التفاسير

< >
عرض

فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
٩٨
-يونس

تيسير التفسير

{فَلَوْلاَ كَانَتْ} أَى تكون {قَرْيَةٌ} من القرى التى استؤصلت بالعذاب {آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} أَى هلا كان أَهل قرية آمنوا بعد مجىءِ العذاب إِليهم وحضوره فنعم إِيمانهم بأَن كان قبل حضور الوعيد فحذف المضاف فرجعت الضمائر إِلى ما لا يليق بالمضاف إِليه من الإِفراد والتأْنيث أَو أُريد بقرية أَهلها تسمية للحال باسم المحل، وروعى لفظها فلا حذف، وزعم بعض أَن القرية وضعت لأَهلها أَيضاً على الاشتراك والمراد أَهل القرية العاصون أَو المشرفون على الهلاك، ولولا حرف تحضيض فكيف يحضهم على شىءِ خصه بقوم يونس، وهو قبول التوبة بعد حضور العذاب كما قال {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} والاستثناءُ متصل وصح الاستثناءُ لأَن التحضيض دال على الانتفاءَ قبله الجواب، إِما أَنه حضهم على ما يمكن من التوبة لو أُوتوا به كما أُوتوا به قوم يونس على أَن المشاهد تقبل توبته لو أَتى بها كما أَتى بها قوم يونس وأَما أَ لا يعد اسوداد سقوفهم وحيطانهم والدخن حضور عذاب، ولو كان من أَجل ما توجه إِليهم من العذاب ومقدمة له، وقد قيل أَن أَمارة العذاب ليست حضورا له ولا مشاهدة ويجوز أَن يكون التحضيض على التوبة قبل حضور العذاب فيكون الاستثناءُ منقطعاً لأَن قوم يونس تابوا بعد حضوره فإِنه لا يخفى أَن ذلك الاسوداد حضور لكن حضور أَمارة أَى لكن قوم يونس ويجوز أَن يكون للتوبيخ وهم يعبدون الأَصنام فى نينوى من الموصل ومن حضره العذاب، رفع عنه التكليف فلا ينفع قول ولا عمل بخلاف الصبيان فإِنه يقبل عملهم مع أَنه لا تكليف {لَمَّا آمنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال ابن مسعود وقتادة: لم يكن ذلك إِلا لقوم يونس، وعليه الجمهور، وقال الزجاج والقرطبى: لم يروا العذاب بل أَمارته وهو الاسوداد والدخان ولو رأَوا عين العذاب لم ينفعهم إِيمانهم، والمانع من القبول التلبس بالعذاب لا أَمارته فهم كمريض يرجو الشفاءَ قال بعض: يرى قوم يونس دليل العذاب فآمنوا، وقيل رأَوا العذاب عيانا بدليل قوله كشفنا فإِن الكشف لا يكون إِلا بعد شروع أَو قربه، ونسبه بعض للجمهور، وعذاب الخزى هو الدخان والسواد، غامت السماءُ غيماً شديداً أَسود هائِلاً يدخن دخاناً شديداً وكان فوق رءُوسهم، ويقال غشيهم كما يغشى الثوب القبر، ويقال بينه وبينهم قدر ثلثى ميل، ويقال قدر ميل لما عصوه أَخبرهم أَن العذاب مصبحهم إِلى ثلاث أَو إِلى ثلاثين أَو أَربعين، فقالوا: لم نجرب عليه كذباً قط، فإِن لم يصبح فيكم فقد صدق، فخرج جوف الليل فغشيهم العذاب صبحاً يوم عاشوراءَ يوم الجمعة فتابوا وردوا المظالم حتى كان الرجل يقلع الحجر الحرام من أَصل بنيانه، وخرجوا إِلى الصحراءِ لابسين المسوح باكين مفرقين بين الأَولاد والأمهات منهم ومن الدواب، وعلت الأَصوات وقالوا: بأَمر شيخ بقى من علمائِهم: يا حى حين لا حى، ويا حى يحيى الموتى، ويا حى لا إِله إِلا أَنت، اللهم إِن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأَنت أَعظم وأَجل، فافعل بنا ما أَنت أَهله ولا تفعل بنا ما نحن أَهله، فانصرف العذاب، وقيل: عجوا إِلى الله تعالى أَربعين يوما، ولم يعلم يونس بتوبتهم وانصرافه، وكانوا يقتلون الكاذب فانصرف مغاضبا. {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} حين انقضاءِ أَجلهم، قيل إِلى ارتفاع القرآن وذهاب الكعبة إِلا أَولادهم الآتين بعد ذلك، إِلا أَنهم يتناسلون ويموتون وخفوا عن الأَعين كالجن كما فعل بالخضر، وقيل يظهرون أَيام المهدى ويكونون من أَنصاره ثم يموتون، وقيل يموتون يوم القيامة، ولا يصح لأَنها لا تقوم إِلا على من لا يعرف الله ولا يذكره، ولعل المراد قرب قيام الساعة كرفع القرآن والكعبة، وخروج المهدى والدجال، أَو أَخرجهم الله إِلى أَرض فى غير المعمور.