التفاسير

< >
عرض

وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً
١٢
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً
١٣
ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
١٤
-الإسراء

تيسير التفسير

{وَجَعَلْنَا اللّيْلَ} قدمه لتقدمه وجوداً، ومنه ينسلخ النهار، ولأن به ظهور غرر الشهور العربية، ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة، ولافتتاح السورة به، إذ قال: " { سبحان الذى أسْرَى بِعَبْدِهِ ليلاً } ". [الإسراء: 1].
{وَالنَّهَارَ} ظلمة الليل وضوء النهار، واستمرار تعاقبهما، وإيلاج بعض فى بعض مع إمكان غير ذلك لحكمة {آيَتَيْنِ} دالتين على قدرتنا ووحدتنا، والجعل بمعنى الخلق، فآيتين حال مقدرة، لأن الدلالة بهما بعد وجود من يستدل بهما، وجعل حالا لأنه بمعنى المشتق، أى دالين، أو للتصيير فهو مفعول ثان، وهو من التصيير الذى لم يتقدمه غيره، كقولك: ضيق فم البئر أى من أول لا عن وسع سابق، وقولك: وسعه أى من أول لا عن ضيق سابق وأدرحيها وسجن من صغر البعوضة، وكبر الفيل، إلا أن يراد أَنهاه من صغر لكبره.
{فَمَحَوْنَا آيَةَ اللّيْلِ} الإضافة للبيان أى آية هى الليل ومحوه محو آخره بأول النهار، وفى هذا إبقاء المحو على حقيقته، وهى إزالة الثابت قبل، وهى إزالة ظلمته، هى الأصل الذى خلق عليه الليل، فأخبرنا الله عز وجل بأنه يزيل هذه الظلمة بضوء النهار، وقيل: المعنى جعلنا الليل مظلماً من أول كقولك: وسع فم البئر، وهذا ولو كان مجازاً لكن دل عليه مقابلته بجعل آية النهار مبصرة، واعترض بأَن مقابلته بجعل النهار مبصراً لا توجب جملة على المجاز لفائدة بيان إِبقاء بعض الزمان على أصله، وجعل بعضه مضيئاً، ولا يقال لا فائدة فى تفسير المحو بحقيقة زائدة على ما بعده، لأن نقول فائدته الإعلام بأن الليل مظلم أصالة، والنهار مزيل للإظلام الأصيل، ولو اقتصر على ذكر إبصار النهار لم يفد أصالة ظلمة الليل صراحا.
{وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ} مثل ذلك أى آية هى النهار {مُبْصِرَةً} مضيئة، عبَّر عن الإضاءة بالإبصار، لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار بالعين، وذلك من إطلاق اسم المسبب على السبب، ويجوز أن يكون الإبصار لتعدية بصر، يقال: بصر بالشئ إذا علمه، فمعنى أبصرت الشئ علمته لا رأيته، وإسناد الإبصار إلى النهار من الإسناد إلى السبب، أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، فيكون من الإسناد إلى السبب العادى، والمبصر حقيقة هو الله، فيكون ذلك مجازاً عقليا، أو مبصر أهله برفع أهل، فيكون من الإسناد إلى الزمان الملابس كقولك: أضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته، وأجبن إذا جبن أهله من الإسناد إلى ملابس الفاعل، غيره الزمان.
