التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٤٤
قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٤٥
-الأنعام

النهر الماد

{وَمِنَ ٱلإِبْلِ} الآية الإِبل الجمال للواحد والجمع، ويجمع على إبال، وتأبّل الرجل: اتخذ إبلاً. وقولهم: ما أبل الرجل في التعجب شاذ، وقدم الإِبل على البقر لأنها أغلى ثمناً وأغنى نفعاً في الرحلة وحمل الأثقال عليها واصبر على الجوع والعطش وأطوع وأكثر انقياداً في الإِناخة والإِشارة.
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} انتقل من توبيخهم في نفي علمهم بذلك إلى توبيخهم في نفي شهادتهم. وذلك وقت توصية الله إياهم بذلك لأن مدرك الأشياء المعقول والمحسوس، فإِذا انتفيا فكيف يحكم بتحليل أو بتحريم.
{فَمَنْ أَظْلَمُ} الآية، أي لا أحد أظلم.
{مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فنسب إليه تحريم ما لم يحرمه تعالى فلم يقتصر على افتراء الكذب في حق نفسه وضلالها حتى قصد بذلك ضلال غيره فسن هذه السنة الشنعاء. وغايته بها إضلال الناس فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} نفي هداية من وجد منه الظلم. فكان من فيه الأظلميّة أولى بأن لا يهديه. وهذا عموم في الظاهر وقد تبين تخصيصه بما يقتضيه الشرع.
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} الآية، لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوى الأنفس وما تختلقه على الله تعالى. وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاءت هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوفاً بقوله: مسفوحاً. والفسق موصوفاً بقوله: أهل لغير الله به. وفي تينك السورتين معرفاً لأن هذه السورة مكية فعلّق بالمنكر وتانك السورتان مدنيتان، فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد وحوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة.
و{إِلاَّ أَن يَكُونَ} استثناء منقطع لأنه كون والمحرم عين من الأعيان. ويجوز أن يكون بدلاً على لغة بني تميم، ونصباً على لغة الحجاز، كقوله تعالى:
{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ } [النساء: 157] لأن اتباع الظن ليس بعلم فهو استثناء منقطع، واسم كان ضمير مذكر يعود على محرم تقديره إلا أن يكون المحرم ميتة. ومعنى مسفوحاً، أي مصبوباً سائلاً كالدم في العروق لا كالطحال والكبد. وقد رخص في دم العروق بعد الذبح. وقيل لأبي مجلز القدر تعلوه الحمرة من الدم، فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح. وفي قوله: أو دماً مسفوحاً، دلالة على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس لأنه ليس بمسفوح. والظاهر أن الضمير في فإِنه عائد على لحم الخنزير. وزعم أبو محمد بن حزم أنه عائد على خنزير فإِنه أقرب مذكور . وإذا احتمل الضمير العود إلى شيئين كان عوده على الأقرب أرجح، وعورض بأن المحدّث عنه إنما هو اللحم. وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإِضافة إليه لا أنه هو المحدث عنه المعطوف. ويمكن أن يقال: ذكر اللحم تنبيهاً على أنه أعظم ما ينتفع به من الخنزير وإن كان سائره مشاركاً له في التحريم بالتنصيص على العلة من كونه رجساً، أو لإِطلاق الأكثر على كله أو الأصل على التابع لأن الشحم وغيره تابع للحم أو فسقاً معطوف على ما قبله. قال الزمخشري: فسقاً منصوب على أنه مفعول من أجله مقدم على العامل فيه وهو أهل كقوله:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب

وفصل بين أو وأهل بالمفعول له. "انتهى". هذا إعراب متكلف جداً وتركيبه خارج عن الفصاحة، وغير جائز على قراءة من قرأ إلا أن يكون ميتة بالرفع، فيبقى الضمير في به ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف محذوف حتّى يعود الضمير عليه فيكون التقدير أو شىء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وسمي ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق. ومنه: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } [الأنعام: 121]، وأهل في موضع الصفة له. واختلفوا في هذه الآية أهي محكمة وهو قول الشعبي وابن جبير فعلى هذا لا شىء محرم من الحيوان إلا فيها وليس هذا مذهب الجمهور. وقيل: هي منسوخة بآية المائدة وينبغي أن يفهم هذا النسخ بأنه نسخ للحصر فقط. وقيل: جميع ما حرم داخل في الاستثناء سواء كان بنص قرآن أم حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاشتراك في العلة التي هي الرجسية. والذي نقوله ان الآية مكية وجاءت عقب قوله: ثمانية أزواج، وكان الجاهلية يحرّمون ما يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي من هذه الثمانية فالآية محكمة. وأخبر فيها أنه لم يجد فيما أوحي إليه إذ ذاك من القرآن سوى ما ذكر، ولذلك أتت صلة ما جلمة مصدرة بالفعل الماضي فجميع ما حرم بالمدينة لم يكن إذ ذاك سبق منه وحي فيه بمكة فلا تعارض بين ما حرم بالمدينة وبين ما أخبر أنه أوحى إليه بمكة تحريمه. وذكر الخنزير وإن لم يكن من ثمانية أزواج لأن من الناس من كان يأكله إذ ذاك، ولأنه أشبه شىء بثمانية الأزواج في كونه ليس سبعاً مفترساً يأكل اللحوم ويتغذى بها، وإنما هو من نمط الثمانية في كونه يعيش بالنبات ويرعى كما ترعى الثمانية، وذكر المفسرون أشياء مما اختلف أصل العلم فيه ذكرناه في البحر المحيط.
{فَمَنِ ٱضْطُرَّ} تقدم ولما كان صدر الآية مفتتحاً بخطابه تعالى بقوله: قل لا أجد، اختتم الآية بالخطاب فقال:
{فَإِنَّ رَبَّكَ} وذلك بدل على اعتنائه به تعالى بتشريف خطابه افتتاحاً واختتاماً.