التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
١٧٧
-البقرة

تيسير التفسير

{لَيْسَ الْبِرَّ} الطاعة والإحسان {أَنْ تُوَلُّواْ} فقط للصلاة وتصلوا، بل مع ذلك الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وإيتاء المال على حبه، والإتيان بالصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس، {وُجُوهَكُمْ} أيها المؤمنون، والتعريف للحصر، وأل للجنس أو للعهد، بمعنى ليس البر العظيم الذى أكثرتم الخوض فيه، وقيل الخطاب لهم ولأهل الكتاب {قِبَلَ الْمَشْرِقِ} كما إذا كنتم غرب مكة {وَالْمَغْرِبِ} كما إذا كتم شرقها، وكما كنتم تصلون إلى المغرب قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فإن بيت المقدس غرب المدينة، فإن الشمس تغرب إليه فى أطول الصيف، وما يلى أطواله فذلك المغرب، وليس كما قيل إنه شمال المدينة، ولم يذكر الجهات الأخرى اكتفاء بذكر المشرق والمغرب على طريق التمثيل لا التقييد، لأن من اهل الجهات من يستقبل ما بينهما، وقدم المشرق مع أنه قبلة المتأخرين، وهم النصارى، لتقدم شروق الشمس على غروبها {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} الإحسان الكامل، من آمن بالله، مبالغة كقولك زيد عدل، فهو خبر، ومن مبتدأ، أو بالعكس، وهو أشد مبالغة كمن قال: الصوم هو زيد، وأل للجنس أو العهد، أو لكن البار، والأصل البارر، نقلت كسرة الراء للياء، وحذفت الألف قصداً لكون الراء بسلب حركتها، وأدغمت فى الراء، ولا حذف مضارف فى ذلك، ولا تأويلا بالوصف، لكن فيه تكلف، أو هو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو يبقى على مصدريته ويقدر مضاف فيه، أى ولكن والبر أو فى قوله {مَنْ ءَامَنَ} أى بر من آمن {بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَالْمَلَٰئِكَةِ وَالْكِتَٰبِ} أى من الكتب كلها، كما قال صلى الله عليه وسلم "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" ، أو القرآن، لأنه الذى أنكره أهل الكتاب، وأنه المقصود بالدعوة، وأنه أكمل الكتب، والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب، لأنه مصدق لما بين يديه، وقيل التوراة ولا قرينة له، وهى لا توجب الإيمان إلا بتوسط اشمالها على القرآن المستلزم لذلك {وَالنَّبِيِّينَ} وهذا كله موجود فى المؤمنين قبل نزول الآية، فمحط الكلام قوله {وَءَاتَى الْمَالَ} الخ وما كان فيهم من بعض صفة فقد أمروا بتجويدها. أو الخطاب فى تولوا وجوهكم لليهود النصارى، رد على اليهود إذ قالوا البر استقبال المقدس، وعلى النصارى إذ قالوا البر استقبال مطلع الشمس، وأل فى البر للجنس، ولا حصر فى الآية {عَلَى حُبِّهِ} مع حب صاحب المال، فالهاء لمن، والمفعول محذوف أى مع حبه المال، أو مع حب المال، فالهاء للمال، وَالفاعل محذوف، ومحبه مؤتيه أو الناس، وحبه لجودته أو لقلته، أوَ على حبه على حب الله، فالهاء للمال، أو لصاحبه المؤتى، أو لله سبحانه، أو للإيتاء المفهوم من آتى، وَالتقييد بقوله على حبه للتكميل، وَقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح" ، تأمل البقاء وتخشى الفقر، وَلا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وَلفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا، فصدقة التفقير والبخيل أفضل من صدقة الغنى والكريم، إلا أن يكونا أحب للمال منهما، أو يتصدقا بما هو أعز عندهما، قال صلى الله عليه وسلم، "أفضل الأعمال أحَمزها" {ذَوِي الْقُرْبَى} القرابة بالنسب مع الحاجة، أو دونها، وهو مفعول ثان، والمال مفعول أول، لأنه الفاعل فى المعنى، أى صيره آتيا ذوى القربى، فافهم، ولا تهم، فالمال يأتى ذوى القربى لا مفعولا أول إلا بتكليف التفسير بتناول ونحوه، مما يكون ذوى القربى به فاعلا فى المعنى {وَالْيَتَٰمَى} مع الحاجة أو دونها بوساطة القائم بهم من ولى وغيره لأنه لا قبض لغير البالغ، ولا يتم بعد بلوغ، ولكن يجوز إطعام يتيم ولو بلا قائم ولو حقا واجبا، كزكاة لمن هو فى يده ويتفقده، وما أوتى قائم يتيم فقد أوتى يتيما، لأن قائمه كرسول إليه، فهو معطوف على ذوى ولا حاجة إلى عطفه على القربى، قصدا إلى معنى إعطاء ذوى اليتامى {وَالْمَسَٰكِينِ} أسكنتهم الحاجة فقلت حركتهم، أو أسكنتهم إلى الناس بالميل إليهم، وعن أبى حنيفة، هو من لا يملك شيئاً، والفقير من يملك أقبل من نصاب، والشافعى من يملك شيئاً، والفقير من لا يملك شيئاً، أما السفينة فكانت لمساكين، فللمسكين شىء، لكن ليس فى الآية أن الفقير لا شىء له {وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر مع حاجة فى حاله ولو غنيّاً فى أهله، سمى لأنه يلقيه الطريق كما تلد الأم ولدها، ولأنه يصاحب الطريق كالولد مع أبيه، ولأنه مبنى السبيل كالولد