فلك أن تقول من باب حذف المضاف، أو الآيتان للشمس والقمر، أى وجعلنا فيرى الليل والنهار آيتين، وهما الشمس والقمر، أو جعلنا الليل والنهار ذوى آيتين، وذلك أنه لم يجعل ضوء القمر كضوء الشمس، بل دونه ويزداد وينقص، وضوء الشمس فيها، وضوء القمر منها، وكان القمر كالشمس فى النور، فكانت شمسان من نور عرشه فمحاه جبريل إلى حاله الآن كذا قيل فالسواد الذى فيه أثر المحو، جاء الحديث بذلك.
وعن عكرمة: خلق الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر كذلك. وأزيل منه إ ليها تسعة وستون، فلها مائة وتسعة وثلاثون جزءاً، فالقمر على جزء واحد، وفى رواية: محاه جبريل ثلاث مرات، وبقى كما هو الآن، وعلى غير هذا يكون المحو بمعنى جعل الليل كما هو من أول، لا محو عن شئ آخر.
{لِتَبْتَغُوا} تطلبوا {فَضْلاً} رزقاً {مِنْ رَبِّكُمْ} بالكسب فى النهار، وهذا عائد إلى قوله تعالى: {جعلنا آية النهار مبصرة} متعلق به.
وقوله: {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} عائد إلى قوله: {فمحونا آية الليل} وقوله: {وجعلنا آية النهار مبصرة} فيقدر له متعلق أى فعلنا ذلك لتعلموا، ويجوز تقدير هذا قبل قوله: {لتبتغوا} والمعنى لتعلموا بتعاقب الليل والنهار عدد السنين والحساب، لأوقات المعاش، كآجال الديون والإجازات، وأوقات الزراعة، وأوقات الدين كالصلاة والحج والصوم والزكاة
" { قل هى مواقيت للناس والحج } " [البقرة: 189] ولا يتكرر ذكر الحساب مع عدد السنين، لأن العدد موضوع الحساب لا نفسه، والعدد شئ حاصل، والحساب فعل الحاسب، وإنما لم أعلق لتعلموا بمحونا لوجود العاطف، وليس من باب العطف على معمولى عامل أو نحوه، ولا يتعلق بمحونا، وجعلنا التعليق الاصطلاحى، إذ لا يعمل عاملان فى واحد، والعاصف أيضا مانع.
وثنى آية هنا، وأفردها فى قوله جل وعلا:
" { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } " [المؤمنون: 50] لتباين الليل والنهار من كل وجه، وتكررها بخلاف عيسى ومريم عليهما السلام، فإنهما لا يتكرران، وعيسى كجزء من مريم.
{وَكُلَّ شَىْءٍ} يحتاج إليه فى دين أو دنيا، لا كل شئ على الإطلاق، ونصب على الاشتغال فى قوله: {فَصَّلْنَاهُ} أى وفصلنا كل شئ على الإطلاق، {تَفْصِيلاً} أى بيناه تبيينا لا مزيد عليه بالقرآن أو السنة، أو اجتهاد العلماء، وذلك كقوله تعالى:
" { ما فرَّطنا فى الكتاب من شئ } "[الأنعام: 38] وقوله تعالى: " { ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شئ } "[النحل: 89] ويبعد نصب كل عطف علىالحساب، أو على عدد، فيكون فصلناه نعتا لشئ.
وكذا فى قوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ} أى إنسان مكلف، وأما غير المكلف فلا حساب عليه، ولا كتاب له، إلا ما عمل من حسنات.
{أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ} أى وألزمنا كل إنسان ألزمناه، والاشتغال من باب التوكيد اللفظى مع اختصار بالحذف، ولا يقدر للتوكيد كل ما للمؤكد، فلا يقدر لأَلزمنا المقدار صائرا فى عنقه، لأن المراد تأكيد الإلزام فقط، كما أن الفاعل لأنك الأول معه، ولا فاعل للثانى فى قوله:

