التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
-البقرة

النهر الماد

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ} إن كان المنادي أهل الكتاب، فالمعنى: آمنوا بالتوراة والانجيل ادخلوا.
{فِي ٱلسِّلْمِ} في الشرائع الاسلام. وفسر السلم: بالاسلام. وإن كان المنادى المسلمين فالمعنى: يا من آمن بقلبه وصدق ادخلوا في شرائع الاسلام والايمان وأجمعوا إلى الإِيمان الإِسلام، وهو ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام إذ قد فرق عليه السلام بين الحقيقتين. وقرىء بفتح السين وكسرها وانتصب.
{كَآفَّةً} على الحال. وذو الحال ضمير ادخلوا وكافة مما التزام نصبه على الحال نحو: قاطبة، ومعناه: جميعاً. (قال) الزمخشري: ويجوز أن يكون حالاً من السلم أي في شرائع الاسلام كلها أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. وقال ما نصه: ويجوز أن تكون كافة حالا من السلم لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب قال: السلم يأخذ منها ما رضيت به، والحرب يكفيك من أنفاسها جرع. على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها وان لا يدخلوا في طاعة دون طاعة أو في شعب الاسلام وشرائعه كلها وأن لا يخلّوا بشيء منها. وعن عبد الله بن سلام انه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل فلم يأذن له. وكافة: من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد. "انتهى".
وتعليله جواز أن تكون كافة حالاً من السلم. بقوله: لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ليس بشيء، لأن التاء في كافة وإن كان أصلها للتأنيث ليست فيها إذا كانت حالاً للتأنيث بل صار هذا نقلاً محضاً إلى معنى جميع وكل كما أو قاطبة أو عامة فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث كما لا يدل عليه كل ولا جميع، وتوكيده بقوله: أو في شعب الاسلام وشرائعه كلها هو الوجه الأول من قوله: بأن يدخلوا في الطاعات كلها فلا حاجة إلى هذا الترديد. (قال) ابن عطية: وقالت فرقة جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده فتستغرق كافة حينئذٍ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع فيكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى:
{ { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } [مريم: 27]. إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم قال بعد كلام ذكره وكافة معناه: جميعاً، والمراد بالكافة: الجماعة التي تكف مخالفيها. "انتهى". وقوله: فيكون الحال من شيئين، يعني من الفاعل في ادخلوا، ومن السلم وهذا الذي ذكره محتمل ولكن الأظهر أنه حال من الضمير الفاعل وذلك جائز يعني: مجيء الحال الواحد من شيئين. وفي ذلك تفصيل مذكور في النحو. وقوله نحو قوله: { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } [مريم: 27] يعني: أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت، ومن الضمير المجرور بالباء. وهذا المثال ليس مطابقاً للحال من شيئين لأن لفظة تحمله لا يحتمل شيئين ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كانت اللفظة تحتملهما واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين والاخبار بتلك الحال عنهما فمتى صح ذلك صحت الحال ومتى امتنع امتنعت. مثال ذلك قول الشاعر:

وعلقت سلمى وهي ذات مؤصد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا صغير لم نكبر ولم تكبر البهم

فصغيرين حال من الضمير في علقت ومن سلمى لأنه يصح أنه يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم. ومثله قوله:

خرجت بها نمشي تجر وراءنا

فنمشي حال من التاء في خرجت ومن الضمير المجرور في بها. ويصلح أن نقول: أنا وهي نمشي وهنا لا يصلح أن يكون تحمله خبراً عنهما. لو قلت: هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً نحو قوله: هند وزيد تكرمه، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أن يقدر إلا بمفرد فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال ولذلك أعرب المعربون في خرجت بها نمشي تجر وراءنا نمشي حالاً منهما وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة لأنه لو قيل: أنا وهي تجر وراءنا، لم يجز أن يكون تجر خبراً عنهما لأن تجر وتحمل إنما يقدران بمفرد أي حاملة، وجارّة. وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما وكافة لدلالته على معنى جميع يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في ادخلوا ومن السلم بمعنى شرائع الاسلام لأنك لو قلت الرجال والنساء جميع في كذا صح أن يكون خبراً. لا يقال: كافة لا يصح أن يكون خبراً. لا تقول: الزيدون والعمرون كافة في كذا. ولا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة كافة إذ لم يتصرف فيها بل التزم نصبها على الحال لكن مرادفها يصح فيه ذلك وقوله: والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها يعني: أن هذا في أصل الوضع ثم صار الاستعمال لها بمعنى جميعاً، كما قال هو وغيره: وكافة معناه جميعاً. وضم عين فعلة الاسم في الجمع بالألف والتاء لغة الحجاز فتقول: خطوات.