التفاسير

< >
عرض

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
٩٠
وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
٩١
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ
٩٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ
٩٣
فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ
٩٤
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
٩٥
قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
٩٦
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٩٧
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٩٨
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ
٩٩
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ
١٠٠
وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ
١٠١
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٠٢
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٠٣
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٠٥
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٠٦
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٠٧
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٠٨
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٠٩
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١١٠
قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ
١١١
قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١١٢
إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
١١٣
وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٤
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١١٥
قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ
١١٦
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
١١٧
فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٨
فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
١١٩
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ
١٢٠
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٢١
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٢٢
كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٢٣
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٢٤
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٢٥
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٢٦
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٢٧
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ
١٢٨
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
١٢٩
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
١٣٠
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٣١
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
١٣٢
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ
١٣٣
وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
١٣٤
إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٣٥
قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ
١٣٦
إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ
١٣٧
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
١٣٨
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٣٩
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٤٠
كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٤١
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ
١٤٢
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٤٣
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٤٤
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٤٥
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ
١٤٦
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
١٤٧
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ
١٤٨
وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ
١٤٩
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٥٠
وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ
١٥١
ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ
١٥٢
قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ
١٥٣
مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
١٥٤
قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
١٥٥
وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥٦
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ
١٥٧
فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٥٨
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٥٩
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٦٠
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ
١٦١
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٦٢
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٦٣
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٤
أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٥
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ
١٦٦
قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ
١٦٧
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ
١٦٨
رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
١٦٩
فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
١٧٠
إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ
١٧١
ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ
١٧٢
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ
١٧٣
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٧٤
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٧٥
كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٧٦
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٧٧
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٧٨
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٧٩
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٨٠
أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ
١٨١
وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ
١٨٢
وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ
١٨٣
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ
١٨٤
قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ
١٨٥
وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
١٨٦
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
١٨٧
قَالَ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٨٨
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٨٩
-الشعراء

النهر الماد

{ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ } قربت لينظروا إليها ويغتبطوا بحشرهم إليها.
{ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ } أظهرت وكشفت بحيث كانت بمرأى منهم وجيء ذلك كله بلفظ الماضي في أتى وأزلفت وبرزت لتحقق وقوع ذلك وإن كان لم يقع والضمير في فكبكبوا عائد على الأصنام أجريت مجرى من يعقل من حيث ذكرت بعبادة وأسند إليها فعل من يعقل * والغاوون هم الكفرة الذين شملتهم الغواية.
{ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ } قبيله وكل من تبعه فهو جند له وعون والخطاب في إذ نسويكم للأصنام على جهة الإِعتراف والإِقرار بالحق.
{ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ } أي أصحاب الجرائم والمعاصي العظام والجرأة وهم ساداتهم وذوو المكانة في الدنيا والاستتباع كقولهم أطعنا سادتنا وكبراءنا الآية والظاهر أن لو أشربت معنى التمني وفتكون الجواب كأنه قيل يا ليت لنا كرة فنكون وقيل هي الخالصة للدلالة لما كان سيقع لوقوع غيره فيكون قوله فنكون معطوفاً على كرة أي فنكون من المؤمنين وجواب لو محذوف أي لكان لنا شفعاء وأصدقاء أو لخلصتا من العذاب والإِشارة بقوله ان في ذلك إلى قصة إبراهيم ومحاورته لقومه.
{ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم } أي أكثر قوم إبراهيم بين تعالى أن أكثر قومه لم يؤمنوا مع ظهور هذه الدلائل التي استدل بها إبراهيم عليه السلام وفي ذلك مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه إياه عليه الصلاة والسلام.
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية تقدم الكلام على قوم نوح.
{ أَلاَ تَتَّقُونَ } لما عرض عليهم تقوى الله برفق انتقل من العرض إلى الأمر فقال:
{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } في نصحي لكم وفيما دعوتكم إليه من توحيد الله وإقراره بالعبادة فشرع أشرافهم في تنقيص متبعيه وأن الحامل على انتفاء إيمانهم له كونه اتبعه الأرذلون وقوله:
{ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } جملة حالية أي كيف نؤمن وقد اتبعك أراذلنا فنتساوى معهم في اتباعك وكذا فعلت قريش في شأن عمار وصهيب والضعفاء أكثر استجابة من الرؤساء لأن أذهانهم ليست مملوءة بزخارف الدنيا فهم أدرك للحق وأقبل لهم من الرؤساء وقرىء وابتاعك جمع تابع كصاحب وأصحاب.
{ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا مشعر بأنهم طلبوا منه ذلك فأجابهم بذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله أن يطرد من آمن من الضعفاء فنزلت ولا تطرد الذين يدعون ربهم إي لا أطردهم عني لاتباع شهواتكم والطمع في إيمانكم ولما اعتلوا في ترك إيمانهم بإِيمان من هو دونهم دل ذلك على أنه لم تثلج صدورهم للإِيمان إذ اتباع الحق لا يأنف منه أحد لوجود الشركة فيه أخذوا في التهديد والوعيد.
{ قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ } عن تقبيح ما نحن عليه وادعائك الرسالة من الله تعالى.
{ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ } أي بالحجارة وقيل بالشتم وأيس إذ ذاك من فلاحهم فنادى ربه وهو أعلم بحاله.
{ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ } فدعائي ليس لأجل أنهم آذوني ولكن لأجل دينك.
{ فَٱفْتَحْ } أي فاحكم ودعا لنفسه ولمن آمن به بالنجاة وفي ذلك إشعار بحلول العذاب بقومه أي ونجني مما يحل بهم والمشحون المملوء بما ينبغي له من قدر ما يحمل يقال شحنها عليهم خيلاً ورجالاً.
{ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ } أي بعد نجاة نوح والمؤمنين.
{ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية وكان أخاهم من النسب وكان تاجراً جميلاً أشبه الخلق بآدم عليه السلام عاش أربعمائة سنة وأربعاً وستين سنة وبينه وبين ثمود مائة سنة وكانت منازل عاد ما بين عمان إلى حضرموت أمرع البلاد فجعلها الله جبالاً ورمالاً أمرهم أولاً بما أمر به نوح قومه ثم نعى عليهم من سوء أعمالهم مع كفرهم فقال:
{ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ } والريع بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهو المكان المرتفع وقال أبو عبيدة الريع أيضاً الطريق * والمصانع جمع مصنعة قيل وهي البناء على الماء ولما خوفهم عذاب الله وعقابه كان من جوابهم أن قالوا:
{ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ } وعظك وعدمه وجعلوا قوله وعظاً إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به وأنه كاذب فيما ادعاه وقولهم ذلك على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به.
{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية.
{ أَتُتْرَكُونَ } يجوز أن يكون إنكاراً لأن يتركوا مخلدين في نعيم لا يزولون عنه وأن يكون تذكيراً بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتبعون فيه من الجناة وغير ذلك مع الأمن والدعة والنخل والهضيم قال ابن عباس: إذا أينع وبلغ * من الجبال أي مغارات ليحفظوا أموالهم.
{ فَارِهِينَ } قال قتادة: آمنين وقيل غير ذلك * ومثلنا أي في الأكل والشرب وغير ذلك من صفات البشر فلا اختصاص لك بالرياسة.
{ فَأْتِ بِآيَةٍ } أي بعلامة على صحة دعواك وفي الكلام حذف تقديره قال آتي بها قالوا ما هي قال هذه ناقة * روي أنهم اقترحوا عليه ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة تلد سبقاً فقعد صالح يتفكر فقال له جبريل عليه السلام صل ركعتين وسل ربك بالناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سبقاً مثلها في العظم وتقدّم في الأعراف طرف من قصة ثمود والناقة والشرب النضيب المشروب من الماء نحو السقي وظاهر هذا العذاب أنه في الدنيا وكان وقع ووصف بالعظم لحلول العذاب فيه ونسب العقر إلى جميعهم لكونهم راضين بذلك حتى روي أنهم استرضوا المرأة في خدرها والصبيان فرضوا جميعاً.
{ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ } لا ندم توبة بل ندم خوف أن يحل بهم العذاب عاجلاً وذلك عند معاينة العذاب وذلك في غير وقت التوبة أصبحوا وقد تغيرت ألوانهم حسبما كان أخبرهم به صالح عليه السلام وكان العذاب صيحة خمدت لها أبدانهم وانشقت قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصب عليهم حجارة خلال ذلك وأل في أخذهم العذاب للعهد في العذاب السابق أي عذاب ذلك اليوم العظيم.
