التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً
٥٢
-الإسراء

تيسير التفسير

{يَوْمَ} المراد اذكر يوم، أو بدل من قريبا إذا جعلنا قريبا ظرفا، أو متعلق بيكون، أى يبعثون محذوفا أو بالضمير المستتر فى يكون لعوده إلى ما يصح التعليق به كما علمت.
{يَدْعُوكُمْ} أم الذى فطركم، والدعاء بمعنى نفخ البعث على الاستعارة، أو الدعاء استعارة للبعث، وتوجه الإرادة إليه، ولا نداء ولا كلام فى ذلك، وموجود يخاطب ويعقل، فذلك قوله:
" { كن فيكون } " [البقرة: 117].
{فَتَسْتَجِيبُونَ} بالانبعاث، استعار الاستجابة للانبعاث، والاستعارة فى الموضعين تمثيلية، والمراد سرعة الحصول كإجابة تعقبت نداء، ويجوز أن يكون الدعاء بمعنى النداء حقيقة، ولكن الإسناد مجاز، لأن المنادى إسرافيل على الصحيح، أو جبريل لا الله، كقوله تعالى:
" { يوم يناد المناد من مكان قريب } "[ق: 41] وقوله: " { يوم يسمعون الصيحة } " [ق: 42].
{بِحَمْدِهِ} متعلق بحال محذوف أى ملابسين بحمده على كمال قدرته، أو بأمره أو بطاعته على التجوز فى الوجهين، أو معترفين بأن له الحمد، وكل من الكافرين والمؤمنين، يخرجون من قبورهم، ينفضون رءوسهم من التراب يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك أو المنقادين لبعثه انقياد الحامدين عليه، ولا ينفعهم.
يقول إِسرافيل على صخرة بيت المقدس فى قرن: أيتها العظام البالية، واللحوم االمتفرقة، والعروق المتقطعة، اخرجوا من قبوركم لفصل القضاء، فيخرجون.
روى أبو داود، وابن حبان، عن أبى الدرداء، عنه صلى الله عليه وسلم:
"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسِّنوا أسماءكم" وهذا يناسب أن الدعاء فى الآية النداء، إلا أنه ليس فى الحديث أن هذا النداء عند البعث، أو فى الموقف، ولا بعُد. ولا بأس بنداء الجماد بكلام ليصير حيا، وذلك حكمة من الله تعالى وقدرة ولو كان لا يسمع ولا قدرة له على الحياة، وأيضا لله أن يجعل فيه تمييزاً وفهما وهو جماد، ثم يصير حيًّا بالله تعالى، ولم يذكر فى الآية أن الدعاء للحساب والجزاء للعلم بذلك، من أن الدعاء النداء لأمر معتد به، وإلا كان عبثاً، دعوة المولى لعبده، لا بد أن تكون لمصلحة قوية كالاستخدام وكالتفتيش عن حاله، وكالحضور، ليسجنه أو يضربه أو يعذبه أو يكرمه، والاستخدام فى الآخرة منتف، لأنها ليست دار تكليف.
{وَتَظُنُّونَ إِنْ} هى إن النافية، وهى معلقة بلا إشكال {لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} لبثا قليلا أو زماناً قليلا، استقصاراً لمدة اللبث فى القبر، إما أى وحال هم نجوى، ففى هذا الوجه يتعلق بأعلم بتوسط العطف أو على نفى عذاب القبر فظاهر، ولو عذاب أولا وإما على إثباته فقد يحضر إليه فى قلوبهم جهنم على حقيقتها، فيستقصرون ذلك بالنسبة إليها لحصور أوانها وتحقيق دوامها، والمدة تستطال لشدتها، ولو قصرت فكيف إن طالت، وإذا طالت عُدَّت قصيرة بالنسبة إلى ما هو أطول، فكيف ما يدوم، ويحتمل أن يكون المراد باللبث فيما بين نفخة الموت، ونفخة البعث، فإنه لا عذاب فى ذلك، وقيل: الخطاب للمؤمنين والكافرين، وهو بعيد، وأبعد منه ما قيل: إن الخطاب من قوله فتستجيبون إلا قليلا للمؤمنين لقرينة قوله {بحمده} أى بحمده على إحسانه وتوفيقه، وإنجاز وعده بالبث ولقوله: {وتظنون} وهو ضعيف، لأن الكلام قبل مع الكفار، ولأن الهاء مرتبة على كلامهم، ولا نسلم أن قوله: {بحمده} وقوله: {وتظنون} إلخ دليل لذلك لما مر من تفسيرهما، والظن على ظاهره ويجوز أن يكون بمعنى العلم.