التفاسير

< >
عرض

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً
٤١
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً
٤٢
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً
٤٣
-النساء

النهر الماد

{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وهو نبيهم يشهد عليهم بما فعلوا كما قال: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، والأمة هنا من بعث إليهم النبي من مؤمن به وكافر لما أعلم تعالى بعدله وإيتاء فضله اتبع ذلك بأن نبه على الحالة التي يحضر فيها للجزاء ويشهد عليهم فيها. وكيف في موضع رفع ان كان المحذوف مبتدأ التقدير فكيف حال هؤلاء السابق ذكرهم أو كيف صنعهم وهذا المبتدأ العامل في خبره هو العامل في إذا أو في موضع نصب إن كان المحذوف فعلاً، أي فكيف يصنعون، أو فكيف يكونون. والفعل أيضاً هو العامل في إذا.
{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} التنوين في يومئذٍ هو تنوين العوض، حذفت الجملة السابقة وعوض منها التنوين، والتقدير يومئذٍ جئنا.
وقرىء: تسوّى مبنياً للمفعول وتسوى بإِدغام التاء في السين وتسوى بحذف التاء ومعنى التسوية انهم يستوون مع الأرض فيكونون تراباً باهي كما قال في حق الكافر
{ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً } [النبأ: 40]. والعامل في يومئذٍ يود، ومفعول يود محذوف تقديره تسوية الأرض بهم، ودل عليه قوله: لو تسوى بهم الأرض. ولو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره وجوابه محذوف تقديره لسروا بذلك وحذف لدلالة يود عليه ومن أجاز في لو أن تكون مصدرية مثل انْ جوز ذلك هنا وكانت إذ ذاك لا جواب لها بل تكون في موضع مفعول يودّ.
{وَلاَ يَكْتُمُونَ} معطوف على قوله: يودّ. أو تكون الواو للاستئناف التقدير وهم لا يكتمون الله تعالى وفي يوم القيامة مواطن كثيرة، يكتمون الله كقولهم:
{ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23] وموطن لا يكتمون، كقولهم: يا ليتنا، نرد الآية. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} الآية، روى ان جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريم الخمر وحانت الصلاة فتقدم أحدهم فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر تعالى بعبادته والإِخلاص فيها وأمر ببرّ الوالدين ومكارم الأخلاق وذم البخل واستطرد منه إلى شيء من أحوال القيامة وكان قد وقع من بعض المسلمين تخليط في الصلاة التي هي رأس العبادة بسبب شرب الخمر ناسب أن تخلص الصلاة من شوائب الكدر الذي يوقعها على غير وجهها فأمر تعالى بإِتيانها على وجهها دون ما يفسدها ليجمع لهم بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق، وبالغ تعالى في النهي عن أن يصلي المؤمن وهو سكران بقوله: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} لأن النهي عن قربان الصلاة أبلغ من قوله: لا تصلوا وأنتم سكارى ومنه { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ } [الأنعام: 151] { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } [الأنعام: 152، الإسراء: 34] والمعنى لا تغشوا الصلاة وعنى ذلك بقوله: حتى تعلموا.
{وَلاَ جُنُباً} حال معطوف على قوله: وأنتم سكارى، إذ هي مجلة حالية، فالجملة الاسمية أبلغ التكرار الضمير فالتقييد بها أبلغ في الانتفاء منها من التقييد بالمفرد الذي هو ولا جنباً ودخول لا دال على مراعاة كل قيد منهما بانفراده وإذا كان النهي عن إيقاع الصلاة مصاحبة لكل حال منهما بانفراده فالنهي عن إيقاعها بهما مجتمعين آكد وأدخل في الحظر. والجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان هذا قول جمهور الأمة، والجنب من الجنابة وهي البعد كأنه جانب الطهر أو من الجنب كأنه ضاجع أو لامس أو مس بجنبه. قال الزمخشري: الجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب. "انتهى".
والذي ذكره هو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون، قالوا: قوم جنبون وجمع تكسير قالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا: جنبان.
{إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} العبور الخطور والجواز، ومنه ناقة عبر الهواجر. وعابري منصوب على الحال وهو استثناء من الأحوال ويلحظ محذوف أي ولا تقربوا مواطن الصلاة وأنتم جنب إلا في حال عبوركم في الطريق وغيا ذلك بقوله: حتى تغتسلوا، فإِذا اغتسل الجنب جاز له أن يصلي وأن يمكث في المسجد.
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ} الآية نزلت بسبب عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين أقام صلى الله عليه وسلم بالناس على التماس العقد. والظاهر مطلق المرض ومطلق السفر، فإِذا لم يجد ماء فتيمما ومجيئه من الغائط كناية عن الحدث بالغائط وحمل عليه الريح والبول والمني والودي والمذي ولا خلاف ان هذه الستة أحداث.
{أَوْ لَٰمَسْتُمُ} قرىء لامستم ماضي يلامس ولمستم ماضي يلمس والظاهر في لامستم أنه أريد به الجماع. وينبغي أن يحمل عليه لمستم ومن العلماء من حمل ذلك على أن المراد اللمس باليد أو غيرها من الجوارح على تفصيل مذكور في كتب الفقه.
{فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} الضمير عائد على من أسند إليهم الحكم في الاخبار الأربعة وفيه تغليب الخطاب إذ قد اجتمع خطاب وغيبة، فالخطاب كنتم مرضى أو على سفر أو لامستم والغيبة قوله: أو جاء أحد وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كني عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين فنزع به إلى لفظ التغليب بقوله: أو جاء أحد، وهذا أحسن الملاحظات وأجمل المخاطبات. ولما كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب. وظاهر انتفاء الوجدان سبق تطلبه وعدم الوصول إليه، فاما في حق المريض فجعل الموجود حسا في حقه إذا كان لا يستطيع استعماله كالفقود شرعاً واما غيره باقي الأربعة فانتفاء وجدان الماء في حقهم هو على ظاهره.
{فَتَيَمَّمُواْ} اقصدوا.
و{صَعِيداً} تراباً.
{طَيِّباً} طاهراً.
{فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ} المسح البلل بالماء وإمرار اليد من غير غسل. والظاهر عموم الوجه تقول: مسحت برأسه، ومسحت رأسه بمعنى واحد.
{وَأَيْدِيكُمْ} هو مجمل وجاء الحديث أن التيمم مسح الوجه ومسح الكفين بالتراب. وفي صحيح مسلم وفي تحديد اليد في التيمم خلاف مذكور في كتب الفقه.
{عَفُوّاً غَفُوراً} كناية عن الترخيص والتيسير.