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية.
{ أَتَأْتُونَ } إستفهام إنكار وتقريع وتوبيخ والذكر أن جمع ذكر مقابل الأنثى والإِتيان كناية عن وطء الرجال وقد سماه تعالى بالفاحشة.
{ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ } وهو مخصوص بذكر أن بني آدم وقيل مخصوص بالغرباء.
{ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ } ظاهر في كونهم لا يأتون النساء اما البتة وإما غلبة.
{ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ } يدل على الإِباحة بشرطها.
{ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ } أي من الإِناث.
{ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } أي متجاوزون الحد في الظلم وهو إضراب بمعنى الإِنتقال من شىء إلى شىء ولما نهاهم عن هذا الفعل القبيح توعدوه بالإِخراج وهو النفي من بلده الذي نشأ فيه أي لئن لم تنته عن دعواك النبوة وعن الإِنكار علينا فيما نأتيه من الذكر ان لننفينك كما نفينا من نهانا قبلك.
{ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ } أي للفاحشة التي أنتم تعملونها ولعملكم متعلق بالقالين قال أبو عبد الله الرازي القلى البغض الشديد كأنه بغض فقلى الفؤاد والكبد "انتهى" ولا يكون قلى بمعنى أبغض وقلى من الشيّ والطبخ من مادة واحدة لاختلاف التركيب فمادة قلى من الشي من ذوات الواو وتقول قلوت اللحم فهو مقلو ومادة قلى من البغض من ذوات الياء قليت الرجل فهو مقلي ولست بمقلي الخلال ولا قال ولما توعدوه بالإِخراج أخبرهم ببغض عملهم ثم دعا ربه فقال:
{ رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي } أي من عقوبة ما يعملون من المعاصي * ولما كانت زوجته مندرجة في الأصل وكان ظاهر دعائه دخولها في النتيجة وكانت كافرة استثنيت في قوله:
{ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ } وفي الغابرين صفة أي من الباقين من لداتها وأهل بيتها ونجاته عليه السلام ان أمره بالرحلة ليلاً وكانت امرأته كافرة تعين عليه قومه فأصابها حجر فهلكت فيمن هلك قال قتادة: أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فهلكوا وقال مقاتل خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجاً من القرية ولم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط عليه السلام.
{ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ } روي في الحديث أن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة أمرهم بإِيفاء الكيل وهو الواجب ونهاهم عن الإِخسار وهو التطفيف ولم يذكر الزيادة على الواجب لأن النفوس قد تشح بذلك فمن فعله فقد أحسن ومن تركه فلا حرج وتقدم تفسير القسطاس في سورة الإِسراء.
{ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ } تقدم الكلام عليها ولما تقدم أمره عليه السلام بتقوى الله إياهم أمرهم ثانياً بتقوى من أوجدهم وأوجد من قبلهم تنبيهاً على أن من أوجدهم قادر أن يعدمهم ويهلكهم وعطف عليهم.
{ وَٱلْجِبِلَّةَ } إيذاناً بذلك فكأنه قيل مصيركم إلى ما صار إليه أولوكم فاتقوا الله الذي تصيرون إليه والجبلة الخلق وقيل الخلق المتجمد الغليظ مأخوذ من الجبل ثم طلبوا منه إسقاط كسف من السماء عليهم وليس له ذلك فالمعنى إن كنت صادقاً فادع الذي أرسلك أن يسقط علينا كسفنا أي قطعة ودل طلبهم ذلك على التصميم على الجحود والتكذيب ولما طلبوا منه ما طلبوا أحال علم ذلك إلى الله تعالى وأنه هو العالم بأعمالكم وما تستوجبون عليها من العقاب فهو يعاقبكم بما يشاء.
{ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } وهو نحو مما اقترحوا ولم يذكر الله تعالى كيفية عذاب الظلة وروي في حديثها اختلاف كثير فروي أنه حبس عنهم الريح سبعاً فابتلوا بحر عظيم يأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فأحرقتهم وكرر ما كرر في أوائل هذه القصص تنبيهاً على أن طريقة الأنبياء واحدة لا اختلاف فيها وهي الدعاء إلى توحيد الله تعالى وعبادته ورفض ما سواه وأنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما جاءت به الرسل عليهم السلام قبله وتلك عادة الأنبياء.