التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٧
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ
١٩٨
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٩
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ
٢٠٠
وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
٢٠١
أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٢٠٢
وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٠٣
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ
٢٠٤
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ
٢٠٥
-البقرة

النهر الماد

{ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} على المخالفة.
{ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} لما أمر بإِتمام الحج والعمرة وكانت العمر لا وقت لها معلوم بين أن الحج له وقت معلوم فظهر بها مناسبة ما قبل الآية والحج مبتدأ وأشهر خبره وليس أشهر وهو الزمان الحج وهو المصدر فالتقدير أشهر الحج أو وقت الحج أو التقدير حج أشهر أو لما كان يقع فيها اتسع فجعل إياها على سبيل المجاز قال ابن عطية: ومن قدر الكلام في أشهر فيلزمه مع سقوط حرف الجر بنصبها أصل "انتهى".
ولا يلزم نصب الأشهر مع سقوط حرف الجر كما ذكر ابن عطية لا ناقد ذكرنا أنه يرفع على الاتساع وهذا لا خلاف فيه عند البصريين أعني أنه إذا كان ظرف الزمان نكرة خبراً عن المصادر أن يجوز فيه عندهم الرفع والنصب وسواء كان الحدث مستغرقاً للزمان أو غير مستغرق واما الكوفيون فعندهم في ذلك تفصيل وهو أن الحدث إما أن يكون مستغرقاً للزمان فيرفع ولا يجوز فيه النصب أو غير مستغرق فمذهب هشام أنه يجب فيه الرفع تقول ميعادك يوم وثلاثة أيام وذهب الفراء في هذا الموضع أنه لا يجوز نصب الأشهر لأن شهراً نكرة غير محصورة وهذا النقل مخالف لما نقلنا نحن عنه فيمكن أن يكون له القولان قول البصريين وقول هشام وأشهر جمع قلة وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة كله على ظاهر الجمع وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم كابن مسعود وعطاء ومالك.
قال الزمخشري: فإِن قلت كيف كان الشهران وبعض الشهر أشهراً قلت اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى:
{ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [التحريم: 4] فلا سؤال فيه إذن داعا كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل ثلاثة أشهر معلومات "انتهى كلامه". وما ذكره الدعوى فيه عامة وهو أن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد وهذا فيه النزاع والدليل الذي ذكره خاص وهو فقد صغت قلوبكما وهذا لا خلاف فيه ولا طلاق الجمع في مثل هذا على التثنية شروط ذكرت في النحو وأشهر ليس من باب فقد صغت قلوبكما فلا يمكن أن يستدل به عليه وقوله: فلا سؤال، فيه إذن ليس بجيد لأنه قد فرض السؤال بقوله: فإِن قلت وقوله: وإنما، كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل ثلاثة أشهر معلومات ولا فرق عندنا بين أشهر وبين قوله ثلاثة أشهر لأنه كما يدخل المجاز في لفظ أشهر كذلك يدخل المجاز في العدد ألا ترى إلى ما حكاه الفراء له اليوم يومان لم أره، قال: وإنما هو يوم وبعض يوم آخر، وإلى قول امرىء القيس: ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال على ما قدمناه ذكره وإلى ما حكي عن العرب ما رأيته منذ خمسة أيام وان كنت قد رأيته في اليوم الأول واليوم الخامس فلم يشمل الانتفاء خمسة الأيام جميعاً بل يجعل ما رأيته في بعضه وانتفت الرؤية في بعضه كأنه يوم كامل لم تره فيه فإِذا كان هذا موجوداً في كلامهم فلا فرق بين أشهر وبين ثلاثة أشهر لكن مجاز العدد ومعنى معلومات معروفات عند الناس وأن مشروعية الحج فيها إنما جاءت على ما عرفوه وكان مقرراً عندهم.
{فَمَن فَرَضَ} أي ألزم نفسه الحج واصل الفرض الحز الذي في السهم. والمراد بالفرض هنا ما يكون به المحرم محرماً وهو الإِهلال بالحج على خلاف فيما يدخل به المحرم في الحج مذكور في القصة وجاء فيهن وهو عائد على أشهر على الفصيح.
{فَلاَ رَفَثَ} أي الجماع ولا ما لا يليق ممن كان قلباً بالحج.
