التفاسير

< >
عرض

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٥٥
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً
١٥٦
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً
١٥٧
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
١٥٨
-النساء

النهر الماد

قال ابن عطية: وحذف جواب هذا الكلام بليغ متروك مع ذهن السامع. انتهى تسمية ما يتعلق به المجرور بأنه جواب اصطلاح لم يعهد في علم النحو ولا تساعده اللغة لأنه ليس بجواب. والظاهر في قوله: ويكفرهم، وقولهم: انه معطوف على قوله: فبما نقضهم، وما بعده على أن الزمخشري أجاز أن يكون قوله: وبكفرهم. وقولهم معطوفاً على بكفرهم وتكرر نسبة الكفر إليهم بحسب متعلقاته إذ كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض. قال الزمخشري: أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.
وقال الزمخشري أيضاً: فإِن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: بل طبع الله عليها، بكفرهم فيكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم بل طبع الله عليها بكفرهم.
قلت: لم يصح هذا التقدير لأن قوله: بل طبع الله عليها بكفرهم، ردوا إنكار لقولهم: قلوبنا غلف، فكان متعلقاً به "انتهى". وهو جواب حسن ويمتنع من وجه آخر وهو أن العطف ببل يكون للإِضراب عن الحكم الأول وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول أو الانتقال فاما في كتاب الله تعالى في الاخبار فلا يكون إلا للانتقال ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأولى، والذي قدره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قدرناه لأن قوله: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقولهم قلوبنا غلف، بل طبع الله على قلوبهم. هو مدلول الجملة التي صحبتها بل وهو قوله: {بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}. فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز لو قلت: مر زيد بعمرو بل مر زيد بعمرو لم يجز. وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم وكذا وكذا طبع الله على قلوبهم، وقيل: التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً والفاء مقحمة وما في قوله: فبما، كهي في فبما رحمة، وتقدم الكلام عليها. والبهتان العظيم هو رميها عليها السلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السلام في المهد، وقولهم رسول الله هو على سبيل الاستهزاء منهم. كقول فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. وفي الكلام حذف تقديره وصلبناه ولذلك نفاه في قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} وهذا إخبار منه تعالى بأنهم ما قتلوا عيسى ولا صلبوه. واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب وفيمن ألقي الشبه عليه اختلافاً كثيراً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء وشبه مبني للمفعول، ولهم في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، والذي نعتقده أن المشبه هو الملك الممخرق الذي كان في زمان عيسى عليه السلام لما رفعه الله تعالى إليه وفقدوه أخرج شخصاً وقال لهم: هذا عيسى فقتله وصلبه، قيل: ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على واحد منهم لأن ذلك تطرف إلى السفسطة كما ادعى بعض الجهال في الشيخ القرشي وكان شيخاً مخدوماً انه إذا أراد أن يخلو بامرأته للوطىء برز لها في صورة شاب أمرد حسن الصورة.
وحكي لنا عن بعض من كان تولى مشيخة الصوفية بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة أنه تكلم مع بعض العلماء في أنه يكون في الآن الواحد بشكله وصورته في مكان واحد ثم يكون بشكله وصورته في ذلك الآن في مكان آخر وعند هؤلاء المنتمين للتصوف من المكابرات وتجويز المستحيلات والابهامات شيء كثير.
{وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} الضمير قيل: عائد على اليهود. واختلافهم فيه هو قولهم انه ليس برسول وأنه ليس لرشده. والظاهر أنه عائد على النصارى واختلافهم فيه أن بعضهم يقول: قتل وصلب، وبعضهم يقول: قتل ناسوته لا لاهوته، وبعضهم يقول: لم يقتل ولم يصلب. واليقين الذي صح فيه نقل الكافة عن حوابسها أو أن شخصاً صلب واما هل هو عيسى أم لا فليس من علم الحواس. {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} استثناء منقطع إذ اتباع الظن ليس مندرجاً تحت قوله: من علم.
وقال ابن عطية: هو استثناء متصل إذ الظن والعلم يضمّهما جنس أنهما من معتقدات اليقين وقد يقول الظان على سبيل التجوز علمي في هذا الأمر أنه كذا وهو يعني ظنه. "انتهى".
وليس كما ذكر من أن الظن والعلم يضمهما جنس انهما من معتقدات اليقين لأن الظن ليس من معتقدات اليقين لأن ترجيح أحد الجائزين وما كان ترجيحاً فهو منافي اليقين كما ان اليقين ينافي ترجيح أحد الجائزين وعلى تقدير ان الظن والعلم يضمهما ما ذكر فلا يكون أيضاً استثناء متصلاً لأنه لم يستثن الظن من العلم فليست التلاوة ما لهم به من علم الا اتباع الظن وإنما التلاوة إلا اتباع الظن والاتباع للظن لا يضمه والعلم جنس ما ذكر. والظاهر ان الضمير في: {وَمَا قَتَلُوهُ}، عائد على عيسى. وانتصب يقيناً على أنه مصدر في موضع الحال، أو نعت لمصدر محذوف، أو بمعنى حقاً يكون مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة ومن ذهب إلى أنه معمول لقوله: رفعه، فيكون فيه تقديم وتأخير. فقوله: خطأ لأن ما بعد بل لا يعمل فيما قبلها.