* أتاك أتاك اللاحقون*

وكان أنه لا خبر لأن الثانية فى قولك: إن زيداً إن زيداً قائم، وطائره عمله، والتقدير الأولى شبه التقدير الأولى، والمقدرات من حيث كونها سبباً للفعل المكتسب بطائر على زعم العرب، ووجه الشبه المجئ من المقر الأصلى، وهو الضاد ومقر الطائر كانوا إذا أرادوا سفراً وتزوجاً ونحو ذلك أنفروا طائرا عن مكانه، فإذا سنح أى ذهب على يمينه فرحوا وفعلوا، أو برح أى ذهب إلى يساره تركوا، ويعبرون أيضا علوه إلى الجو، وإلى غير ذلك فينسبون السعادة والنحوسة إلى ذلك، ويعتبرون أيضاً طيرانه بنفسه أنه إزعاج فى ذلك، وكذلك يعملون بالوحش كالغزال فيزعجونه فيذهب يميناً وشمالا.
وعبارة بعض لما كثر ذلك منهم سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشئ باسم لازمه، وعبارة بعض جعلوا الطائر سبباً للخير والشر، وأسندوها إليه بالسنوح والبروح فاستعير الطائر استعارة تصريحية لما كان سبباً لهما، وهو قدر الله والقدر من عمل العبد، وكما أن الطائر ينتقل من عشه، وهو ما يبنيه من عيدان ونحوها فى شجرة أو حائط أو كرره وهو ما فى جبل أو أرض أو حائط بلا بنيان بنحو الميدان إلى موضع، كذلك الحوادث تنتهى إلى الإنسان من علم الله جل وعلا.
وعن ابن عباس: طائره عمله، أو الطائر ما يطير إليه أَى ينويه، وذكر العنق لأنه محل الزينة كالقلادة، والشين كالغل، وما قدر الله لأحد صار إليه كصائر يصير.
وعن مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفى عنقه ورقة مكتوب فيها أسعيد أو شقى، ويروى أن النطفة تجول فى جسد المرأة كله حتى الظفر وإذا تمت أربعون يوماً نزلت دماً فى الرحم، ويبقى الدم أربعين، والنطفة أربعين، وإذا تمت أربعة أشهر صور بشعر وطول وقصر، ولون ذكورة وأنوثة، جمال ودمامة، وكمال ونقص، ونفخ فيه الروح بسعادة آخر ذلك أو شقاوة.
"قال ابن مسعود: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت فى قبره؟
قال صلى الله عليه وسلم:ما سألنى عنه أحد إلا أنت أول ما يناديه ملَك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك، فيقول: لا دواة ولا قرطاس، فيقول: كفك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك أصبعك، فيقطع له قطعة من كفنه فيكتب حسناته وسيئاته ولا ينسى شيئاً كيوم واحد، ولو كان لا يكتب فى الدنيا، ويطوى الملَك القطعة، ويعلقها فى عنقه"
، ثم قال صلى الله عليه وسلم: {وكل إنسان ألزمنا طائره فى عنقه}.
{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا} مكتوباً فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها {يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} قال الحسن: بسطت لك الأرض صحيحة، ووكل بك ملك عن يسارك يكتب سيئاتك، وإذا مت طويت وجعلت معك فى قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة، وكتاباً مفعولا به لنخرج، أو حال من مفعول محذوف وما هو ضمير الطائر أى ونخرجه له كتاباً مفعولا به لنخرج، أو حال من مفعول محذوف وما هو ضمير للطائر أى ونخرجه له كتاباً، ويلقاه ومنشوراً نعتان لكتابا فذلك من تقديم النعت بالجملة علىالنعت بالاسم، فالأولى أن منشوراً حال من الهاء على أنها للكتاب، وضمير يلقى للإنسان وجاز أن يقول: كيف ينزع الملكَ كتابه من عنقه وينشره فيقول له: اقرأ كتباك.
كما قال الله عز وجل: {اقْرَأْ كِتَابَكَ} أى يقال له اقرأ كتابك وجملة يقال له الخ مستأنفة أو حال أو نعت وتم المقول فى قوله حسيبا وذلك النزع هو تطاير الصحف أو تنزل صحف من السماء بطائفة لما فى أعناقهم لا تغاير شيئاً، وزعم بعض أن الكتاب فى الموضعين نفس الإنسان المنتعشة بآثار أعماله، فإن الأفعال الاختيارية تحدث فى الروح آثاراً تدل على تلك الأفعال، كأنها صورها، ولذلك يفيد تكرارها لها ملكات أى كيفيات راسخة، وتلك الآثار قبل رسوخها أحوال، وبعدها ملكات، ولا بد مع ذلك أن يعطى كل أحد كتابه بيمينه أو بشماله وإلا كفر القائل بذلك.
{كَفَى بِنَفْسِكَ} الباء صلة، ونفس فاعل {الْيَوْمَ} فى هذا اليوم يوم القيامة {عَلَيْكَ} متعلق بقوله {حَسِيبًا} حاسباً كضريب بمعنى ضارب، وصريم بمعنى صارم، يقال: حسب عليه كذا، أو كجليس وخليط وعشير، بمعنى المحاسب والمخالط والمعاشر، أو بمعنى الكافى وضع موضع الشهيد، فعدى بعلى، لأن الشاهد يكفى المدعى ما أهمه، وهو تمييز أو حال، وهو أولى لأن الأصل فى التمييز أن لا يكون مشتقا، وعلى كل حال لم يؤنث لتأويل النفس بالشخص، أو لتأويل حسيباً بشيئاً حسيباً، أو رجلا حسيباً، ومن شأن الشهادة والقضاء ونحوها، أن يتولاها الرجل، والكلام فى الرجل والمرأة تحملا لشمول الإنسان لهما فى قوله: {وكل إنسان ألزمناه}وإذا قدر إنساناً حسيباً، أو شيئاً حسيباً، أو شخصاً حسيباً صدق المرأة.