التفاسير

< >
عرض

لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ
٢٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
-النحل

تيسير التفسير

{لاَ جَرَمَ} لا بد {أَنَّ اللهَ} من أن الله {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فيجازيهم أو أصل لا جرم لا بد ثم جعل كله كلمة واحدة بمعنى ثبت فالمصدر مما بعده فاعله أَو جعل بمعنى مصدر رافع للفاعل المذكور، أَى حقاً إن الله يعلم أَى حق حقاً علم الله، أَو لا نافية لمحذوف أَى لا يصح ما قال الكفرة، وجرم معناه وجب أى وجب أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون وذلك على العموم، ولا كما قيل المراد ما يسرون فى دار الندوة من قتل محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتكْبِرِينَ} أى لا يرضى أَفعالهم ولا أقوالهم ولا اعتقادهم ولا استكبارهم، أَو لا يأمر بحالهم، أَولا يثيبهم عليها كما يثيب المؤمنين على إيمانهم بل يعاقبهم، والأصل أنه لا يحبهم، وأَظهر ليصرح بالعلة وهى الاستكبار فإِن تعليق الحكم بمعنى المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق، أو المتكبرين عام لكل مستكبر فالإِظهار على بابه ويدخل كفار قريش فيهم دخولا أَوليا، أَو المعنى لا يحب المستكبرين مطلقاً فكيف من استكبر على التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، أَو المستكبر متعاطى الكبر بما ليس عنده فهو أَقبح من المتكبر، أَو لايحب الذين يطلبون الكبر فلم يصلوه فكيف بمن طلبه وفعله، والأَولى أنه بمعنى المتكبر لقوله: فلبئس مثوى المتكبرين، والأولى أَنهما سواء وأن كلا منهما يطلق على من ادعى الكبرياءَ من الناس بما عنده، ومن ادعاها بما ليس عنده، مر الحسين بن على بمساكين يأكلون كسرا فقالوا: الغذاء يا أبا عبد الله فنزل وقال: {إنه لا يحب المستكبرين} وأَكل معهم فقال: أَجبتكم فأجيبونى فاتبعوه إلى منزلة فأَطعمهم وسقاهم وأَعطاهم، والذنوب يمكن إخفاؤها إلا التكبر فإنه لا يخفى وهو أصل العصيان إذ تكبر إبليس فلم يسجد لآدم، وعنه صلى الله عليه وسلم: " إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأَقدامهم لتكبرهم" يعنى يتضررون بذلك، وبعد دخول النار تعظم أَجسامهم ليشتد ضررهم ونزل فى النضر بن الحارث وكان عنده كتب التواريخ، وكان يزعم أن حديثه أجمل وأَتم مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى:
{وَإذَ قِيلَ لهُمْ} للنضر بن الحارث ومن معه من المقتسمين، والقائل بعضهم لبعض تهكما إذ لفظوا ابان الإنزال على محمد صلى الله عليه وسلم من الله تحقيقا لا تهكما لكن قالوا ما عندنا خير، أَو على فرض أَنه منزل لكنه أساطير الأولين أَنزلها، أَو القائل المسلمون تذكيرا، ويضعف أنه اختيار لعلمهم بكفرهم، أَو الوافدون على المسلمين والوافدون على أَهل مكة يسأَلونهم على أَحوال محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فيقول المشركون: أساطير الأولين، والمسلمون أَنزل خير وكذا غير الوفد {مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} أى شىء أنزل ربكم أو ما الذى أنزله ربكم وهو الأنسب برفع أساطير {قالُوا} أَى النضر ومن معه {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} هو أَى الذى أنزل ربنا أَساطير الأَولين جمع أَسطار جمع سطر فهو جمع الجمع أَو جمع أُسطورة، أَى شىءٍ سطره الأَولون أَى كتبه سطوراً لا نفع فيها، أَو أَكاذيب عرضوا عن لفظ الإِنزال لشدة عنادهم ولو أَرادوه إِذ لم يقولوا أَساطير بالنصب فيقدر أَنزل وإثباتهم الإنزال تهكم، أو مشاكلة على تقدير أَن له إنزالا أَثبتوه ليردوه كقوله هذا ربى.