهما والوعد قد سبق بذلك والموعود هو العقاب والضمير في أولاهما عائد على المرتبين.
{عِبَاداً لَّنَآ} قال ابن عباس غزاهم سنحاريب وجنوده ملك بابل وقيل بخت نصر وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم يعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم فلما انصرف الجيش ذكر للملك الأعظم فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه واستمر حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك والبعث هنا الإِرسال والتسلط.
{أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي قتال وحرب شديد لقوتهم ونجدتهم وكثرة عددهم وعددهم.
{فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} أسند الجوس وهو التردد خلال الديار بالفساد إليهم لتخريب المساجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم.
{وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي منجزاً ما وقع به الوعد من العقاب.
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} هذا إخبار من الله لبني إسرائيل في التوراة وجعل رددنا موضع ندد اذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي * والكرة الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليهم حين تابوا ورجعوا عن الفساد ملكوا بيت المقدس وقيل الكرة قتل بخت نصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم وذكر في سبب ذلك أن ملكاً غزا أهل بابل وكان بخت نصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وبقي بقيتهم عنده ببابل في الذل فلما غزاهم ذلك الملك وغلب على بابل تزوج امرأة من بني إسرائيل وطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه وانتصب نفيراً على التمييز فقيل النفير والنافر واحد وأصله من ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته وجواب وإن أسأتم قوله فلها على حذف مبتدأ أولها خبره تقديره فالإِساءة لها.
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي المرة الآخرة في إفسادكم وعلوكم وجواب إذا الأولى تقديره بعثناهم عليكم وإفسادهم وقرىء:
{لِيَسُوءُواْ} بلام كي وياء الغيبة وضمير الجمع والغائب العائد على المبعوثين وقرىء: لنسوء بالنون التي للعظمة وفيها ضمير يعود على الله والظاهر أنه أريد بالوجوه الحقيقية لأن آثار الأعراض النفسانية في القلب تظهر على الوجه ففي الفرح يظهر الاسفار والاشراق وفي الحزن يظهر الكلوح والغبرة ويحتمل أن يعبر عن الجملة بالوجه فإِنهم ساؤهم بالقتل والسبي والنهب فحصلت بالإِساءة للذوات كلها.
{وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} أي مسجد بيت المقدس ومعنى:
{كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال وهذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتل ولا قتال ولا نهب.
{وَلِيُتَبِّرُواْ} أي يهلوا وقال قطرب يهدموا * وقال فما الناس إلا عاملان فعامل * يتبر ما يبنى وآخر رافع والظاهر أن مفعوله يتبروا أي يهلكوا ما غلبوا عليه من الاقطار ويحتمل أن تكون ما ظرفية أي مدة استيلائهم.
{عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد المرة الثانية إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي وإن عدتم إلى المعصية مرة ثالثة عدنا إلى العقوبة وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الاتاوة عليهم وعن الحسن عادوا فبعث الله محمداً فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ثم ذكر ما أعد لهم في الآخرة وهو جعل جهنم له حصيراً والحصير السجن أو المحبس * قال لبيد:

ومقامه غلب الرجال كأنهم جن لدى باب الحصير قيام

والذي يظهر بأنها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول رحيمة وعليمة ولكنه على معنى النسب كقوله تعالى: { السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [المزمل: 18] أي ذات انفطار.
{إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي} الآية لما ذكر من اختصه بالإِسراء وهو محمد صلى الله عليه وسلم ومن آتاه التوراة وهو موسى صلى الله عليه وسلم وأنه هدى لبني إسرائيل وذكر فيها ما قضى عليهم من التسلط عليهم بذنوبهم كان ذلك رادعاً من عقل عن معاصي الله فذكر ما شرف الله به رسوله من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي وأنه يهدي للطريقة التي هي أقوم والذي يظهر من حيث المعنى أن أقوم هنا لا يراد بها التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وإنما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة وغيرها من الطرق ليست مستقيمة كما قال تعالى:
{ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ } [البينة: 5].
{وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} عطف على قوله ان لهم أجراً كبيراً بشروا بفوزهم بالجنة وبكينونة العذاب الأليم لأعدائهم الكفار إذ في علم المؤمنين بذلك وتبشيرهم به مسرة لهم فهما بشارتان وفيه وعيد للكفار * قال الزمخشري: فإِن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفرة ولم يذكر الفسقة قلت: كان الناس حينئذٍ إما مؤمن تقي وإما مشرك وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك. "انتهى". هذه مكابرة بل قد وقع في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين هنات وسقطات بعضها مذكور في القرآن وبعضها في الحديث الصحيح الثابت.
{وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ} قال ابن عباس وغيره: نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في أوقات الغضب والضجر * ومناسبتها لما قبلها أن بعض من لا يؤمن بالآخرة كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة كقول النضر: فأمطر علينا حجارة من السماء الآية وكتب ويدع بغير واو على حسب السمع والإِنسان هنا ليس واحداً معيناً والمعنى أن في طباع الإِنسان إذا ضجر وغضب دعا على نفسه وأهله وماله بالشر أن يصيبه كما يدعو بالخير أن يصيبه ثم ذكر تعالى أن ذلك من عدم تثبته وقلة صبره وكونه خلق كثير التسرع لما يرد على قلبه لا يتأتى ولا يستبصر.
{وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} الظاهر أن آيتين هو المفعول الأول والليل والنهار ظرفان في موضع المفعول الثاني أي وجعلنا في الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلماً لا يستبان فيه شىء كما لا يستبان ما في اللوح المحفوظ وجعلنا آية النهار مبصرة أي يبصر فيه الأشياء ويستبان ومعنى:
{لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً} أي: من فضله أي: لتتوصلوا إلى استبانة أعمالكم وتصرفكم في معايشكم والحساب للشهور والأيام والساعات ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة آية النهار وكل شىء مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم.
{فَصَّلْنَاهُ} بيناه تبييناً غير ملتبس والظاهر أن نصب وكل شىء على الاشتغال.
{طَآئِرَهُ} أي أن جميع ما يلقى الإِنسان من خير وشر فقد سبق به القضاء وألزم خطه وعمله ومكسبه في عنقه معبر عن الخط والعمل إذ هما متلازمان بالطائر.
وقرىء: {وَنُخْرِجُ} بنون مضارع أخرج.
{كِتَاباً} بالنصب وعن أبي جعفر ويخرج بالياء مبنياً للمفعول كتاباً أو يخرج الطائر كتاباً وعنه أيضاً كتاب الرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله.
و{يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} صفتان لكتاب ويجوز أن يكون منشوراً حالاً من مفعول يلقاه.
{ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ} معمول لقول محذوف أي يقال له اقرأ كتابك وقال قتادة يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئاً.
و{بِنَفْسِكَ} فاعل كفى والباء زائدة على سبيل الجواز لا اللزوم ويدل عليه أنه إذا حذفت ارتفع ذلك الإِسم بكفى كقول الشاعر:

ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء فجرا

و{ٱلْيَوْمَ} منصوب بكفى وعليك يتعلق بحسيباً ومعنى حسيباً حاكماً عليك بعلمه وحسيباً منصوب على التمييز لجواز دخول من عليه والحسيب بمعنى المحاسب ومعناه حافظاً عليك عملك ولذلك عدى بعلى.
{مَّنِ ٱهْتَدَىٰ} الآية قيل نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسود وفي الضلال إلى الوليد بن المغيرة وتقدم تفسير ولا تزر في آخر الأنعام.
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية فيها نتفاء التعذيب ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى:
{حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} فيكذب ولا يؤمن بما جاء به من عند الله وانتفاء التعذيب أعم من أن يكون في الدنيا بالهلاك وغيره من العذاب أو في الآخرة بالنار فهو يشملهما.
{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} الآية لما ذكر تعالى أنه لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً بين بعد ذلك علة أهلاكهم وهي مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمادي على الفساد والفسق وأراد هنا حقيقته وأن نهلك يعني في الدنيا وقرىء:
{أَمَرْنَا} بتخفيف الميم من الأمر ومفعول أمر محذوف تقديره أمرنا بالطاعة.
{مُتْرَفِيهَا} ويجوز أن تكون أمرنا بمعنى كثرنا تقول العرب أمر القوم بكسر الميم أي كثروا وأمرهم الله بفتح الميم أي كثرهم فصارت الحركة يصير بها الفعل متعدياً تقول العرب شترت عني الرجل بكسر التاء والقول الذي حق عليهم هو وعيد الله الذي قاله رسولهم * والتدمير الاهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء مع هلاك أهلها وقرىء: آمرنا بالمد أي كثرنا عدى أمر بالهمزة بمعنى كثرنا وقرىء: أمرنا بالتشديد أي جعلناهم أمراء أو بمعنى كثرنا وكم في موضع نصب على المفعول بأهلكنا أي كثيراً من القرون أهلكنا ومن القرون بيان لكم وتمييز له كما تميز العدد بالجنس والقرون عاد وثمود وغيرهم ويعني بالإِهلاك هنا الإِهلاك بالعذاب وفي ذلك تهديد ووعيد لمشركي مكة وقال من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم لأن نوحاً صلى الله عليه وسلم أول نبي بالغ قومه في تكذيبه وقومه أول من حلت بهم العقوبة العظمى وهو الاستئصال بالطوفان وتقدم القول في عمر القرن ومن الأولى للتبيين والثانية لابتداء الغاية وتعلقاً بأهلكنا لاختلاف معنييهما وكفى بربك إنما يجيء في الأغلب في مدح أو ذم وإعراب كفى بربك كإِعراب كفى بالله وبذنوب عباده تنبيه على أن الذنوب هي أسباب الهلكة.
و{خَبِيرَاً بَصِيراً} تنبيه على أنه عالم بها ومعاقب عليها ويتعلق بذنوب بخبيراً أو بصيراً.
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} قيل نزلت في المنافقين كانوا يغزون مع المسلمين لا للثواب ومن شرطية وجوابه عجلنا له فيها ما نشاء فقيد المعجل بمشيئة ما نشاء تعجيله ولمن نريد بدل من قوله له بدل بعض من كل لأن الضمير في له عائد على من الشرطية وهي في معنى الجمع ولكن جاءت الضمائر هنا على اللفظ لا على المعنى وجعلنا بمعنى صيرنا والمفعول الأول جهنم والثاني له لأنه ينعقد منهما مبتدأ وخبر ويصلاها حال من الضمير في له أو من جهنم.
{مَذْمُوماً} إشارة إلى الإِهانة.
{مَّدْحُوراً} إشارة إلى البعد والطرد من رحمة الله تعالى وهما حالان من الضمير المستكن في يصلاها.