التفاسير

< >
عرض

وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ
٢٠
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ
٢١
-إبراهيم

تيسير التفسير

{وَمَا ذَلِكَ} المذكور من إِذهابهم والإِتيان بخلق جديد من جنس البشر أَو غيره {علَى اللهِ بِعَزِيزٍ} صعب أَو محال؛ لأَن قدرته ذاتية لا تعجز عن شىءٍ، فهو الذى يؤمن به ويعبد رجاءَ ثوابه، وخوف عقابه، يوم يبرزهم الله من قبورهم كما قال: {وَبَرَزُوا} من قبورهم {للهِ جَمِيعاً} يبرزون تحقيقاً ولا بد، ولذلك كان اللفظ ماضيا، وكأَنهم برزوا الآن للحساب أَو لله إِذ كانوا يخفون المعصية ويتوهمون أَنه لا يراهم عليها ولا يعلمها، والمراد برزوا لخلق الله أَو لأَجل الله، أَو برزوا صاروا فى الأَرض البراز وهى المتسعة التى لا حاجب فيها، والله جل وعلا يبعث الأَجسام والأَعراض المتصلة كالبياض والحمرة والصفرة والسواد والطول والقصر والغلطة والرقة، والمنفصلة كالحركة والسكون والصوت والضرب، وما فى قدرة العبد وما ليس فى قدرته كحركة الأَنباض والأَنفاس والعلم والجهل، كما قدر على إعادة الذات قدر على إِعادة العرض، وقيل: لا تعاد الأعرض للزوم قيامها لو ردت بالأَعراض التى بعد البعث أَو معها وذلك محال، وعبارة بعض أن المعاد بمعنى هو الإِعادة، فيلزم قيام المعنى الذى هو الإِعادة بالمعنى الذى هو العرض، وهو محال وهو الصحيح عندنا، وقال جمهور قومنا: بالإِعادة للعرض، واختلف هل يعاد الزمان؟ قيل: يعاد تبعاً للأَجسام لقوله تعالى: " { بدلناهم جلوداً غيرها } "[النساء: 56] لأَن المراد الغيرية بحسب الزمان، وإِلا فالجلود هى الأَولى بأَعيانها لأَنها هى التى عصت قلنا لا يعاد الزمان، وإِلآ دخل زمان فى زمان، وتبعث الجلود الأَولى وتفنى فى جهنم ويبدل جلود أَخرى غير الدنيوية، وليست الجلود معذبة بل الروح، وحقيقة إدراك الروح، وكيف يجتمع الزمان الماضى والحاضر والمستقبل الدنيوية فى وقت واحد، وكيف تجتمع مع أَزمنة يوم القيامة، وإِن أُجيب بأَن ذلك تدريج لا دفعة كما كانت فى الدنيا تدريجا بقى أَنها كيف تجتمع مع زمان الآخرة {فَقَالَ الضُّعفاءُ} هم المرءُوسون سموا لضعف رأْيهم وضعف عزهم، وقد يكون رأْيهم غير ضعيف فيبقى ضعف عزهم ومالهم وبدنهم إِن ضعفا {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} هم الرؤُساءُ الذين استغووا الضعفاءَ، وقد يكون الضعيف أَشد كفرا أَو مساوياً للرئِيس لكنه ضعيف من حيث لو رده الرئِيس إلى ما دون كفره أَو كفر آخر لتبعه {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ} لا لرأْينا {تَبَعاً} فى عبادة غير الله وفى تكذيب الرسل والكتب، أَو إِنكار الله - عز وجل -، جمع تابع كخادم وخدم بفتح الخاءِ والدال، وغائِب وغيب، أَو مصدر بمعنى اسم الفاعل أَى تابعين، أَو ذوى تبع، أَو نفس التبع مبالغة فى الاتباع {فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَىءٍ} دافعون عنا شيئاً من عذاب الله، أَو دافعون عنا دفعاً، فشيئاً مفعول به، أَو مفعول مطلق، والدفع الإِزالة أَلبتة، أَو المراد أَن تعذبوا مكاننا، ومن الثانية صلة فى المفعول به، أَى المفعول المطلق، ومن عذاب الله تبعيض للعذاب حال من شىءٍ، ولو جر لأَن جاره صلة، ويجوز أَن تكون للبيان، أَن دافعون شيئاً عنا هو عذاب الله - عز وجل - فيجوز أَن يكون المعنى مغنون عنا بعض شىءٍ هو عذاب الله، أَو كلاهما تبعيض،أَى بعض شىءٍ هو بعض عذاب الله فطلبوا دفع بعض البعض، والوجه ما ذكرته أَولا {قَالُوا} أَى الذين استكبروا للضعفاءِ جواباً واعتذاراً {لوْ هَدَانَا اللهُ} للإِيمان هداية توفيق، اَو تأْثير ولو مع شقوة {لَهَدَيْنَاكُمْ} هداية بيان إليه فيمكن أَن تؤْمنوا، وأَن لا تؤْمنوا لكن خذلنا فاخترنا لكم ما اخترنا لأَنفسنا من الضلال المرتب على خذلاننا، أَو ذلك جواب لقولهم: فهل أَنتم إِلخ فيكون المعنى لو هدانا الله إلى طريق نتخلص به من العذاب إِلى الجنة اليوم مع البقاءِ على الشرك، أَو دونه لخلصناكم كما أَغويناكم قبل: أَو لو ردنا إِلى الدنيا لهديناكم فيها، ثم إِن أَهل النار يصدر منهم الكذب فيها وفى الموقف، والاستفهام توبيخ وتحسر، كيف يطمعون أَن يدفعوا عنهم العذاب أَو بعضه، وهم فى النار مقهورون، وذلك الاستفهام جزع فآيسوهم من الدفع وأَعلموهم أَن الجزع لا ينفع، وإِنا وإِياكم مخلدون، كما قال: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} موضع حيص أَى ميل إِليه للنجاة، أَو ما لنا حيص إِلى ملجإِ، ولا ملجأَ، أَو لا زمان حيص؛ لأَنا خالدون، وقيل: ليس هذا من كلام المتكبرين بل من كلامهم وكلام الضعفاءِ فهو محكى بقول محذوف، أَى قالوا جميعاً سواءٌ علينا أَجزعنا أَم صبرنا، يقولون: تعالوا نصبر فقد كان الصبر فى الدنيا نافعاً فيصبرون خمسائة عام فلا ينفعهم فيقولون سواءٌ إِلخ، وعدوا عدم ويلهم صبرا، ويقال: يقولون تعالوا نجزع فيجزعون أَى يصيحون بالويل خمسمائة عام فلا ينفعهم، ويقولون تعالوا نصبر فيصبرون على الويل والبكاءِ خمسائة عام فلا ينفعهم، فيقولون سواءٌ إلخ، أَو يبدأُون بالصبر وبعده الجزع، وبها جاءَ الحديث،والضمائِر لهم جميعا، قدرنا القول أَو لم نقدر، وإِذا لمن نقدر فقد غلب التكلم على الخطاب، أَو يقدر سواءٌ علينا وعليكم أَجزعنا وجزعتم أَم صبرنا وصبرتم مالنا وما لكم من محيص، ويعلم جزع الضعفاءِ من أَحوالهم وقولهم فهل إِلخ.