{وَلاَ فُسُوقَ} فسر هنا بفعل ما نهي عنه في الإِحرام في قتل صيد وحلق شعر والمعاصي كلها.
{وَلاَ جِدَالَ} أي مماراة المسلم حتى يغضبه وسبابه وما يسمى جدالاً للتغالب وحظ النفس وقرىء: برفع الثلاثة على الابتداء والخبر.
{فِي ٱلْحَجِّ} وجزم ابن عطية بأنها عملت عمل ليس ضعيف وقرىء: بنصب الثلاثة على المصدر ننصبها أفعال من لفظها وفي الحج متعلق بما شئت من الأفعال على تقدير الفتح في الثلاثة من غير تنوين وهذا بناء على قول الجمهور ولا والمبني معها موضع مبتدأ والخبر عنه في موضع رفع ولا عاملة في المبنى فهو في موضع نصب ومذهب الأخفش: أن لا عاملة عمل ان فالمبنى اسمها والخبر خبرها في موضع نصب، وقرىء: برفع الأولين وبالتنوين وفتح الثالث من غير تنوين فعلى مذهب سيبويه ان في الحج خبر عن الثلاثة عطف مبتدأ ومذهب الأخفش أنه لا يجوز أن يكون في الحج إلا خبراً عن الأولين أو خبر لاختلاف المعرب.
ولابن عطية والزمخشري في هذا الكلام تعقبناه عليها وذكرناه في البحر وهذه الجملة صورتها صورة الخبر والمعنى على النهي ومن فيمن شرطية أو موصولة والرابطة محذوف لفهم المعنى أي فلا جدال له في الحج أو فلا جدال في الحج له أو منه وعلى رأي الكوفيين تنوب آل عن الضمير أي في حجه وكرر في الحج للتعظيم والتفخيم ولم يأت التركيب فلا جدال فيه.
{وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} نصب على الخبر حثا على فعله وهو تعالى عالم بما يفعلونه من خير وشر وفي قوله: وما تفعلوا التفات ويعلمه اما على ظاهره أي فيثبت عليه أو عبر عن المجازاة بالعلم.
{وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} عن ابن عباس نزلت في ناس من اليمن يحجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون بحج بيت الله أفلا يطعمنا فيتوصلون بالناس وربما ظلموا وغضبوا فأمروا بالتزود وأن لا يظلموا ويكونوا كلاً على الناس والذي يدل عليه سياق ما قبل الأمر وما بعده أن يكون الأمر بالتزويد بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزاد إلى سفر الآخرة والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عما ينفي به النار ومفعول وتزودوا محذوف أي وتزود أو التقوى بدل عليه الإِظهار في خبر أن.
{وَٱتَّقُونِ} تحذير من ارتكاب ما تحل به العقوبة.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} ولما جاء الإِسلام تحرجت العرب من أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة فأباح الله لهم ذلك والفضل الأرباح التي تكون بسبب التجارة.
{فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ} عرفات علم اسم جبل وهو مؤنث حكى سيبويه هذه عرفات مباركاً فيها وهو مرادف لعرفة وتنوينه تنوين مقابلة وقيل تنوين صرف ولا يدل هذا الشرط على وجوب الوقوف بعرفات إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها لكن السنة والاجماع يدلان على ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفع من عرفات أعنق وإذا وجد فرجة نص والعنق سير سريع مع رفق والنصب سير سريع شديد فوق العنق.
{فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي اذكروه بالثناء والتضرع أو كني به عن الصلاة بالمزدلفة المغرب والعشاء والمشعر المعلم ووصف بالحرام لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما نهي عنه من محظورات الإِحرام وهذا المشعر يسمى جمعاً وهو ما بين جبلي المزدلفة من مفضى عرفة إلى بطن محسر وليس المأزمين ولا وادي محسر من المشعر الحرام والمأزم المضيق وهو مضيق واحد بين جبلين ثنوه لمكان الجبلين ولم تتعرض الآية لتعيين الذكر بالمزدلفة وعنه صلى الله عليه وسلم أنه لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقعاً حتى أسفر وعلى هذا يكون في الكلام مجلة محذوفة أي فإِذا أفضتم من عرفات ويتم بالمزدلفة فاذكروا الله عند المشعر الحرام.
{وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} الظاهر أنه تكرار قصد به التوكيد والكاف في كما للتشبيه أما نعت لمصدر محذوف أو نصب على الحال أو تكون الكاف للتعليل أي اذكروه وعظموه لهدايته السابقة لكم وقد ذكر سيبويه حاكياً كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي لأنه لا يعلم وأثبت كون الكاف للتعليل الأخفش وابن برهان ومن المتأخرين ابن مالك وما في كما مصدرية وجوز الزمخشري وابن عطية أن تكون كافة للكاف عن العمل وقد منع أن تكون الكاف مكفوفة بما عن العمل أبو سعد علي بن مسعود بن الفرخال صاحب المستوفى والهداية هنا هي خاصة أي في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو عامة تتناول أنواع الهدايات.
{وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ} أي ضالين من قبله أي من قبل الهدى الدال عليه كما هداكم.
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} ثم للترتيب في الذكر لا للترتيب في الزمان الواقع فيه الأفعال وحسن هذا ان لإِفاضة السابقة لم تكن مأموراً بها إنما كان المأمور به ذكر الله تعالى إذا فعلت والأمر بالذكر عند الفعل لا يدل على الأمر بالفعل ألا ترى أنك تقول إذا ضربك زيد فاضربه فلا يكون زيد مأموراً بالضرب فكأنه قيل ثم لتكن تلك الإِفاضة من عرفات وفي الحديث كان الحمس يقفون بالمزدلفة وكان من سواهم يقفون بعرفة فأنزل الله هذه الآية وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث بعرفة وهو من الحمس إلهاماً من الله وتوفيقاً إلى ما شرع وللزمخشري كلام في ثم دانها تكون للتفاوت والبعد.
قال: فإِن قلت فكيف موقع ثم قلت نحو موقعها من قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم تأتي بثم لتفاوت ما بين الإِحسان إلى الكريم والإِحسان إلى غيره وبعدما بينهما فلذلك حين أمرهم بالذكر عند الافاضة من عرفات قال: ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإِفاضتين وان أحدهما صواب والثانية خطأ "انتهى كلامه".
وليست الآية كالمثال الذي مثله وحاصل ما ذكر أن ثم تسلب الترتيب وانها لها معنى غيره سماه بالتفاوت والبعد لما بعدها مما قبلها ولم يجر في الآية أيضاً ذكر الافاضة الخطأ فتكون ثم في قوله: ثم أفيضوا، جاءت لبعد ما بين الافاضتين وتفاوتهما ولا نعلم أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثم والناس ظاهره العموم في المفيضين وقرىء: الناس بالياء وبتركها وفسر بآدم لقوله تعالى:
{ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ } [طه: 115].
قال ابن عطية: ويجوز عند بعضهم حذف الياء فيقول الناس كالقاضي والهاد قال: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه ظاهره أن ذلك جاز مطلقاً ولم يجزه سيبويه إلا في الشعر وأجازه القراء في الكلام وأما قوله: وأما جوازه مقرؤا به فلا أحفظه فكونه لا يحفظه قد حفظه غيره.
قال أبو العباس المهدوي: قرأ أفاض الناسي سعيد بن جبير وعنه أيضاً أفاض الناس بالكسر من غير ياء "انتهى". كلام المهدوي وفي هذه القراءة دليل على أن الافاضة من عرفات شرع قديم ولما حج أبو بكر توجه إلى عرفات فمر بالحمس وهم وقوف بجمع فلما ذهب ليجاوزهم قالوا له: يا أبا بكر أين تجاوزنا إلى غيرنا هذا موقف آبائك فمضى أبو بكر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفات وبها أهل اليمن وربيعة فوقف بها حتى غربت الشمس ثم أفاض بالناس إلى المشعر الحرام فوقف به فلما كان عند طلوع الشمس أفاض منه.
{وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أمر بطلب غفران الذنوب كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا في الموسم يتفاخرون ويذكرون مآثر آبائهم من قرى الضيف والشجاعة ونحر الجزر وفك العاني وجز النواصي وغير ذلك مما يفخرون به فنزل:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} الآية، ومعنى قضيتم أدّيتم وقرىء: مناسككم بالتفكيك وبالإِدغام والمعنى ابتهلوا بذكر الله والثناء عليه والهجوا بذكره كما يلهج المرء بذكر أبيه وأعربوا ذكراً تمييزاً بعد أفعل التفضيل فجعلوا الله ذكرا إذ التقدير أو ذكراً أشد ذكراً وذلك على سبيل المجاز كما قالوا شعر شاعر وجوزوا أن يكون أو شد معطوفاً على موضع الكاف فيكون منصوباً أو على ذكر المجرور فيكون مجروراً أي أو كذكر أشد ذكراً أو وصفاً في المعنى للذاكر منتصبة بفعل مضمر تقديره أو كونوا أشد ذكراً أو للذاكر المذكور منتصبه عطفاً على إياكم والتقدير أو قوماً أشد ذكراً من آبائكم ومعنى من آبائكم أي من ذكركم لآبائكم أو بجره عطفاً على الضمير المجرور بالمصدر أي أو قوم أشد ذكراً فهذه خمسة وجوه ضعيفة وقد ساغ لنا حمل الآية على معنى يتبادر إليه الذهن بتوجيه صحيح ذهلوا عنه وهو أن يكون أشد منصوباً على الحال وهو كان يكون نعتاً لذكرا لو تأخر فلما تقدم انتصب على الحال ألا ترى أنه لو تأخر لكان التركيب أو ذكراً أشد أي من ذكركم لآبائكم فصلت الحال بين حرف العطف والمعطوف وجاز ذلك لأن حرف العطف على أن أزيد من حرف ولأن الحال مفعول فيها فهي شبيهة بالظرف وحسن تأخير ذكراً لأنه كالفاصلة ولزوال التكرار إذ تقدم لكان التركيب فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو ذكراً أشد.
{فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ} هذا تقسيم للمأمورين بالذكر بعد الفراغ من المناسك وأنهم ينقسمون في سؤال الله تعالى إلى من يغلب عليه حب الدنيا فلا يدعو إلا بها ومنهم من يدعو بصلاح ماله في الدنيا والآخرة وهذا من الإِلتفات ولو جاء على الخطاب لكان التركيب فمنكم من يقول وحكمة هذا الإِلتفات أنهم لما واجهوا بهذا الذي لا ينبغي أن يسأله عاقل وهو الاقتصار على الدنيا فابرزوا في صورة غير المخاطبين بذكر الله بأن جعلوا في صورة الغائبين مفعول آتنا محذوف أي ما نريد ومطلوبنا وجعل في زائدة فتكون الدنيا المفعول الثاني أو جعل في بمعنى من تكون في موضع المفعول الثاني قولان ساقطان.
{وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي نصيب وهو اخبار بحاله في الآخرة حيث اقتصر في طلبه على الدنيا وأفرد الضمير في يقول حملاً على اللفظ وأتى بنون الجمع في آنا حملاً على المعنى الحسنة مطلقة وقد مثلوا الحسنتين بأنواع من حسنات الدنيا ومن حسنات الآخرة.
وقال ابن عطية: حسنة الآخرة الجنة بإِجماع.
{وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} من عطف شيئين على شيئين لا من باب الفصل بين حرف العطف والمعطوف بل هو من باب أعطيت زيداً درهماً وعمراً ديناراً ورأيت من زيد وداً ومن بكر جفوة.
{وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} سؤال بالوقاية من النار وهو أن لا يدخلوها إذ كان من يدخل النار ثم يدخل الجنة صدق عليه أنه أوقى في الآخرة حسنة فسألوا الوقاية من النار.
{أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} إشارة إلى الفريقين إذ لفظ نصيب ومما كسبوا مشترك بينهما ومن للتبعيض أي من جنس ما كسبوا أو للسبب.
{وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يعم محاسبة العالم كلهم.
{وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ} خطاب للحاج وهو مطلق والمراد التكبير عند رمي الجمرات في أيام معدودات لم تعين واختلفوا أهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر قاله ابن عباس أو يوم النحر ويومان بعده قاله عليّ أو يوم النحر وثلاثة أيام بعده.
{فَمَن تَعَجَّلَ} أي استعجل النفر أو بالنفر لأن تعجل يكون متعدياً أو غير متعد في.