مبنى أبيه، كأنه ولده السبيل، أو لانفراده عن من مع قبل، وقيل: ابن السبيل: الضعيف لأنه يقدم به إلى بيت المضيف {وَالسَّآئِلِينَ} ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، عطف عام على خاص، لأن ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يكونون وغير سائلين، ويكون السائل أيضاً غيرهم دعاء داع إلى السؤال، ولو كان غنيا لتحمله ديناً لإصلاح بين الناس، وكاشتهائه شيئاً ليس عنده، كحامل ومتوحم وحالف على موجوده لا ينتفع به فى محله، وككل سائل ولو غنيا، إذ لا يدرى هل هو غنى، بل ولو غنيا، قال صلى الله عليه وسلم: "للسائل حق ولو جاء على فرس" ، رواه أحمد وذلك سد لذريعة الرد واحتياط للناس {وَفِي الرِّقَابِ} وصرفه فى الرقاب، أى على طريق صرفه فيها، بوزن المصدر، أى لفك الأسرى، واعتاق العبيد، وإعانة المكاتب، وشراء العبيد ليكونوا فى الإسلام، عوناً له فى الجهاد وغيره، وتنجية المضطر، وشراء العبيد المسلمين الذين تملكهم المشركون بالتقويم {وَأَقَامَ الصَّلَٰوةَ وَءَاتَى الزَّكَٰوةَ} أهلها، فما قيل هذا فى غير الزكاة ترغيباً فى النفل لا إيجاباً، إذ لا واجب فى المال بعد الزكاة إلا إن خيف موت أحد، أو نفقة العيال والضعيف، إلا أنواع الكفارات، وعن الشعبى أن فى المال حقا سوى الزكاة، وتلا هذه الآية، وسئل الشعبى: هل فى المال حق بعد الزكاة؟ قال نعم، يصل قرابة ويعطى السائل وتلا هذه الآية وعنه صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه" ، وفى الحديث: "فى المال حقوق سوى الزكاة" ، واجتمعت الأمة إلا من شذ، أنه يجب دفع حاجة المضطر ودفع الكفارات، وذلك ثابت، ولو مع قوله صلى الله عليه وسلم من حديث على، نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة، وهو غريب أخرجه ابن شاهين، وليس فى سنده قوة وأخرجه الدارقطنى والبيهقى، ويجوز أن يكون آتى الزكاة ذكراً للخاص لمزيته بعد العام وهو آتى المال {وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُواْ} ربهم فى طاعة، أو مخلوقاً فيها، أو فى مباح فيه نفع لغيرهم أو انتظار من غيرهم لهم، لا فى معصية أو مكروه، أو مباح لأنفسهم، فلا ذم فى خلاف الثلاثة، والعطف على من، ومقتضى الظاهر ولكن إنه من آمن بالله الخ، وأوفى بعهده إذا عاهد، ولكن غير الأسلوب، لأن ما تقدم بإيجاب الله، وهذا بإيجاب المكلف على نفسه، كما قال إذا عاهدوا، أى لا يتأخر إيفاؤهم عن وقت عهد إليه، وذلك حكمة التقييد بإذا، فليس ذلك فيما أوجبه الله عليه بلا إيجاب منه، كما قيل به، وبأن إذا عاهدوا تأكيد، ومما يكون من إيجابهم بر اليمين والنذر، ورد الأمانة، لأن عقدهن عهد بالوفاء، أو غير الأسلوب إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء، أو إلى أنه أمر مقصود بالذات، أو لأن هذا من حقوق الله وما مرّ من حقوق الناس، والعهود ما يجرى فى الناس مما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالا، والظاهر أن المراد حقوق الله وحقوق العباد، لأن الوفاء بها من حقوق الله أيضاً {وَالصَّٰبِرِينَ} لا تنس الصابرين فى مقام الخير والثناء، أو اذكر الصابرين، أو خص الصابرين، ومعنى كون ذلك نصباً على المدح أنهم فى مقام رفيع، يعرف به المحذوف ولو لم يذكر، قال أبو على الفارسى إذا غير إعراب صفة المدح أو الذم فذلك تفنن، ويسعى قطعا، وذلك أن التغيير المألوف يدل على مزيد الاهتمام بشأن المغير، فإنه لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ، وإلا فسدت وأدت إلى مضرة {فِي الْبَأْسَاءِ} شدة الفقر وفساد المال ولو بلا فقر، كفساد نوع دون آخر، أو فساد فيه كله مع بقاء تقع فيه بلا فقر {وَالضَّرَّاءِ} المضرة فى البدن بمرض أو غيره، كعرج وصمم وعنة، وذكر فى لأن المدح على البأساء والضراء إنما يكون إذا عظنا، وكان المصاب كالمظروف لهما، وأما الصبر على ما قل منه نفى أكثر الناس {وَحِينَ الْبَأْسِ} القتال، والمراد القتال فى سبيل الله، ذكر حين لأن القتال لا يستمر {أُوْلَٰئِكَ} الموصوفون بالإيمان، وإيتاء المال وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والموصوفون بالإيقاء بالعهد، والموصوفون بالصبر {الَّذِينَ صَدَقُواْ} فى دين الله مع الله، وفى دعواهم أنهم مؤمنون، وفى طلب البر، وذكر الثلاث على الترقى، فالصبر على المرض أشد منه على الفقر، والقتال أشد من المرض {وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} عن الكفر وسائر الرذائل، قال بعضهم: هذه الصفات خاصة بالأنبياء استجماعاً، وغيرهم لا يستعجمها، والصحيح أنها عامة فى جميع المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم دعاءً إلى العمل بها: "من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان" .