التفاسير

< >
عرض

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
-الأنعام

النهر الماد

{وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال ابن عباس: "نزلت في مالك بن الصيف اليهودي إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام أتجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين. قال: نعم. قال: فانت الحبر السمين" . فغضب ثم قال:
{مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} وأصل القدر معرفة الكمية. يقال: قدر الشىء إذا أحرزه وسبره. قال ابن عطية: معناه ما عظموا الله حق تعظيمه. وانتصب حق قدره على المصدر وهو في الأصل وصف أي قدره الحق ووصف المصدر إذا أضيف إليه انتصب نصب المصدر. والعامل في إذ قدروا من شىء مفعول بانزل. ومن: زائدة تدل على الاستغراق.
{قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ} الآية، فيها دليل على أن النقض يقدح في صحة الكلام وذلك أنه نقض قولهم: ما أنزل الله، بقوله: قل من أنزل الكتاب، فلو لم يكن النقض دليلاً على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب. والكتاب هنا: التوراة. وانتصب نوراً وهدى على الحال والعامل أنزل أو جاء.
{تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} أي ذا قراطيس أي أوراقاً وبطائق.
{وَتُخْفُونَ كَثِيراً} كإِخفائهم الآيات الدالة على بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام التي أخفوها. وأدرج تعالى تحت الإِلزام توبيخهم وذمهم بسوء حملهم لكتابهم وتحريفهم وإبداء بعض وإخفاء بعض.
{وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ} ظاهره أنه خطاب لبني إسرائيل مقصود به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين الله وهدايته ما لم يكونوا به عالمين.
{قُلِ ٱللَّهُ} أمره تعالى بالمبادرة إلى الجواب أي قل: الله أنزله فإِنهم لا يدرون أن يناكروك لأن الكتاب الموصوف بالنور والهدى الآتي به من أيد بالمعجزات إنما أنزله الله تعالى.
{ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي في باطلهم الذين يخوضون فيه، ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه: إنما أنت لاعب. ويلعبون حال من مفعول ذرهم أو من ضمير خوضهم. وفي خوضهم متعلق بذرهم أو بيلعبون أو حالاً من يلعبون.
{وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ} الإِشارة إلى القرآن لما قرر إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبارك كثير النفع والفائدة. ولما كان الإِنكار إنما وقع على الإِنزال فقالوا: ما أنزل الله. وقيل: من أنزل الكتاب، كان تقديم وصفه بالإِنزال آكد من وصفه بكونه مباركاً، ولأن ما أنزله الله تعالى فهو مبارك قطعاً فصارت الصفة بكونه مباركاً كأنها صفة مؤكدة إذ تضمنها ما قبلها.
{وَلِتُنذِرَ} قرىء: بالتاء. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء: بالياء. والضمير فيه عائد على الكتاب.
و{أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} هو على حذف مضاف تقديره أهل أم القرى. وأم القرى: مكة، سميت بذلك لأنها منشأ الدين ولدحو الأرض منها، ولكونها وسط الارض، ولكونها قبلة، وموضع الحج، ومكان أول بيت وضع للناس.
{وَمَنْ} معطوف على أهل المحذوف. ولا يجوز حذف من والعطف على أم القرى لأنه يكون عطفاً على المفعول به وحول ملتزم فيه الظرفية فلا يصح عطفه على أم القرى فكان يكون مفعولاً به وهو لا يجوز لإِلتزامه الظرفية.
{وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} الظاهر أن الضمير في به عائد على الكتاب أي الذين يصدقون بأن لهم حشراً وجزاء يؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد.
{وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} خصّ الصلاة لأنها عماد الدين ومن كان محافظاً عليها كان محافظاً على أخواتها.
{وَمَنْ أَظْلَمُ}، الآية نزلت في النضر بن الحارث ومن معه من المستهزئين لأنه عارض القرآن بكلام سخيف لا يذكر لسخفه ويندرج في عموم من افترى مسيلمة والأسود العنسي وكل من افترى على الله كذباً. وتقدم الكلام على: ومن أظلم، وفسروه بأنه استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم.
{أَوْ قَالَ} معطوف على صلة من وبدأ أولاً بالعام وهو افتراء الكذب على الله تعالى وهو أعم من أن يكون ذلك الافتراء بادعاء وحي أو غيره، ثم ثانياً بخاص وهو افتراء منسوب إلى وحي من الله تعالى.
{وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} جملة حالية أي غير موحى إليه لأن من قال أوحي إلي وهو موحى إليه هو صادق، ثم ثالثاً بأخص مما قبله لأن الوحي قد يكون بإنزال القرآن وبغيره. وقصة ابن أبي سرج هي دعواه أنه سينزل قرآناً مثل ما أنزل الله، وقوله: مثل ما أنزل الله، ليس معتقده أن الله أنزل شيئاً، وإنما المعنى مثل ما أنزل الله على زعمكم وإعادة من تدل على تغاير مدلوله لمدلول من المتقدمة فالذي قال: سأنزل غير من افترى. أو قال: أوحى، وإن كان ينطلق عليه ما قبله انطلاق العام على الخاص. وقوله: سأنزل، وعد كاذب وتسميته إنزالاً مجاز وإنما المعنى سأنظم كلاماً يماثل ما ادعيتم أن الله تعالى أنزله. وهذه الآية وإن كان سبب نزولها في مخصوصين فهي شاملة لكل من ادعى مثل دعواهم كطليحة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وسجاح وغيرهم. وقد ادعى النبوة عالم كثيرون وكان ممن عاصرناه إبراهيم الغازازي الفقير ادعى ذلك بمدينة مالقة وقتله السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي ملك الأندلس بغرناطة وصلبه.
{وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} الآية، ترى بمعنى: رأيت. وإذ: ظرف معمول له. وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً. والظالمون عام اندرج فيه اليهود والمتنبئة وغيرهم. والظالمون: مبتدأ خبره في غمرات.
{وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} جملة حالية.
{ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب بدليل يضربون وجوههم وادبارهم.
{أَخْرِجُوۤاْ} معمول لمحذوف تقديره قائلين أخرجوا أنفسكم وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح والتشديد من غير تنفيس وامهال.
{ٱلْيَوْمَ} منصوب بتجزون.
{ٱلْهُونِ} الهَوان والعذاب ما عذبوا به من شدة النزع.
{بِمَا كُنتُمْ} متعلق بتجزون.
{غَيْرَ ٱلْحَقِّ} نعت لمصدر محذوف تقديره قولاً غير الحق. وعلل جزاء العذاب بالكذب على الله تعالى وباستكبارهم عن آياته أي عن الاعتبار وعن الإِيمان بها.