{يَوْمَيْنِ} ليس على ظاهره بل على حذف أي في أصل يومين ويتعين أن يكون ذلك بعد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر لإِجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر أو يكون التقدير في تمام يومين وظاهر فمن تعجل العموم سواء كان مكياً أو آفاقياً وان التعجيل يكون بالنهار.
{فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} في التعجل أي لا حرج لما كان الأمر بالذكر في أيام وهي جمع ولم يستغرقها بالمقام وتعجل نفي عنه الحرج في الأخذ بالرخصة ثم نفى الحرج عمن تأخر في تركه الأخذ بالرخصة.
{لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} متعلق بنفي الاثم إذ من لم يكن متقياً لم يرتفع الاثم عنه وقد كملت أحكام الحج من ذكر وقته إلى آخر فعله وهو النفر وبدئت بالأمر بالتقوى وختمت به وتخلل الأمر بها في غضون الآي.
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} نزلت في الأخنس بن شريق واسمه أبي كان حلو اللسان والمنظر يظهر الإِسلام وحب الرسول عليه السلام ويحلف على ذلك وهو عليه السلام يدنيه ولا يعلم ما أضمر وكان من ثقيف حليفاً لبني زهرة ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قبل نوعي السائلين أتى بذكر نوعين من هو حلو المنطق يظهر الود يخالف باطنه لظاهره والآخر يبتغي رضى الله وقدم الأول هنا لأنه هناك مقدم وأحال على إعجاب قوله دون غيره من أوصافه لأن القول هو الظاهر منه أولاً وهو المذكور في قوله: "فمن الناس من يقول". والخطاب للرسول إذا كان التعجب معياً أو لمن كان مؤمناً إذ كان غير معين والإِعجاب استحسان منطقه بحلاوته وموافقته لمن يخاطبه. وفي الحياة متعلق بيعجبك أي يستحسن مقالته دائماً في مدة حياته إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف ومع ذلك أفعاله منافياً لأقواله.
{وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} قرىء: مضارع أشهد ونصب الجلالة أي يحلف بالله أنه صادق وقاتل حقاً ومحب في الرسول والإِسلام، وقرىء: يشهد مضارع شهد ورفع الجلالة أي يطلع الله عما في قلبه من الخبث والمكر ولا يعلم به أحد لشدة تكتمه.
{وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} اللدد شدة الخصومة يقال لددت تلدداً ولدادة ورجل ألد وامرأة لداء والخصام مصدر أو جمع خصم فالجمع يكون فيه ألد خبراً عن هو بلا تقدير والمصدر يحتاج إلى تقدير أي وخصامه أشد أو هو أشد ذوي الخصومة قال الزمخشري: والخصام المخاصمة وإضافة الألد بمعنى في كقولهم: ثبت العذر "انتهى".
يعني أن أفعل ليس من باب ما أضيف إلى ما هو بعضه بل هي إضافة على معنى في وهذا مخالف لما يزعمه النحاة من أن أفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو بعض له وفيه إثبات الإِضافة بمعنى في وهو قول مرجوح في النحو والجملتان الفعلية والإِسمية معطوفتان على صلة من فهما داخلان في الصلة.
{وَإِذَا تَوَلَّىٰ} أي ببدنه عن الذي يلين له القول ويلطف به والتولي حقيقة في الانصراف بالبدن.
{سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} أي مشى فيها والمتردد من جهةٍ إلى جهة.
{لِيُفْسِدَ فِيِهَا} علة لسعيه أي مقصوده في سعيه إنما هو الفساد.
{وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} عطف خاص على عام وجرد من العام لأنهما أعظم ما يحتاج إليهما في عمارة الدنيا والحرث الزرع والنسل ما يتولد من الأولاد من الناس والحدان. وقرىء: ويهلك مضارع أهلك ونصب لحرث والنسل ويهلك بضم الكاف على الاستئناف ويهلك مضارع هلك برفع الكاف ورفع ما بعده وكذا مع فتح اللام وهي لغة شاذة نحو ركن يركن والجملة الشرطية اما مستأنفة واما داخلة في الصلة ولما تقدمت جملتان الثانية مندرجة في الأولى قال تعالى:
{وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} فاكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية والفساد عام في الأرض ومال ودين وغير ذلك حتى أن بعض أهل العلم استدل به على منع الإِنسان شق ثوبه.