التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٢١
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٢٣
-البقرة

النهر الماد

{وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} نزلت في عبد الله بن رواحة أعتق أمة مسلمة وتزوجها فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في إحسانهم وفي أبي مرثد الغنوي أراد أن يتزوج عناق امرأة قرشية مشركة ذات جمال. وقرىء تنكحوا - بفتح التاء - ويطلق بمعنى العقد وبمعنى الوطء. وقرىء - بضمها - أي ولا تنكحوا أنفسكم المشركات. والمشركات هنا: الكفار، وهو عموم خصّ بجواز نكاح الكتابيات. وعن ابن عباس هو على عمومه فيحرم نكاح الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير دين الاسلام والآية على هذه محكمة ناسخة لآية المائدة متقدمة في النزول وإن تأخرت في التلاوة وبجواز نكاح الكتابيات. قال الجمهور:
{وَلأَمَةٌ} أي رقيقية.
{مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ} أي.
{مِّن} حرة.
{مُّشْرِكَةٍ} وعموم المشركات يقتضي منع نكاح الأمة الكافرة.
{وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا} الخطاب للأولياء أي المؤمنات. وأجمعت الأمة على أن الكافر لا يطأ المؤمنة بوجه مّا والنهي نهي تحريم ولو في الموضعين، بمعنى أن الشرطية. والواو في ولو للعطف على حال محذوفة، أي على كل حال ولو في هذه الحال المقتضية للرغبة في النكاح.
{أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} إشارة إلى الصنفين المشركات والمشركين والدعاء قد يكون بالقول أو بسبب المحبة والمخالطة تسوي إلى الطباع ما يحمل على الموافقة حتى في ترك قتال قومها الكفار فيؤدي ذلك إلى النار. وهذه العلة مانعة من نكاح الكفار. وعدي يدعو بالى ويتعدى باللام ومفعول يدعو محذوف، أي يدعونكم والله يدعوكم وتباين القسمين يؤكد منع مناكحة الكفار إذ يحرم إجابة الكافر ويجب إجابة دعاء الله، ولا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف أي وأولياء الله يدعون. كما قال الزمخشري بل حمله على الظاهر أوكد في التباعد من المشركين.
وقرىء {وَٱلْمَغْفِرَةِ} وبالجر أي يدعو إلى سبب المغفرة وهو التزام الطاعة والتوبة. وبالرفع أي والمغفرة حاصلة.
{بِإِذْنِهِ} وتيسيره.
{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} أي يظهرها جليّة لكل أحد رجاء أن يحصل بظهورها تذكر واتعاظ. وفي صحيح مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} ولما تضمن ما قبل هذه الآية إيثار مناكحة أهل الإِيمان بين حكماً عظيماً من أحكام النكاح وهو النكاح زمان الحيض، والمحيض مفعل، ويراد به المصدر أي الحيض. وعن ابن عباس هو مكان الدم وهو الفرج.
{قُلْ هُوَ} أي الحيض.
{أَذًى} وإن قلنا أنه موضع الحيض فيكون على حذف أي موضع أذى.
{فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} أي نكاح النساء في زمان الحيض أو في موضع الحيض. و{لا} تقربوهن كناية عن مباشرة النكاح.
وقرىء {يَطْهُرْنَ} مضارع طهر أي ينقين من دم الحيض. ويطهرن مضارع أطهر وهو ظاهر في الاغتسال بالماء. "فإِذا" تطهرن أي بالماء. قال الجمهور: تغتسل اغتسال الجنابة. وقال الأوزاعي: تغتسل مكان الدم بالماء فيبيح الوطء، وبه قال أبو محمد بن حزم.
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي من الجهة التي أمر الله وهي القبل لأنه المنهي عنه في الحيض. ولما كانت لهم حالة يرتكبونها حالة حيض النساء من مجامعة النساء وأخبر تعالى بالمنع من ذلك حالة الحيض أثنى على من امتثل أمره تعالى ورجع إلى ما شرع فقال:
{إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} وأبرز ذلك في صورتين عامتين ليندرج الأزواج والزوجات في ذلك وكرر الفعل ليدل على اختلاف الجهتين من التوبة والتطهر.
{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} في الصحيحين: إن اليهود كانت تقول في الذي يأتي امرأته في جهة دبرها في قبلها ان الولد يكون أحول. فنزلت: وكان في قوله فأتوهن من حيث أمركم الله تسويغ للإِتيان على سائر أحواله، فأكد بقوله:
{أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي كيف شئتم أي مقبلة ومدبرة، وعلى أي شق مضطجعة ونائمة وغير ذلك من الأحوال. شبه الجماع بالحرث إذ النطفة كالبذر والرحم كالأرض والولد كالنبات. فأنى تأتي بمعنى: كيف، وبمعنى متى، وبمعنى أين. وأنى تكون استفهاماً كقوله تعالى:
{ { أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } [آل عمران: 37]. وشرطاً لا جائز هنا أن تكون استفهاماً لأن جملتها لا تستقل بل هي محتاجة إلى ضميم وإذا كانت شرطاً فقد عدوها من ظروف المكان وهي من الجوازم ولكلاهما أعني إذا كانت استفهاماً أو شرطاً لا يعمل فيها ما قبلها، والذي يظهر أنها تكون شرطاً لافتقارها إلى جملة غير الجملة التي بعدها، وتكون قد جعلت فيها الأحوال كجعل الظروف المكانية وأجريت مجراها مستفهماً للحال بالظرف المكاني. وقد جاء نظير ذلك في لفظ كيف خرج به عن الاستفهام إلى معنى الشرط في قولهم: كيف تكون. أكون وجواب الجملة محذوف ويدل عليه ما قبله تقديره انى شئتم فاتوه.
{وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي الأعمال الصالحة وامتثال ما أمركم به.
{وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} أي ملاقوا جزائه على أعمالكم.
{وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بحسن العاقبة في الآخرة وفيه تأنيس عظيم.